التخطي إلى شريط الأدوات

Joker – 2019

“For my whole life, I didn’t know if I even really existed. But now I do, and people are starting to notice.”

مهند الجندي.

ينغمس المخرج والكاتب تود فيليبس في حيثيات شخصية بطل فيلمه الجديد Joker –أشهر وأعمق الأشرار في تاريخ القصص المصوّرة وأكثرها جدلاً وشعبيةً في وقتنا الحاضر – لدرجة مضنية غير مسبوقة، في نوعٍ من التوصيف والتشخيص الدرامي، والإسقاط المجتمعي السوداوي، الذي قلما نراه في السينما المعاصرة، ولم نشهده حتمًا في فئة الأفلام المستوحاة عن القصص المصوّرة. ومع أن مجمل أعمال تود فيليبس الماضية لم تكن مبشرة بما أنجزه هنا ولم تحضرنا له فعليًا، على المستويين السردي أو العمق الفكري على الأقل، إلا أنه يبدو في هذه الفيلم وكأنه يغتنم فرصةّ ذهبية يحوّل من خلالها مساره السينمائي من غير رجعة، محدثًا نقلةً نوعيةً في طريقة تعاطي صناعة السينما عمومًا مع شخصيات وأفلام الأبطال الخارقين، ليكون في المحصلة الشخص الأنسب ليُشرَّح هذه الشخصية على الشاشة الكبيرة لأن غيره لم يجرؤ أو يُفكّر في التعامل معها على هذا النحو؛ فيصحبنا تود فيليبس في متاهة عقل الجوكر ولا يخرجنا منها أبدًا.

نتعرّف على آرثر فليك (واكين فينكيس) لأول مرة متأملاً نفسه أمام المرآة، دون أن يهدر تود فيليبس وسكوت سيلفر (الذي شاركه كتابة السيناريو والحوار) لحظةً واحدة في إرساءِ نوعٍ من الجزع المقلق من الوهلة الأولى تجاه ما يعاني منه آرثر نفسيًا واجتماعيًا، ومن وضاعة المجتمع من حوله وتآكل مدينة غوثام بين براثن الفقر والانحطاط الأخلاقي. يعيش آرثر مع والدته المسنّة بيني فليك (فرانسس كونروي)، ويواظب على زيارة موظفة في الخدمة الاجتماعية ليطلعها على أيامه ومستجدات حالته النفسية والعقلية ويحصل منها على أدويته. يعمل آرثر مهرجًا ترفيهيًا ويأمل يومًا ما أن يصبح كوميديًا محترفًا تيمّنًا بالعروض التي يقدّمها قدوته الكوميدي الشهير موراي فرانكلن (روبيرت دي نيرو). غير أن الأسرار التي سيكتشفها لاحقًا عن ماضيه ستُغيّر خططه وخلجات نفسه إلى الأبد.

يجسّد فيلم Joker بطريقة أو بأخرى الأثر الممتد لأفلام السبعينات الأمريكية التي شكّلت معالم الجيل الحالي من صنّاع أفلام وممثلين هناك؛ دمجٌ بين الطبقية الاجتماعية والهلوسة والعدمية في قالبٍ دراسي للشخصية الرئيسية يعتمد بصورة أساسية شبه كاملة على قدرة الأداء التمثيلي، وعناصر أخرى فنية مثل التصوير والموسيقى. ومع أن المجتمع السينمائي وتود فيليبس أقرّ باستلهام عناصر عدّة من أفلام مثل Taxi Driver وThe King of Comedy، من حيث المعالجة وفحوى الأفكار، إلّا أنه قد يكون النسخة الهوليوودية الأقرب على أعمال أخرى أكثر تجردًا وباطنية مثل A Clockwork Orange وAmerican Psycho وDancer In The Dark؛ إذ أنها تُسلّط الضوء على آلية تعاطي الفرد اليائس مع المجتمع الخاوي من القيم وكيف يُمكن أن تؤثّر على دوافع وجوده وتؤدي إلى دمار ذاتي قائم على مشاعر القلق والغضب والرعب، والرفض التام لفكرة الإصلاح التقليدية.

على الرغم من كلّ إيحاءاته البصرية بما فيها فوقية الطبقية الغنية أو النافذة أو حتّى الناجحة المتعالية على طبقة آرثر وأمثاله من الجرذان في مدينة غوثام، واحتفاء الجوكر بجنونه الدموي الفوضوي الثوري بالرقص “أسفل” السلالم التي لم يكن يقوى على صعودها مطلع الفيلم، غير أن الفيلم يفتقر لأبعادٍ تأخذنا للحديث عن مواضيع أكثر عمقًا أو جدية كما في فيلمي مارتن سكورسيسي الكلاسيكيين.

ينتمي هذا الفيلم إلى أعمال أخرى عمد صنّاعها الخروج عن الإطار المألوف في معالجة أفلام الأبطال الخارقين، ومن أهمها Logan وThe Dark Knight، وهو نهج يضع هذه الشخوص الخيالية الخارقة في عالمٍ واقعي داكن مغموم باضطرابات سياسية واجتماعية ونفسية، عبر نمط سردي متأنٍ ومدروس يتطلّب صبر المشاهدين، مع نفحة من الكوميديا قاتمة السواد. وأداء واكين فينكس المتفاني جسديًا ونفسيًا، والذي من المرجح أن يكون الدور الأفضل والأصعب له وفي أي فيلم آخر من هذا النوع على الأطلاق، هو سرّ قوةّ الفيلم دون أدنى شك؛ لا يستذكر الممثل شخصية المهرج من فيلم The Man Who Laughs أو من رواية Batman: The Killing Joke فحسب، إنما يخرج ضحكةً تبدو كأنها تشق صدره ووقعها أشبه بصرخةٍ تهزّ كيانه من شدّة وقسوة آلامه.

التقييم 3 من 4.

IMDb | RT

 

 

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “Joker – 2019

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: