التخطي إلى شريط الأدوات

My Life Without Me – 2003

اعرفْ جيداً أنه ليس مؤلماً على الإطلاق أن تقف خلف النافذة كما يفعل من ينتظر شيئاً, أحداً ما, أو من يدفعه الفضول إلى الاطمئنان مرةً أخرى إلى أن الأشياء في الخارج ما زالت هناك وأنه لم يمت بعد لكي يفقدها.

بسام حجار – كاتب وصحافي لبناني

الموت هو المصير الذي نشترك به كلنا, ولا أحد يهرب منه. وهذا ما يجب أن يكون لأن الموت غالباً جداً هو الاختراع الوحيد الأفضل للحياة.

ستيف جوبز – رجل آبل الراحل

هذه هي السعادة, فلا يمكنني أن أرجو أي شيء أفضل. أشعر بالامتنان كثيراً لحياتي, التي أعطتني كثيراً.

إنغمار بيرغمان – صرخات وهمسات

    إذا بحثتَ عن نوع متميز من الميلودراما الذكية التي تخرج منها بأقل حالة ممكنة من الحزن أو الغضب فلا شك أنك ستجد (حياتي بدوني) الذي ترشّح للدب الذهبي للمخرجة الإسبانية الوقورة ذات الأعمال الإنسانية “إيزابيل كوكسيت” التي تعمل فيه بإقناع هادئ لتجعل من المأساة حالة رائقة جداً تمر بأقل قدر من الألم.. لذا فـ”حياتي بدوني” ليس الفيلم الأمثل للتعبير عن الخوف من الموت الوشيك المقبل, ولا هو حكاية مصارعة الزمن ومقارعة الأسى لا قبولاً ولا رفضاً.. ولا هو النزعة الإيمانية التي تتراءى لنا جميعاً كخوف من النهاية والحساب عندما نفكر بالموت.. بل هو حالة فريدة من التأثير البسيط في أعماقنا الذي يندس بطريقة ميلودرامية تحت الجلد ليتساءل عن كيفية استمرار “حياتي” بدوني.. هو دعوة مبطنة لنا لنضع سلم أولوياتنا ونعمل له كأننا نموت غداً.. ففي حياتي تكون أعمالي, من بعدي سيكون “طوفان” آمالي وأحلامي.. وثقتي بقدرتي على صناعة جزء من المستقبل بعدي هي من سيجعل الحياة بدوني هي حياتي.. ففي التأثير بالآخرين كذلك حياة.

    قصة العمل بكل بساطة هي عن “آن” ذات الثلاثة وعشرين عاماً (سارة بولي) والتي لا يظهر أنها عاشت حياتها كما ترغب أية قتاة. فقد أنجبت طفلتها الأولى بعمر 17 عاماً من زوجها “دون” (سكوت سبيدمان) الذي يبدو الرجل الأوحد في حياتها والذي نلحظ فيه محبة عالية جداً لزوجته وابنتيه “بيني” و”بتسي”. تعمل “آن” في التنظيف في الجامعة بعد نهاية دوام الطلبة فيها الأمر الذي يجعلها تتأخر في العودة إلى منزلها, في حين يبدو أن زوجها لا يعمل بشكل ثابت كون عمله هو في بناء المسابح, ونرى أن مسكن العائلة هو قاطرة ضغيرة قديمة, لكنها بسبب محبة الزوجين وكدّهما وروعة الطفلتين تظهر كعش يلفه الأمل والتفاؤل. لا تبدو شخصية “آن” شخصية منفتحة على الناس فهي لم تعرف مسبقاً أي رجل, وينحصر محيطها خارج عائلتها بصديقتها “لوري” (أماندا بلامر) العاملة معها أيضاً في التنظيف ضمن الجامعة. وأمها (ديبورا هاري) التي نراها إنسانة وحيدة منعزلة محبطة بشكلٍ ما, أما والد “آن” (ألفريد مولينا) فهو في السجن منذ 10 سنوات دون أن تراه طوال هذه المدة.

    نقطة الإنعطاف في العمل وفي حياة “آن” تأتي بعد إصابتها بنوبات عثيان نكتشف بعدها أنها مصابة بسرطان في المبيض, ويبدو أن تشخيص هذا المرض الخبيث قد تأخر لديها وأن الورم قد انتشر فوصل إلى الكبد, وفي هذه الحالة فلا نفع من المعالجة كما يخبرها الطبيب, وعليه فهو يتوقع لها مدة قصيرة فقط من الحياة في بضعه أسابيع. “آن” التي كانت تتوقع أن أعراضها كانت أعراض حمل تقرر أن لا تخبر أي أحد بمرضها, فتخبر محيطها أنها مصابة بنوع من فقر الدم (أنيميا) وأن أدويتها هي مجرد مقويات, وما كان منها إلا أن أخذت ورقة ووضعت قائمة بالأشياء التي تريد فعلها قبل أن تموت. وقد غلب على هذه القائمة الأشياء البسيطة التي تأمل أية فتاة شابة بفعلها والتي يبدو أن “آن” قد حُرمت منها والتي يبدو أنها بقيت تحلم بها, أما القائمة فتضمنت التالي:

1. إخبار ابنتيّ بأني أحبهما كل يوم عدة مرات.

2. أن أعثر لزوجي على زوجة جديدة تحبها ابنتيّ.

3. تسجيل رسائل عيد ميلاد صوتية لابنتيّ لكل سنة حتى بلوغهما الثامنة عشرة.

4. الذهاب إلى الشاطئ في رحلة جميلة.

5. التدخين والشرب بقدرما أشاء.

6. أن أقول كل ما أفكر فيه.

7. ممارسة الحبّ مع رجال آخرين لأعلم كيف يبدو ذلك.

8. أن أجعل أحدهم يقع في غرامي.

9. الذهاب لزيارة أبي في السجن.

10. أن أضع أظافر اصطناعية وأغير تسريحة شعري.

    لم نلحظ تلك التغييرات الكبيرة في مظهر “آن” أو طبيعة طعامها, وقد قامت كما وعدت نفسها بتسجيلات صوتية لبناتها من أجل أعياد ميلادهن, وبما أن محيطها ضيق نسبياً فقد أودعت الأشرطة المسجلة لدى طبيبها ليقدمّها لأصحابها بعد وفاة مريضته! أما الرجل سيء الحظ التي وعدت نفسها بإيقاعه في حبها فقد كان “لي” (جسده بعمق مارك روفالو) الذي يظهر شخصية هشة ضعيفة محطمة من تجربة سابقة, تعلق بـ”آن” منذ أول مرة رآها في مقر غسيل, وتطورت علاقتهما معاً دون أن يعرف أي منهما الكثير عن الآخر. ويبدو أنه “التمّ المنحوس على خايب الرجا” فكلاهما شخصية محطمة آتية من خلفية سوداء.. كل منهما بحث عن شخص يقدم له الطمأنينة كما لو أن العلاقة بينهما ابتدأت بالإشفاق قبل أي مشاعر, لتبلغ ذروتها في الأيام الأخيرة كأنها بلوغ لقمة ثم الوقوف عندها دون الانحدار. أما الزوجة التي اختارتها “آن” لزوجها والتي لاحظت انسجام ابنتيها معها كانت جارتهم الجديدة الممرضة التي تحمل ذات اسمها “آن” (ليونور والتلينغ) والتي وجدتها شخصية حنونة لطيفة حساسة حريصة, والأهم أنها لاقت قبولاً عند عائلتها, الأمر الذي فشلت فيه صديقتها في العمل “لوري” المتخبطة المترددة والخائفة دائماً من السعرات الحرارية بسبب عشقها للأطعمة. زيارة “آن” لأبيها في السجن كانت صمتاً تعبيرياً عميقاً كلهاث أخير لزمن راحل لا يحتمل الكثير من الكلام, وصورة الوالد خلف الزجاج لا يغلق السماعة بعد رحيل ابنته مع انتهاء المقايلة هي صورة رائعة جداً لا تُنسى.

    لا أدري لماذا استهجنت الاتجاه الذي قرأته من قبل والقائل أن الاسم المناسب أكثر للفيلم (هو حياتي بدون الله) وأنه مضلل للانطباعات الإيمانية أو دعوة للكذب والخيانة, أو أنه سَأَم إنساني.. فلا أرى في القصة عيباً في أن لا تجتاحها النظرة الإيمانية لنهاية عمر شخصية ما لا سيما في المجتمع الذي لا يعتبر الإيمان الركن الأهم من أركانه.. فالفكرة بالنسبة لي متمحورة حول الغياب المفاجئ وكيف نتعامل معه أكثر من أي شيء آخر. وكرأي شخصي أعتقد أن كثيرين قد يؤيدونه؛ فالناس في مثل هذه الحالات صنفان.. صنف يجسد الحالة المنحطة الأنانية للعالم ويتجه إلى فعل كل ما لم يستطع فعله حتى ولو كان فواحشاً.. وصنف يعود إلى الله -أو فلنقل يبقى معه فقد لا يكون مبتعداً عنه- ويعيد ترتيب علاقتة بالخالق ليخرج من العالم بشيء يرضيي به نفسه وخالقه ولو بأدنى الحدود. وإني لأخالف تماماً الرأي الذي قال أن شخصية “آن” التي جسدتها المميزة “سالي بولي” كانت من الصنف الأول, ففي رأيي صحيح أنها فعلياً فكرت بالمعصية ولم تبلغ مرحلة الإيمان, وأن النص قد افتقر إلى حوافز واضحة لما أرادت القيام به من أعمال في باقي أيامها كوننا لم نلحظ مشاكل حياتها, إلا أن أجزاء كثيرة من نفسيتها لم تكن نسبياً أنانية, لا سيما في إطارها العائلي الذي حاولت أن تضمن عدم انهدامه بعد رحيلها, وأعادت بناءه سريعاً بصورة لا تجعله ينهار حين تنزاح طوبتها منه. علماً أنه ثمت أمور لم أفهم مبرراتها وأشعرها غبية نسبياً قد تأتي من خلفية “آن” غير واسعة الثاقافة, مثل إرسال الرسائل الصوتية للبنات في عيد ميلادهن والتي كنت أتوقّع مضمونها بشكل آخر, أو حتى الرغبة في ممارسة الجنس مع رجال آخرين, بفرض قبولنا بحالة الكذب لإخفاء حقيقة المرض.

    الأفلام التي تتحدث عن انتهاء أو هندسة انتهاء الحياة تبدو عموماً مخاطرة كبيرة بالنسبة لصانعيها, فهي وفقاً لنفسية المتلقّي قد لا تحصل على القبول الكافي أو على النقيض قد يجدها رائعة درامية. قصة العمل لا تبدو معقدة وتبدو الشخصيات مؤطرة بشكل كافٍ بمحيطها وثقافتها كطبقة عادية مالياً ومتوسطة الثقافة, وتصاعد العمل بطيء نسبياً لكنه قادر على جذب المشاهد رغم ذلك, وعليه فهو لا يحتاج الكثير من المؤثرات وبالتالي الميزانية. النص يبدو ذكياً وصارماً نسبياٌ كمسلسل تلفزيوني, ولكن الأداءات في رأيي كانت جميلة جداً ومناسبة, و”سارة بولي” دائماً تختار الأدوار غير العادية المركبة العميقة. فلو أنني قرأت رسائل الأم لابنتيها على في النص الورق لوجدتها شيئاً تافهاً لكن مع “سارة بولي” كانت مشبعة بالحس لدرجة مبكية. موسيقى العمل قليلة وناعمة, كما حواراته, وتم تعويض ذلك بالكثير من الإيحاءات البصرية. المشهد الافتتاحي موحي ومعبر بطريقة سريالية قد لا يضاهيه في العمل أي مشهد آخر إلا المشهد الأخير الذي كان ككلمات متقاطعة حول ما يجري من أحداث بعد الرحيل وصور تنساب مع صوت “آن” في اعترافات شفوبة جميلة.

    “حياتي بدوني” مثال الحالة الميلودرامية الممتزجة بين الخطأ والآنانية والأمل التي تُقدّم بإيجابية عالية تجعلنا بذكائها آخر الأمر ننسى الحزن والأسى الذي غمرنا, وترغمنا أن نتحرك نحو طموحاتنا قبل أن يهرب منا الزمن.

IMDb | RT

Liked it? Take a second to support نزار عز الدين on Patreon!

نزار عز الدين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: