التخطي إلى شريط الأدوات

The Words – 2012

” نحن اختياراتنا”

جان بول سارتر – فيلسوف ومسرحي فرنسي

” لا يوجد الكثير من الأشياء تشبه اللعنات, فقط يوجد أشخاص وقراراتهم”

إيفون وود – مصممة أزياء أمريكية راحلة

” هناك أكثر من طريقة لتعيش الحياة”

The Words – Tagline

    لن أنكر على الإطلاق أنني أميل إلى النوع الدرامي الذي يكون فيه فكرة جد واقعية, وقد وعدني (The Words) بقصة ثقافية بدت لي مثيرة مذ رأيت الترايلر الخاص به.. فقد أوحى لي بدراما ممتعة عن “اللصوصية الأدبية” أو دعونا نسمها بشكل مخفف “الانتحال الأدبي” من منظور معاصر مع أبعاد إنسانية وعاطفية, لا سيما أن الفكرة كانت عن كاتب جديد يعوض فشله ويحاول إرضاء زوجته بنص لا يعرف أساساً من هو صاحبه. فماذا وجدت؟ وجدت الكثير من “الكلمات”.. الكثير من الفوتوغرافيا.. الكثير من مواقع التصوير الأخاذة.. لكن القليل من السينما الجميلة..!

    ربما سمعنا عن فقدان “آرنست همنغواي” إحدى حقائبه التي تتضمن مخطوطاته اليدوية التي تضم -فيما يُظن- بعض الأشعار والقصص, في قطار خلال سفره في إسبانيا من أجل تغطية مؤتمر لوزان للسلام عام 1922, بسبب إهمال زوجته الأولى إليزابيت هادلي ريتشاردسون.. ربما هذه الفكرة هي من أوحت لكل من “براين كلوغمان” و”لي ستيرنثال” بكتابة وإخراج هذا العمل. وما يدعم هذا المنحى أننا نكاد نجزم أن الشخصيتين اللتين تم توصيف خلفياتهما الثقافية والاجتماعية هما “روري جانسين” (الدور الذي قام به برادلي كوبر) و “الرجل العجوز الذي لم تتم تسميته” (دور الرائع جيرمي آيرونز) أي الكاتب الأصلي – والناشر غير المالك. في حين أن بقية الشخصيات كانت تبدو أقل نوعية, وأحياناً أخرى يمكن وصفها بالهامشية.

    منذ أن بدأ “كلاي هاموند” (قام بالدور دينيس كويد) بالقراءة ذات الأسلوب الثقافي الجميل, أحسستُ أن كتابه المسمّى بـ(الكلمات) -عنوان الفيلم- والذي يقرأ مقتطفات منه خلال حفل ترويجي له, ما هو إلا جزء من حياته. قصة “كلاي” في كتابه كانت عن كاتب شاب يدعى “روري جانسين” يكافح لتُنشر له رواية جيدة ليؤمن لنفسه الحياة الطيبة مع المرأة التي اختارها “دورا” (المرأة الثائرة بملامحها زوي سالدنا), لكن لم يتم له ذلك وبقي يقترض المال من والده.. وخلال شهر عسلهما في باريس اشترت “دورا” لـ”روري” حقيبة قديمة تبين له لاحقاً أنها تتضمن رواية مكتوبة بالآلة الكاتبة, فقام بكتابتها على حاسوبه خفيةً, لتكتشفها زوجته وتطلب منه نشر “تلك الرواية الرائعة”, ومحاولة لإرضائها وعدم تخييب أملها لو اعترف أنها ليست له, قام “روري” بما رغبت به زوجته؛ لتحقق الرواية المُنتحلة بشكل مفاجئ ما فشل هو شخصياً في تحقيقه من شهرة ومال, بل إنها سببت بنشر ما تم رفضه من قبل من أعماله. وعلى أثر انتشار الرواية يبدو أن القدر ساقها لكاتبها الأصلي العجوز الذي يبدو أنه أبدعها من خضم معاناة شخصية عميقة خلال الحرب العالمية الثانية, فالتقى “روري” وسرد له قصة عشقه الكبير لمحبوبته الفرنسية “سيليا” ثم انفصالها المأساوي بعد أن نسيت محبوبته هذه الرواية في القطار فأضاعاها. وحين تحقق “روري” من الأمر وسمع قصة حياة صاحب الرواية الحزينة, أبى خلقه الطيب أن يحتفظ بملكيتها وعانى الكثير من المشاكل بسبب ذلك. ثم يظهر لنا في حوار “كلاي” مع إحدى حاضرات الحفل الترويجي “دانييلا” (أوليفيا وايلد) أنه (باعتماد افتراضي أنها قصة حياته) ما زال حتى ذلك الحين مصاباً بحالة معينة من الحقد على الذات والحصار الإرادي لنفسه, ربما كمحاكمة شخصية على ما جرى.

    “الكلمات” إذاً فيلم بعد أن يكون عن الطموح الأدبي هو عن النزاع الأخلاقي, وخياراتنا الشخصية, وطريقة تعاملنا مع الأخطاء. وهذا الجانب يرتكز إلى قبول “روري” نشر الرواية باسمه أولاً كخيار شخصي, ثم محاولته إعادة الحق إلى صاحبه كطريقة تعامل مع الخطأ, وعدم قبوله بالاستمرار في دور الكاذب حتى على “دورا” زوجته كتنازع أخلاقي. حتى في دور الرجل العجوز نجد أنه اختار العيش مع حبيبته في فرنسا كخيار, ثم لم يستطع مسامحتها على خطئها في إضاعة روايته, وحين اختلف مع زوجته وأضاعها هي الأخرى أحس بالأسى لكنه تأخر على إرضائها, ومرة أخرى نجد أن العجوز عاش النزاع الأخلاقي في رفضه قبول أعذار الشاب “روري” الذي نشر الرواية, وعدم رغبته في الاستماع له, مع أنه في المقابل رفض أن يحصل على حقوق الرواية أو أثمانها, بل شدد على الشاب أن يعيش حياته كما اختارها. حتى “كلاي” في آخر لحظات العمل كان يعيش ذلك النزاع الذي ما زال يقض مضجعه رغم تقدم السنين. شخصياً التعامل الجاف بين العجوز و”روري” لم يكن كافياً في نظري, فكنتُ أتوقع صداماً ما أو نوعاً من الكهرباء والبرق بين الشخصيتين, وحدوث أزمة أدبية وفضائح صحافية.. الخ.. ولا سيما من طرف العجوز الذي لم يكن بتلك الصلابة -ربما بسبب تقدمه في السن-, وتوقعت بعض البحث الأكبر عن إثبات الذات عند الشاب بعد كلما حصل, لكن ذلك لم يكن واضحاً بل تم التركيز على الناحية الأخلاقية والواجب والوازع الضميري أكثر من ذلك. وأضاع الفيلم الكثير من المتعة برأيي الحوارات غير الشفافة بين “كلاي” و”دانييلا” لمحاولة توضيح الحداث, الأمر الذي أرهق العمل كحكاية ثلاثية الأطوار. ثم أن هناك بعض النقاط غير المفهومة في النص, فكيف لم يلحظ “روري” المخطوطة في الحقيبة إلا بعد أن تم رفض روايته الأولى, أو كيف لم تلحظ الزوجة, وما الذي جعل شخصية الرجل العجوز (عندما كان شاباً) يصبح في حالة مادية سيئة بعد رحيل زوجته, حتى أن النهاية تبدو ضبابية.. ليست مفتوحة بل ضائعة.

    طاقم العمل متناسق بشكل جيد.. فكل من في العمل يظهرون كوجوه جميلة, ولهم موهبة متميزة. ولكن القصة تعقدت بصورة شائكة فهي قصة ضمن قصة ضمن قصة..! وهذه الطبقية العجيبة -والتي هي ليست عيباً سينمائياً بطبيعة الحال- ما كانت لتناسب مخرجين مبتدئين مثل “براين كلوغمان” و”لي ستيرنثال”.. كونها تحتاج الكثير من النظرة المونتاجية العميقة… (هي بالمناسبة ذات الطبقية التي أهيم بها في “ساعات” “دالدري”مع النجمتين غير العاديتين “ستريب” و”كيدمان” والتي هي ربما أجمل ما في الفيلم.. وذات الطبقية التي ميزت رائعة “امرأة الملازم الفرنسي” لـ”كارل ريزس” التي سبق وتحدّثتُ عنها.. وذات الطبقية التي يبسُطها “نولان” لعشاق أفلامه الحاذقة ليظهر فلسفته السينمائية).. لكنها هنا حطمت بتشابكها عملاً كاملاً جاء بفكرة كبيرة جميلة فخرج الثلث الأخير جافاً سرديّاً دون إمتاع.. لكأننا نقرأ ثم نشرد خلال القراءة, ثم نعود ونصحو من شرود… أو كأنها قصة تروى لنا ونحن نغفو فنسمع بعضها ثم نأخذ غوة وهكذا..! فنحن أمام نص سينمائي منتفخ ضاجّ مع أفكار خلاقة, يبدو ذكياً حتى المنتتصف, لكنه برأيي يحتاج الكثير من التبسيط وإعادة التشكيل ما قد يجعله أطول لكن أكثر سلاسة. ورغم جمال أماكن التصوير وزواياه فسياسة القطع المونتاجية كذلك كان يمكن تحويلها إلى شكل أكثر انسيابية. “برادلي كوبر” أجده لم يسيطر على الدور كما ينبغي فرغم قدرته على تأدية أدوار الشاب المثقف والمسيطر (ولعلنا نذكره في أداء لا بأس به في Limitless ليس منذ زمن) كنتُ أراه أضعف وخارج السرب في اللحظات العاطفية التي كانت تبدو معه هزلية كوميدية نوعاً ما, في حين ثمة ثقل رهيب وهالة وضاءة أحاطت بشخصية “جيرمي أيرونز” جعلته قادراً على تقمص الشخصية بشكل جذاب متوازن وربما كان أكثر الأداءات إقناعاً. وأعتقد شخصياً أن تشتت القصة لم يكن ليتيح للممثلين الحرية الكافية في الأداءات فظهرت غالباً غير مقنعة. من جهة الموسيقى فقد تم استخدام موسيقى بعيدة عن الصخب معتمدة على الكمان والبيانو متسارعة في لحظات الإثارة.

    “الكلمات” عمل ميلودرامي لم أستطع أن أكرهه, طاقم مميز, وطاقة لونية جميلة في الصورة… ومحاولة في البحث عمّن وراء الكلمات.. عمّن وراء الخيارات.. عمّن وراء الشهرة.. وربما عن إمكانية أن نعيش بإنجازات الآخرين.. أي أنه عمل صاحب رسالة. لكنه خيب أملي, وأضاف نفسه تلقائياً في قائمة أفلام أعجبتُ بفكرتها ولم أعجب بتنفيذها.

IMDb | RT

Liked it? Take a second to support نزار عز الدين on Patreon!

نزار عز الدين

لا تعليقات بعد على “The Words – 2012

  1. كانت وجبة ادبيه راقية من مخرجين مغمورين براين كلوغمان و لي سترنثال و وفقوا في اولى تجاربهم الاخراجيه
    اعجبتني طريقة السرد التي تضع المشاهد داخل الاحداث , بالنسبة لي كانت النهاية رائعه جداً واعجبتني
    شكراً

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: