التخطي إلى شريط الأدوات

You Were Never Really Here – 2017

Spoilers Alert

مهند الجندي.

تتناول الاسكتلندية لين رمزي في فيلمها You Were Never Really Here قصةً تكاد تكون تقليدية كليًا، وحتى مكرّرة، على الورق، لكن من الواضح تمامًا أنّ المخرجة والكاتبة، التي اشتهرت بأفلام مثل Morvern Callar وWe Need to Talk About Kevin، لا تكترث فعليًا بالحبكة بقدر اهتمامها بعرض المجريات في قالبٍ تجريبي وأسلوبي؛ متعمدةً توظيف أدوات سينمائية مثل التصوير والموسيقى والمونتاج، برؤيتها الخاصة، راميةً بواسطتها إلى تجسيد خلجات البطل وأزمة طفولته وتجاربه السابقة التي تضني أيامه، دون تكلّف عاطفي، والذي تصفه وما يعيشه فيه بأنه “عقلٌ مليء بزجاج مكسور”.

يُكلَّف جو (واكين فينيكس)، وهو عميل استخباراتي سابق يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، بإنقاذ طفلة صغيرة اسمها نانا (ايكاترينا سامسونوف) بعد اختطافها على يد شخصيات نافذة منخرطة بالتحرش الجنسي بالأطفال والإتجار بهم. نقابله للمرة الأولى حبيسًا مغلفًا بكيس من البلاستيك، جاهدًا بشهيقه وزفيره، وكأنه يتعرّض للخنق، مسكونًا بأصوات تناجيه بأن يُحسّن من أدائه. نعرف منه لاحقًا أنه قادر على التصرف بالعنف، عند الضرورة، بومضات من تعرضه لسوء المعاملة وعمله العصيب، على الرغم من علاقته الودودة مع والدته (جوديث روبيرتس)، واستبعاد المخرجة لكاميراتها عن صُلب معظم وقائع العنف والجرائم، وتركيزها على الأثر الفعل نفسه بعد حدوثه.

تحكي المخرجة لين رمزي السيناريو، الذي كتبته خصيصًا للممثل واكين فينيكس، بالصور وأوجاع بطل القصة، مؤكدةً مرّة أخرى أنها من أنصار صناعة السينما من أجل السينما وقوتها البصرية لا الحوارية؛ تصنع الفيلم كما تشاء ضاربةً القصة عرض الحائط بالتركيز على المشاعر الدفينة، وأحاسيسٌ يُحال أن تعبّر عنها أية كلمات تنطق. بيد أن ما تتعمق فيه لين هو نوع من الهذيان الفاصل بين واقع مرير وكابوس لا ينتهي. يلقي العمل تحيّة بلا شك لعدة أفلام منها كلاسيكي وغيرها معاصر، أبرزها Taxi Driver، وأحدثها Drive، لكن أسلوبها مبتكر باختزالها لما نعرفه عن البطل وما شهده في ماضيه، وكيفية تجسيده عبر قوة فينيكس التعبيرية في كل إيماءة، فنكاد نقترب من ملامسة أوجاعه دائمًا، دون نجاح فعلي. مع أن مسيرة الممثل لم تخلو من بعض الأعمال المنسية، فمشاهدته يعمل بهذه القوة الجسدية والنفسية المجرّدة تبقى آسرة وملتهبة في كل مشهد كما كان في أدوار أخرى تحمل نفس المستويات المتداخلة من التوصيف والأبعاد الدرامية مثل The Master.

يُمكن تنصيف العمل سطحيًا على أنه إثارة وانتقام، لكنه لم يُصنع لهذا الغرض. فهو أقرب إلى دراسة تشريحية لشخص عجز عن حماية نفسه وأسرته في الطفولة، فأصبح يحاول تلبية نداء الضحايا الضعفاء ومساعدتهم في الوقت الحاضر. ثمة كذلك نفحات من الفكاهة المستترة، خصوصًا بين جو ووالدته، وتحوّل عاطفي ورضا كامن يشعر به جو، دون أن يفصحه فعلًا، عندما ينقذ ضحية عاجزة ومستسلمة كما كان هو في صغره.

عند الحديث عن التشابه بين جو وشخصية ترافيس بيكل من Taxi Driver، تبرز عدم قدرة الأخير على التواصل مع الآخرين، أو على فهمهم خارج إطار احتياجاته الضيّقة الأنانية، وما يصبو إليه من خلاص ذاتي مضطرب وليس بطولي من علاقته معهم. فيما أن عيشة جو مغايرة عن هذه الحياة، فلأنه يسعى للبقاء متخفيًا ومجهولًا ويحقق هذا الهدف إلى حد كبير، يدفعنا الفيلم – بصوره التأملية الغريبة الخاصة – أن نتواصل مع الآخرين والعالم من حولنا، وأنّ نكف عن التهرب عن حقيقتنا، وتقبل معاناتنا ونتعامل معها كجزء من حياتنا.

لا يتضح ذلك بتسليط ضوء متعمق على الرجل وليس على مهماته نفسها فحسب، بل كذلك من خلال كافة الاختيارات المتناقضة والمخالفة لما قد نتوقعه من أي مشهد؛ كاختيار المخرجة لأغنية مثل Angel Baby في أول مشهد من المفترض أن يكون دمويًا للغاية، أو مواجهة مفصلية يخرج منها جو خالي الوفاض دمويًا، قبل انهياره وكأنه لم يحقق ما أتى من أجله، وعليه لم يجد المرهم الذي لطالما طبب به ندوبه التي غطت جسده وصقلت شخصيته. يجد جو نفسه أخيرًا مع الضحية وجهًا لوجه وهي تبدو قادرة على تجاوز ما مرت فيه، فلا تعرضها المخرجة كضحية بلهاء مبتذلة، بل ترى أنه “يومٌ جميل”.

التقييم: 3 ونص من 4.

IMDB | RT

you-were-never-really-here-trailer-000

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: