التخطي إلى شريط الأدوات

Blade Runner 2049 – 2017

Blade Runner 2049

“Dying for the right cause. It’s the most human thing we can do.”

ترجمة مهند الجندي عن بريان تاليريكو.

يبحث فيلم Blade Runner 2049 جاهدًا وخالصًا، لمدة 163 دقيقة من السينما المدروسة بأسلوبها وشكلها، في معنى الإنسانية ومحياها، ليكون عملًا جميلًا مرافقًا لفيلم ريدلي سكوت Blade Runner الذي قلب موازين سينما الخيال العلمي إلى الأبد. ما يزال من المبكر أن نتنبأ إن كان هذا الفيلم التابع له سيُحدث نفس التأثير والبصمة التي تركها العمل الأول الثوري بأفكاره وطريقة معالجتها، لكن الواضح أن الفيلم الجديد، من لحظاته الأولى، لن يكون مجرّد عمل صُنع ليرضي حنين الجمهور واشتياقه للفيلم الأصلي فحسب.

على نقيض الكثير من أفلام الروبوتات أو الأجزاء الثانية الصادرة بعد مدة طويلة من الجزء الأول التي تكتفي بإعادة توليف مواضيع وشخصيات أفلام أصلية ذات شعبية جارفة فتعطي الجمهور راحةً جوفاء من الألفة الرتيبة، يُوظّف المخرج دِني فيلنوف وفريقه المواضيع التي طرحها Blade Runner بطموحٍ لامتناهٍ ليضيف على النقاش بدلًا من تكراره لجني الأرباح منها فقط، وبذلك، فقد صنعوا أحد أعمق وأصعب الأفلام الفلسفية في فئة الخيال العلمي، عملٌ يأبى أن يقدم حلولًا سهلة للمشاهد لا بل يُدخِلُهُ في دوامة من الصور المتحفية عن روح الإنسان.

ما يُصعّب عملية مراجعة هذا العمل على الناقد السينمائي هو أن المخرج دِني وفريق الإنتاج في شركة “وورنر براذرز” طلبوا من النقّاد أن يحتفظوا بأيّة تفاصيل قد تحرق أحداث الفيلم لأنفسهم، وألّا يفصحوا عن أي شيء يقدّمه العمل ولو في دقائقه الأولى (حتى الشيئين الذين أفسدتهما المقاطع الدعائية)، لأن الطريقة التي يكشف بها الفيلم عن أسراره وأفكاره وروابطه تُعدّ من أبرز نقاط قوته، وهذا تمامًا ما سألتزم به في هذه المراجعة.

سأستعرض عليكم حاليًا الخيوط الأساسية للفيلم بما تحمله من جماليات. ينقلنا دِني فيلنوف إلى لوس أنجلوس في العام 2049 عبر موجةٍ من الصور الأخّاذة التي تلتقطها عدسة المصوّر الأسطوري روجر ديكنز وينفذها فريقٌ بارع في المؤثرات البصرية. ومع أن أحداث هذا الجزء تدور بعد مرور عقود على مجريات الفيلم الأول، فما تزال مطاردة وتدمير الآليين مهنة يشغلها محقق يُطلق عليه “بليد رانر” ويُجسدها هنا الممثل راين غلوسينغ بدور عميل يُعرف باسم “كاي”، مهمته أن يتعقب الآليين القدامى المستنسخين عن البشر الذين لجئوا إلى الاختباء وتجاوزوا فترة حياتهم التي بُرمجوا عليها أساسًا بسنوات طويلة.

نشاهد في افتتاحية الفيلم المحقق “كاي” يتعقب رجلًا آليًا يحاول ببساطة أن يعيش حياة هادئة وأن يعمل مزارعًا مسالمًا (ديف باتيستا مرتديًا النظارات، مضيفًا الكثير على دوره الصغير). ما يجده هناك يُشعل فتيلة القصة التحقيقية التي يُبنى عليها الفيلم، ويدفع “كاي” لحل لغزٍ عن ماضيه وتاريخ الآليين المستنسخين وقوة الذاكرة ومعنى الحياة البشرية. يُشاركه بطولة الفيلم كل من روبن رايت وجاريد ليتو، وهاريسون فورد -بطل الفيلم الأول.

Blade Runner 2049

لقد اتضح للجميع، منذ أن بدأت تتسرّب مشاهد Blade Runner 2049 عبر الإنترنت، أن مخرج فيلمي Prisoners وArrival قد ابتكر فيلمًا تكسوه بصمته الواثقة ولغته البصرية القوية. كما أن الحديث عن فوز روجر ديكنز بالأوسكار بدأ من المقطع الترويجي الأول للعمل، بعد أن كان مهمّشًا دائمًا من الأكاديمية؛ فالفيلم مذهل بصريًا بلا أدنى شك، ومن الأعمال التي يُمكن تقديرها بتأمل صورها دون أي صوت. لا تقتصر براعة المخرج فيلنوف والمصّور ديكنز في التعبير عن الجوانب “المستقبلية” من رؤيتهما فحسب، بل نجحا كذلك في صناعة فيلم غالبًا ما ترتبط صوره المذهلة بالطبيعة نفسها.

عندما أتأمل هذا الجزء ينشغل تفكيري في تحطم الأمواج وسقوط الثلج، وطبعًا، هطول الأمطار بغزارة، هذه الأخيرة صورة رمزية اشتُهر بها الفيلم الأول يكاد يستغني عنها النصف الثاني من الحكاية. يتفنن فيلنوف وديكنز أحيانًا في تجسيد هذا العالم المدهش بصريًا، إذ يلتقطون صورًا تنسجم مع أفكار الفيلم، فلا أنسى منها “ضآلة حجم” المحقق كاي بحضرة تمثالٍ عملاق في مرحلة يُشكك فيها بوجوديته في العالم، أو لحظة تجمعه مع صورة تجسيمية (هولوغرام) تخرج من لوحة إعلانية يصل ارتفاعها إلى 10 طوابق لتذكّره بما خسره، كل ذلك دون أن نغفل أبدًا عن الجمال المحض الذي يزُيّن هذا العالم. أعتبر هذا الفيلم من أبدع الأعمال من حيث التصوير ليس فقط لعام 2017 إنما خلال السنوات القليلة الماضية. وأتحرق شوقًا لمشاهدته مرة أخرى فقط لأتجلى على صوره دون أن أكترث بتتبع حبكته. كما أن التصميم الصوتي رائع ومتقن لدرجة أنه يكاد يجتاح حواسك، إنه فيلم لا تشاهده بذهنٍ خامل بل تختبره بكل جوارحك. الفيلم ليس استعراضًا بصريًا دون أي عمق، فهو يوظف هذه الصور بأسلوب مبرر وفي محله.

يُثبت فيلنوف كذلك مرة أخرى مهارته في إدارة أداء الممثلين، كما فعل مع آيمي أدامز في Arrival وبينسيو ديل تورو في Sicario، وخصوصًا مع راين جلوسينج الذي يؤدي أحد أفضل أدواره حتى الآن في مسيرته. يرتدي الممثل الدور كالقفاز نظرًا لما يخفيه شكله الوسيم من ضعفٍ وهشاشة نفسية، ويسمح لمشاعر الخوف والحيرة أن تصبح دوافع تُسيّر كينونة المحقق “كاي” دون المبالغة إطلاقًا بانفعالاته ومشاعره الدفينة. إنه أداء رائع، والمخرج يستدرج أداءً بنفس البراعة من سيلفيا هويكس وآنا دي أرماس أيضًا.

من الناحية السلبية، شعرت بأن الفيلم اجتر قليلًا مع نهاية الساعة الأولى من أحداثه فيما أردت أن يُسرّع من نسق السرد في هذا الجزء بالذات، وشعرت أن بعض الشخصيات تتصرف بضرورة تخدم الحبكة وليس من دافع سلوكي يُمكن تصديقه، لكن هذا نقدٌ قد يتلاشى ويُنسى بعد مشاهدة الفيلم مرة أخرى.

كان من السهل للغاية أن يتم إحياء سلسلة Blade Runner مباشرةً ومتابعة قصة ديكر ورايتشل من الفيلم الأول أو حتى إعادة تصويره بحذافيره. وعلى الرغم من أن مئات الكتّاب والصنّاع الأفلام استلهموا الكثير من الفيلم، فمن الصعب أن نصدق بأن أيًا منهم كان سيجد طريقة ليُعزّز تأثيره الراسخ بنفس مستوى الكمال الذي نجح به المخرج في فيلمٍ لا يبدو مُكرّرًا بتاتًا. فهو لا يسعى أبدًا لتحسين أو استبدال ذلك العمل، إنما يكملان ويثريان بعضهما دون تقليد الثاني للأول.

يطرح الفيلمان أسئلة أزلية، ومثل كلّ الأفلام العظيمة، لا يقدمان كلّ الإجابات، ما يتيح للمشاهدين أن يتحاوروا ويتناقشوا حول معاني هذه الإجابات عوضًا أن يكونوا متلقين خاملين لترفيهٍ بلا هدف أو معنى. وفي هذا الصدد، يُجيب Blade Runner 2049 عن أحد أسئلته حول معنى أن تكون بشريًا – بأن تملك حرية التفكير – ومدى أهمية تقدير الفن الذي صُمّم بهدف إشباع الروح والارتقاء بها.

IMDb | RT

victor-martinez-env-extrooftop-kshee02-v04-160425-vm

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: