التخطي إلى شريط الأدوات

Ad Astra – 2019

براد بيت في Ad Astra

مهند الجندي.

ألهمت رائعة الفنان العبقري الراحل ستانلي كوبريك 2001: A Space Odyssey، منذ عرضها الأول في عام 1968، عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية، وتعتبر حتّى يومنا هذا عملاً كلاسيكيًا ومصدر إلهام يستخلص منه صنّاع الأفلام دروسًا تقنية وعبرًا إنسانية لا تنضب؛ نظرًا لما يتضمّنه من بدعٍ بصرية باهرة ورؤى فكريّة جعلت منه نموذجًا معياريًا تقتدي وتسترشده به أفلام الفضاء والخيال العلمي في رحلتها الاستكشافية عن خبايا النفس البشرية واحتياجاتها الحقيقية وبحثها الطويل والشاق بين الكواكب ونحو النجوم، هربًا من الأرض التي يدّعون فهمها وانتهاء حكايتهم معها.

من جهة أخرى، فإن رواية Heart of Darkness القصيرة التي كتبها الروائي البولندي البريطاني جوزيف كونراد عام 1902، وحوّلها المخرج الكبير فرانسيس فورد كوبولا إلى عمل سينمائي مهمّ بعنوان Apocalypse Now عام 1979، ما تزال تُشكّل ملاذًا، من الناحية السردية والملحمية، للسينمائيين المهتمّين بالتعمّق في ظلمات وتعقيدات الحروب والدمار النفسي الذي يرسّخ في عقلية من عاشها وشهد مآسيها، في قالب أشبه بالانحدار التدريجي المرير نحو الجنون المطبق وذهاب العقل التام.

يستوحي المخرج جيمس غراي في فيلم Ad Astra مع كاتبه إيثان غروس، الشيء الكثير من هاتين التحفتين، سواءً من حيث تدرّج الأحداث أو بلورة العوالم التي يعرضها ويتنقل ما بينها بطلهما رائد الفضاء، روي ماكبرايد (براد بيت). ومن يُدقّق مليًا، سيجد أجواءً من فيلم Event Horizon للمخرج الإنجليزي بول أندرسون، ونفحات من Solaris للفنان الروسي أندري تاركوفسكي، بالاستعانة كذلك بروح تيرنيس مالك المتأمّلة.

لا يُقدّم Ad Astra ما يكفي ليُحدث زخمًا جديدًا في صناعة السينما أو حتّى فئة الخيال العلمي؛ ما يهدف إليه جيمس غراي من هذا الفيلم، بمساعدة المصوّر السينمائي الهولندي الفذّ هويت فان هويتما والمؤلّف الموسيقي الألماني ماكس ريختر، هو تسخير كلّ هذه الذخيرة السينمائية في صناعة عملٍ ذي أبعاد متداخلة بين العزلة والعلم والبحث عن الهوية الشخصية، بأكبر قدرٍ من الاتزان، واضعنا أمامنا عملاً متقنًا وطموحًا يتطلّب صبر المشاهد، مهما كانت عيوبه الثانوية طاغية على النتيجة النهائية.

عاش روي طوال حياته في ظل أسطورة والده، قلبًا وقالبًا، الذي يؤدي دوره براد بيت في أحد أفضل أداءاته على الإطلاق، وبقدرٍ مؤلمٍ من الكتمان والرّقة التي قد تبدو للوهلة الأولى شكلاً من أشكال التبلّد أو الجمود العاطفي. غير أنه يُركّز فقط على المهمّة المطلوبة منه ولا يسمح لمشاعره أن تتدخّل بتاتًا في حيثيات عمله وإتمامه على أكمل وجه، بل أن معدّل نبضات قلبه لا يتجاوز حاجز الـ 90 حتّى في أصعب المواقف وأكثرها إرهاقًا. وحينما يُطلَب منه في مراحل مختلفة من الفيلم أن يخضع لتقييم نفسي روتيني للتّأكّد من قدرته على مواصلة تنفيذ المهمّة، نراه يُجيب على أسئلة التقييم وكأنه رجلٌ آلي جاف، إلا أنك تلحظ صراعه الداخلي ومعانتاه النفسية بالتمعّن جيّدا في عيني الممثل وتعابير الوجه الخاطفة.

ربما يكشف Ad Astra عن رسائله وأسراره بسهولة أكثر من اللازم للجمهور، لكن صنعة الفيلم وتأنّيه المقصود في عرض مجرياته يُسهمان في نقل مضمونه بطريقة لا تستخف أو تستهين بذكاء المشاهد (مع أن بعض المشاهد الفضائية تبدو سهلة وسريعة التنفيذ أكثر من اللازم). الواضح أن المخرج جيمس غراي يملك موهبةً خاصّة ينجح من خلالها بتبسيط المقاطع الهائلة وتركيزها وتضخيم المعضلات الأسرية، دون مبالغة منفّرة، ويعمد ألّا يوظّف نجومية بطله الرئيسي بصورته التي نعرفها على السجادة الحمراء كما شهدناها مرارًا وتكرارًا، فيعرض مغامرةّ فضائية مدفوعة بعلاقة مضنية بين أب وابنه ضمن محاور حميمية يصعب حصرها أو وصفها حرفيًا، وهي الأحاسيس التي يسعى بطلنا أن يجد إجابةً لها يشفي بها غليله.

IMDb | RT

التقييم: 3 من 4.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: