التخطي إلى شريط الأدوات

فيلم Hereditary سيجعلك تتلفت حولك من الخوف!

ترجمة مهند الجندي عن بريان تاليريكو.

التقييم: 4/4.

فيلم Hereditary، المروّع جدًّا، من الأعمال التي لا يجب أن تشرحها بالتفصيل لأنك إن فعلت ستُفسد ما يخفيه من مفاجآت وتجعل القارئ يتساءل إن كان قد شاهد الفيلم أم حلُم به. يحبس الفيلم أنفاسك ويشعرك بنبضات من الذعر طوال دقائقه التسعين الأولى، بينما يغلب الجنون على النصف الثانية من أحداثه بأفضل طريقة سينمائية ممكنة. فالكاتب والمخرج آري آستر يبني الحكاية بطريقة تجعل من الصعب التأكد ما إذا كانت الأحداث الغريبة التي تشاهدها حقيقيّة أم من نسجل خيال عائلة جراهام؛ عشيرة ملعونة بالكثير من الحظ العاثر وبنزعة وراثية لاكتساب أنواع مختلفة من الأمراض العقلية.

تؤدي بطولة الفيلم الممثلة توني كوليت بدور آني جراهام، فنانة وأُمّ تحاول التأقلم مع وفاة والدتها ووضع اللمسات الأخيرة على معرض فن الديوراما الذي يبدو أنه يُجسد حياة أسرتها وحالتها النفسية. يلعب دور بكرها بيتر، أليكس وولف، فتى حزين مدخّن للماريوانا ومتخبط في الحياة. تشاري، ميلي شابيرو، أخت بيتر الصغيرة، فتاة مضطربة عمرها 13 سنة تحمل في مقلتها نظرة تمثال خامد. يؤدي جبريل بيرن دور ستيف، زوج آني الرزين والطيب، الذي يبحث فقط عن سعادة عائلته ويسعى جاهدًا للحفاظ على أمنها واستقرارها. جميع أفراد هذه الأسرة واجفون بسبب موت شيخة العائلة التي نكتشف لاحقًا أنها رحلت بطريقة لم تكن لطيفًا بتاتًا. لا تتحمل العائلة الإفصاح عن أية مشاعر صريحة أو أي شيء قد يكشف عن خلجات أنفسهم أمام بعضهم. فتخبر آني زوجها أنها ذاهبة إلى السينما فيما أنها في الحقيقة تحضر حلقة للتعامل مع الأشخاص الذين يمرون في فترة عزاء أو حزن شديد تجتمع في قبو إحدى الكنائس، بينما يُخدّر بيتر نفسه بالماريوانا، وتنهمك تشارلي بالرسم في كرّاستها، و …

حسنًا ربما لا ينبغي أن أحكي التفاصيل التي كنت على وشك أن أخبركم إياها، ومن الأفضل على الأرجح أن تختبروا القصة بأنفسكم. فكلما تعمّقت أكثر في الفيلم كلما كنت ممتنًا أنني لم أعرف الكثير عنه قبل دخولي صالة السينما، بما في ذلك العلاقة التي تربطها الحبكة بعنوان الفيلم المكوّن من كلمة واحدة، إن كان هناك علاقة أساسًا.

يتضح لك خلال مشاهدة Hereditary، المتقن إلى أبعد الحدود، أن العمل استلهم الكثير من مجموعة أفلام كلاسيكية واسعة من نوع الرعب أو من غيره، ومن أبرزها Rosemary’s Baby وThe Exorcist وThe Amityville Horror وThe Texas Chainsaw Massacre، وأفلام رعب أخرى آسيوية ممتازة مثل The Grudge وThe Eye.

غير أن الفيلم يُدين بنفس القدر من الإلهام إلى أفلام الدراما النفسية العائلية للمخرجين مايك لي وجون كازافيتيز، التي تضع أشخاصًا قويي الإرادة لكن محطمين للغاية في مكان ضيّق ويحملقون كأنهم يعانون من عذاب واضح بسبب كظمهم لغضبهم، ثم يندفعون بإظهار أشكال من العنف العاطفي، على طريقتهم الخاصة، توازي بحدتها هول سفك الدماء والسريالية. تتعرض العائلة طوال مجريات القصة لأمور مهولة، وفي كل مرة يبتلون بصدمة جديدة يتحطم شيءٌ أكبر في قدرتهم على التحكم بمشاعرهم، ما يكشف عن تصدعات عاطفية في العائلة ككل، ويجعلك تتساءل ما إذا كانت المؤسسات الاجتماعية المحيطة بنا والممارسات اللغوية والعلمية والأدبية المعقدة هي مجرّد وسائل متشابكة لإخفاء الخوف من الموت والمحن الطارئة التي نتعرض لها فجأة.

إن فورات الغرابة والسريالية والمشاهد الكابوسية المتكررة تعيش في المساحات التي تجري فيها الجدالات والانهيارات الأسرية في فيلم واقعي. يتحدث الوالدان والأطفال مع بعضهم بلغة الأفراد المراعين لمشاعر الآخرين لكن سرعان ما تتعلم كيف تكتشف الخبايا العدائية السلبية والأعذار والعيوب والخيانات المتسترة وراء عبارات الاهتمام. وعندما يحدث أمرٌ دموي أو غير مألوف أو مقلق فحسب، يبدو كأنه ردة فعل لأي شيء ترفض أن تتعامل معه الشخصيات بجدية.

A24Films_HereditaryMovie_PromoImage

يعرض الفيلم صورًا للحم ممسوخ ومحروق ومشوّه، وأشياءً مقلقة ناتجة عن انعكاسات وأشعة ضوئية ومؤثرات صوتية تبدو أنها تحدث في ذهنك. يحتوي الفيلم كذلك على عنف نفسي فظيع لكنه ليس بالكمية المهولة التي ستتذكرها عندما تتحدث عن الفيلم لاحقًا. وعلى الرغم من ذلك، إن سألني أي شخص عن مدى العنف الموجود في Hereditary، سأجيبه أنني أعتبره من أعنف الأعمال التي شاهدتها بحياتي، بسبب فداحة الضرر العاطفي الذي لحق بعائلة جراهام من الحياة ومن أفعال أفرادها، ولأن وضع العائلة برمته على وشك أن يتحوّل إلى كارثة، إلى جانب أن الصدمات الصغيرة مؤثرة جدًا لدرجة أنك لا تريد أن تشاهد ما سيحصل عندما تتحوّل وجهة مجريات الفيلم إلى الهاوية (إلا أنك، بنفس الوقت، تودّ أن تصل إلى النهاية، فهذا ما تفعله نوعية أفلام الرعب بالمشاهد).

يدفعك المخرج آستر وطاقم التمثيل إلى الاهتمام بشأن هذه الشخصيات المضطربة والخوف مما قد يفعله الواحد منهم للآخر ولذاتهم وللغرباء من حولهم. فعندما يحدُث أمر فظيع، تشعر دائمًا بالحزن والذهول لأنه سيكون من الأصعب على عائلة جراهام أن تخرج من جحر الحسرة التي أصبحت سجنًا لهم بعد وفاة جدتهم، والتصدي أخيرًا لصدمات ماضيهم التي كانوا يتجاهلونها أو يستتروا عليها.

لا ينفك آستر باقتراح أن أمرًا مروعًا ما قد يحدث في أي لحظة (لاحظ كيف أن كل جسم حاد يحظى على لقطة قريبة قاتمة خاصة به مهما كانت استخدامها)، وعندما يحدث أمرٌ مروع بالفعل، عادةً ما يكون أسوء بكثير مّما تخيلته، ليس فقط بسبب المجريات نفسها بل لأن Hereditary فيلم رعب نادر يُعير انتباهًا واقعيًا للطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع الصدمة النفسية. فنتابع أفراد عائلة جراهام يستلقون على السرير وهم مكتئبين لدرجة الشلل، ونراهم يضايقون ويخاطبون بعضهم بغضب، ويختبئون في قوقعتهم ويؤذون أنفسهم وغيرهم. كادت دموعي تنهمر من بعض مشاهد الفيلم بسبب الطريقة الوحشية التي يتحدث بها الأشخاص مع بعضهم، وتفوههم بأشياءٍ مؤذية دنيئة وأنانية بقدر ما هي صحيحة أيضًا، ما يُحدث ألمًا عميقًا لا يمكن محوه أبدًأ في نفسيتهم، كل ذلك لأنهم يعانون من وجع شديد لدرجة أنهم يريدون أن يروا غيرهم يتأذون أكثر منهم.

من النادر لفيلم رعب منهمك تمامًا بفن القفزات المجفلة الهابط أن يكون مهتمًا فعلًا بالمواضيع الأوسع التي يطرحها، لكن Hereditary أحد تلك الأفلام. يبدو أن فيلم آستر يهاجم العقلانية نفسها أحيانًا، يكشط ويخدش ويمزق في بنية ولغة الفكرة التي بلورناها عبر آلاف السنين من أجل أن نعيش في العالم، بالهدف النهائي المتمثل في العودة بالزمن لكي نعاود الاتصال بالعقلية الجوفاء المؤمنة بالخرافات التي نظرت إلى السماء عندما بدأ المطر ينهمر وتساءلنا حول ما فعلته القبيلة فأغضبت الآلهة.

يطرح الجزء الأخير من الفيلم بعض الأسئلة حول مدى حقيقة ما شاهدناه للتو، لكن الأحداث تبدو ملائمة نظرًا لحجم الاهتمام الذي يكرسه النص للأمور المتعذر تفسيرها. تجدر الإشادة بالمخرج آستر ومصوره وطاقم التصوير والإضاءة وقسم الصوت بكامله على توليفه لحظات مريبة متخيّلة بطريقة محددة تجعلك تجزم بأنك لم تشاهد مثيلًا لها من قبل في حياتك. لم أشعر بمثل هذا التوتر خلال مشاهدتي لفيلم منذ مدة طويلة، إذ كنت قلقًا من أن شيئًا خبيثًا يترصدني ويتربص ورائي؛ هذا الفيلم جعلني أتلفت حولي من الخوف.

IMDb | RT

Hereditary-2018-Poster-Clip-1024x576

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: