التخطي إلى شريط الأدوات

Nocturnal Animals – 2016

Nocturnal.Animals.2016.1080p.BluRay.x264.DTS-WiKi[EtHD].mkv_20170826_235732.762

جابر الغول

منذ اللحظات الأولى لفيلم “حيوانات ليلية”، يعطينا الأميركي توم فورد لمحةً عما سنراه في باقي عمله الثاني بعد رجل وحيد (2009)، يمسّكُنا طرف الخيط، يهيّئُنا نفسيًا، يقول لنا من خلال لقطات النساء البدينات اللواتي يتراقصنَ عارياتٍ على نحوٍ مقلقٍ ومريب، أنَّ طريق هذه الرحلة التي ستستمر لساعتين، سيكون محفوفًا بالقلق والتوتُّر وبأشياء كثير غير عادية وغير منطقية، أو لنقل بنية الفيلم كلها لا تعترف بما هو منطقي وعادي، وليست قائمة على قواعد قد تهدد بركن الفيلم في خانة “العادي” و”المفهوم”. يخبرنا توم فورد (المخرج والسيناريست ومصمم الأزياء) من خلال رقصات النساء العاريات اللواتي يلوّحنَ بالعلم الأميركي مُبتَسِمات، أنّ القادم سُريالي، أن هذا العمل فوق واقعي، “عقل باطني”، تمتزج فيه الحقيقة بالحلم والواقع بالخيال.

العمل المُستوحى عن رواية “طوني وسوزان” للروائي الأميركي “أوستن رايت”، بدا لي بيانًا شديد اللهجة ضدّ العالم الحديث/المُعاصر، ضد نمط حياته وعلاقاته العاطفية وعلاقات إنتاجه، ضد ماديّته -أو غرقه فيها- وقانونه و”حضارته”.. وضد إنسانِه. يشعر المرء بذلك من خلال المشاهد التي تبرز كآبة حياة سوزان (إيمي آدمز)، التي تسكن قصرًا لكنّها تشعر بالفراغ والخواء، برفقة زوجٍ في غاية الوسامة والثراء، لكنّه يخونها، زوج ذو طبيعة ماديّة، ظنّت أنّها تشترك معه بهذه الطبيعة، حينَ تركت زوجها إداورد (جيك جيلنهال) الذي هجرته لرومانسيّته، لمثاليته، الذي اتهمته بأنه روائي فاشل. هذا الكره للعالم المعاصر وإنسانه يتمثّل في لقطات تظهر كم هي باردة ومُنغَمِسَة في الخوف والتوتر والقلق حياة سوزان وكيف يكسوها لونٌ واحد “الأزرق”، وفي لقطاتٍ أخرى تبيّن كم هي حياة المدينة سالخة للإنسان عن إنسانيّته وخاوية، كم سماؤها موحشة ولا تشبه السماء التي نعرفها في شيء إلا بأنّها فوق رؤوس البشر.

تتصاعد شدّة لهجة هذا البيان، مع الدخول في عالم “الرواية” (الرواية التي كتبها إدوارد وأهداها لسوزان)، طوني (الذي يؤدي دوره جيك جيلنهال أيضًا) رجل العائلة المسالم جدًا، تُغتَصبُ زوجته وابنته وتُقتلان على يدّ ثلاثة قطّاع طرق خلال رحلةٍ عبر غرب تكساس. طوني لو لم يكن ضعيفًا، لو كان قادرًا على الدفاع عن نفسه، لو كان بحوزته مسدّس أو حتّى سكّين، لحمى عائلته، لقتل هؤلاء الثلاثة الأوغاد وحافظ على حياة من يحبُّهُم، كما فعل -مثلًا- توم ستال (فيغو مورتينسين) في تاريخ العنف (2004) حين حافظ على بقاءه وبقاء عائلته عبر العنف وتاريخه -أو مهاراته- بقتل البشر. لكن طوني يُمثّل الإنسان الحديث، أو “الإنسان الأخير” الذي ينشد السعادة والرخاء والأمان، إنسان الرفاهية، الذي لا يستعدُّ للأسوأ ويترك أمور الأمن والدفاع عن النفس للقانون، للشرطة التي وفي مشهدٍ يسخر من العالم المعاصر وقوانينه، تمرُّ مسرعةً أثناء اعتداء العصبة على طوني وعائلته ولا تعيرهم أي انتباه!
في المقابل، يطلِعُنا الفيلم، على نقيض الإنسان المعاصر، الرجل القادر على حماية نفسه، الذي لا يجدُ أي غضاضةً بالقتل، المُحقّق بوبي أنديز (مايكل شانون) ذي الشخصية الأقرب لمُمثّلي أفلام الغرب القديم/المتوحّش، المصاب بسرطان الرئة، الذي لم يعد لديه ما يخسره، ولا ينشد السعادة ولا يبتغي الرخاء ويتوقّع الأسوأ دومًا ويجهّز نفسه له. بوبي يمسك المسدّس بشجاعة، يضغط الزناد دون خوف، ويقتل الأوغاد بضميرٍ مرتاح، بوبي ابن القانون، يعرف أن القانون، حينَ يَجدُّ الجدّ لا يحمي الناس، ولا يعيد لهم حقوقهم، وهذا القانون يعوّل عليه، لكن ليس في حماية الناس، بل في تسجيل الجرائم ضد مجهول. يعلم بوبي جيدًا أن القانون لن يعطيه مراده، لن يعطيه الانتقام، لذلك يقدّم له عرضًا لا يمكنه أن يرفضه: لنقتل أبناء العاهرة بأيدينا!! هنا تتجسّد ثنائية “الإنسان الحديث” ضد “الإنسان التقليدي/ إنسان الغرب المتوحّش”، وهي ثنائية موجودة في كثيرٍ من أفلام أميركية تنتصر للأخير وتهجو الأوّل وتحتقر ضعفه وهوانه وعجزه عن حماية نفسه.
الفيلم يمكن اختزاله -وإن كان هذا الاختزال تبسيطًا وظلمًا له- بتلك اللقطة التي تقف فيها سوزان أمام لوحةٍ فنيّة كتب عليها “انتقام”. إنه فيلمٌ حول الانتقام، انتقام إدوارد من سوزان، إنه الآن يكنُّ لسوزان أعلى درجات الضغينة، بقدر ما كان -وما زال- يكن لها أعلى درجات الحبّ، لكنّه لن يلجأ لطريقةٍ تقليدية أبدًا. أولًا سيردّ اعتباره ويثبت لها بأنه روائي ناجح ومؤثّر، حينَ يرسل لها روايته والتي تحمل عنوان “حيوانات ليلية” (مستوحى من اللقب الذي كان يطلقه عليها.. “حيوان ليلى”!). وثانيًا من خلال قدراته ومهاراته في السرد الروائي وبناء الشخصيات وخياله الواسع المترامي، سيتلاعب بسوزان نفسيًا، ستسكنُ في جحيمٍ مقيم وهي قاطنة في قصرها الفاره، سيتملّكُها القلق وينهشها الخوف، ومع كل صفحة تتوتّر أكثر، ومع التقدّم أكثر بالرواية تشعر بالهلع، بأن ما في الرواية ليس إلا إسقاطًا رمزيًا عليها وعلى حياتها وزواجهما الذي فشل -أو الذي أفشلته-.التشابه في الشكل بين زوجة طوني وابنته وبينها وبين ابنتها -كُلُّهنّ صهباوات!- يثير الرعب في قلبها، فتتناول الهاتف لتطمأنّ على ابنتها، التي وفي إبداعٍ بصري لا يبخل علينا به العمل، تكون مستلقية وهي عارية وظهرها للكاميرا في لقطة مشابهة إلى حدٍ كبير لأعظم لقطات الفيلم وأكثرها إثارة للذعر والحزن، حين يعثر طوني أخيرًا على زوجته وابنته، لكن مقتولتان ومغتصبتان، ممددتان على أريكةٍ حمراء مقابل بعضّهما كأنّ الذي ارتكب الجريمة كان يخلق عملًا فنيًا شبيهًا بتلك الأعمال التي تغصّ بها حياة سوزان. ثمّة لغزٌ ما في هاتين اللقطتين، في هذا الربط بينهما، أكون كاذبًا لو زعمتُ أني نجحتُ بفكّه!
vlcsnap-2017-08-29-20h04m42s047.png
انتقام إدوارد المثالي، وحتى يصبح مثاليًا فعلًا، تنقصه لمسة أخيرة، خاتمة تجعله انتقامًا فريدًا، انتقام مبني على التعذيب النفسي (بواسطة الخيال والكلمات والتلاعب بنفسية القارئ وعقله)، انتقام عبر جعل سوزان تحنُّ لماضٍ هي بأمس الحاجة للعودة إليه، بعد أن صدمت بحاضرٍ لا شيء فيه إلا الخواء وانعدام الإخلاص وطغيان المظاهر والاستعراض. يحينُ موعد اللقاء المرتقب بين سوزان وطوني، وتنتظر سوزان.. وتنتظر، ولكن طوني الذي رأيناه فقط عبر مخيّلتها، ومن خلال ذكرياتها معه، لا يأتي، لا يرسله الماضي ليُخلّصها من القلق والخوف الذي جلبهما لعالمها عبر روايته، لا يعود، ليكون بذلك قد أطلق رصاصة الانتقام الأخيرة عليها، عبر تركها وحيدة، وسط عالمٍ باردٍ موحِش، ماديّتُه تزيد من عدميّته، وازدحامه بالأشخاص الاستعراضيين الفرجويين واللامُخلصين (كزوجها) لا يزيدها إلا وحدةً وعزلةً وخوفًا وكآبة، عالم هي اختارته!
عمل توم فورد هذ يبدو أنه استقى من عدة منابع، من الـFilm noir “الفيلم الأسود”، حيث الأنثى الفاتنة تقود الرجال للجوانب المظلمة في أعماقهم، وكذلك من سينما أكثر المخرجين كرهًا للبشر -برأيي- ألفريد هيتشكوك، من خلال المشاهد التي نعرف فيها ماذا سيحدث للشخصية من خلال علامات وإشارات معينة، نحس بالخطر قبل أن يحس به، فنكاد نقول لطوني انتبه هناك مغتصبون على الطريق، حذارِ هؤلاء سيقتلون عائلتك! “التأثير الهيتشكوكي” كذلك، يتضّح في التوتر الذي نُصاب به طوال الفيلم، لا لخوفنا من مما سيحدث، بل كيف سيحدث، إذ من السهل معرفة أن زوجة طوني وابنته ستغتصبان وتقتلان، وأنّه سينتقم من القتلة، لكن كيف سيحدث ذلك، بأي طريق وأي شكل؟ هذا هو الذي يجعلنا متوتّرين وقلقين، ويُحيلنا لأعمالٍ تلاعب فيها هيتشكوك بنا نفسيًا، وأدخلنا في دواماتٍ من الترقُّب والخوف والقلق، مثل مضطرب العقل (1960)، شمال شمال غرب (1959)، الحبل (1948)، اشتباه (1941)، الرجل الذي عرف أكثر من اللازم (1956)، فرينزي (1972).
ثمّة أيضًا تشابه بين “حيوانات ليلية” و”أمنية الموت” (1974)، في أكثر من جزئية، مع الفرق الشاسع بين الفيلمين، بين فيلمنا هذا الذي يقدّم منظورًا جديدًا للانتقام مرفقًا بألغازٍ سيكولوجية وعناصر سريالية، وتكويناتٍ بصرية متقنة، وبين فيلمٍ عن الانتقام، عن تحوُّل رجل عائلة مسالم إلى “مُقتّص”، ما لبث أن تحوّل في أجزائه التالية إلى فيلم إثارة لا أكثر. لكن هذا الفرق لا يلغي نقاط التشابه بين العملين، المحنة الذي تعرّض لها كلٌ من طوني وبول (تشالز برونسون)، والتشابه بين العصابة التي اغتصبت عائلة بول والثلاثة الذين اغتصبوا زوجة وابنة طوني (من خلفيات فقيرة، ويبدو الوقود الذي أشعل نيران جرائمهم هو الحقد الطبقي.. هذا ما يقوله الفيلمان!). وكذلك عجز القانون ومؤسساته عن حماية الناس وردّ حقوقهم إليهم، والرغبة في الانتقام، واللجوء إلى العنف الفردي ونقد الإنسان المعاصر-أو تحقّيره-، الإنسان الساعي للأمان والسعادة، الإنسان الأعزل، عبر تصوير ضعفه وعجزه عن حماية نفسه دون أن يحتمي ويلوذَ بأصنافٍ مختلفة من الآلهة، آلهة تفشل دومًا.
الكتابة عن عملٍ كهذا ظلمٌ له، عليّ أن أعترف بذلك، وكتابتي هذه مجرّد انطباعات لا أكثر، لا تقدّم أيّة حقائق راسخة حول مضمون الفيلم، فقط تأويلات. وهو فيلمٌ مثالي بصريًا، ومكتمل من ناحية “الرعب النفسي”، فالمرء ليس بحاجة لرؤية أنهارٍ من الدماء تتدفّق أو أشلاء تتناثر في كل مكان، وليس عليه أن يشاهد عنفًا مبالغاً فيه -حتى عملية الاغتصاب لم نُشاهدها- حتى يتملّكُه الخوف والقلق، ويدبّ الرعب في قلبه. فافتتاحية الفيلم المريبة، وقصر سوزان المُترَع بالكآبة بالرغم من طرازه ما بعد الحداثي، ولون السماء الجحيمي، وطريق تكساس الحالك المليء بالمهالك.. كل هذه الأشياء مُمتَزِجةً بموسيقى البولندي إيبل كورزينياوسكي المُربِكة، المبشّرة بخرابٍ ما، بأن دفعةً من الكآبة والبؤس واللااستقرار في طريقها إلينا! تضمنُ أن يتوتّر المرء ويستمرّ توتره لأيام، أن يرتعب ويرى ما شاهدهُ مسقطًا على حياته، كما حصل مع سوزان وهي تقرأ رواية إدوارد، وهي تلتهم انتقامه بنهم، ويبدو أن توم فورد أراد من عمله الشيطاني هذا أن ينتقم منَّا، من كل إنسانٍ معاصر!
vlcsnap-2017-08-29-20h10m55s426.png
Liked it? Take a second to support جابر حيان on Patreon!

جابر حيان

لا تعليقات بعد على “Nocturnal Animals – 2016

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: