التخطي إلى شريط الأدوات

Uncle Boonmee Who Can Recall His Past Lives – 2010

2010 Palme d’Or Winner

“Ghosts aren’t attached to places, but to people, to the living.”

ترجمة مهند الجندي عن إد غونزاليز.

تطرق فيلم (نسخة معتمدة) للمخرج عباس كيروستامي مع جولييت بينوش وويليام شيميل إلى عدد من أوجه الحياة والفن وطبيعة العلاقات الاجتماعية، وإلى لوحة “علب الحساء” للرسام وارهول ولوحة “ديفيد” لمايكل أنجلو والـ”مونا ليزا” لدافينشي، وكيف أن الشكل الاعتيادي حين يتم نسخه لا يتغير معناه أبداً حتى وإن تغير رأينا حوله. ماذا سيقول هذان الممثلان من فيلم كيروستامي الذكي التعبيري عن فيلم (العم بنومي القادر على تذكر أرواحه السابقة)؟ آخر أعمال المخرج التايلندي ابيتشاتبونج ويراسثاكول الذي قد يكون أكثر مخرجي السينما المكبوتة إثارة للذعر. قد لا يقارنانه بفيلم (الأرجوحة البراغوانية) الأهوج للمخرج باز إنسينا، الذي يصر بجماليته العالية أن يزيد من المسافة الفاصلة بين المشاهدين الغربيين وبين سكان العالم الثالث والأشياء المحيطة بهم، لكن حتى وإن مدحا الروعة الفتانة لأسلوب ابيتشاتبونج الفني، ألن يستفسران عن الجمهور المعني والمستهدف من هذا العمل؟

يجد ابيتشاتبونج – في فيلمٍ يتشبث مسروراً بالعلاقة المنفتحة المتبادلة بين الأحياء والأموات – الغرائب والعجائب في أصغر الأشياء طوال مدة عرضه، من نكهة رشفة شاي إلى نزهة تحت أشعة الشمس في حقل تعزف طنينه نحلات العسل. تتجمع الأرواح في الليل من حول العم بنومي (ثنابات سايسايمار) كالقمل فوق اللهب؛ أولها زوجته هواي (نثاكرن أفاوونك) ومن ثم ابنه بونسونغ (جيراساك كولهونغ) الذي تحول إلى كائن يشبه القرد بعينين حمراوين مضيئتين. هيئتهما ليست مريعة بنظر أصدقاء بنومي عائلته وحسب، بل بنظر الجمهور كذلك، رغم أن حضورهم يُقبل ويُفهم بسرعة على أنه شكل من أشكال التخاطر والتأهب لبنومي – الذي يُعاني من اعتلال مجهول في كليته – وهو يمشي على رؤوس أصابعه نحو آخرته.

تركيز عين وأذن المخرج ينصب على تفاصيل تلك الرغبات والمخاوف البسيطة لشخصياته، كالطريقة التي تقوم بها زوجة شقيق بنومي، جين (جينجيرا بونغباس) بربط طعم العسل المعلوك بالـ”الجنة”، وتشبيه الطعم الحلو والمر لكأس من الشاي، كما يستطعمه الأجانب اللذين جلبوه معهم، بالرقعة التي تسكنها في هذا العالم. ابيتشاتبونج ويراسثاكول، سينمائي من أعلى طراز يخلو أسلوبه من أي ازدراء لوجهة نظر الآخر كما يبدو، قد لا يفرض حكماً على مشاعر التعصب التي تكنها هذه المرأة – مؤكداً بنفس الوقت على وجودها، كحالة ضمنية لا مفر منها من التكهنات الداخلية الغامضة التي تحدد وجود وكينونة كل واحد منا بدرجة كبيرة – غير أن ذلك ربما يجعل البعض يتساءل إن كان هذا الشعور الآسر الذي يغمر طريقة عمل المخرج قد ينطوي على موقف آخر مقصود منه.

ومع أن (العم بنومي) لا يتسم بنفس قوة التركيب السردية الجريئة لفيلمي المخرج الآخرين (الداء الاستوائي) و(عللٌ ومائة عام)، بيد أن تأمل ابيتشاتبونج غير المبهرج للشخوص والطبيعة يغمرني بالسعادة، إنها رؤية إخراجية مثيرة للأحاسيس؛ تعود بي إلى الصيف الذي قضيته متجولاً في غوانتانامو عبر الحقول المكسوة بأشجار المانجا، متسلقاً جبالها المريبة التي كانت والدتي تضطر بطفولتها أن تتسلقها كي تصل إلى المدرسة، مروراً بالشلالات الصغيرة، عدا عن كهف يعج بالوطاويط يمنحك إطلالة رائعة لتبحلق بنظرك صوب قاعدة نافال، ناهيك عن النوم على الأراضي وشرب البيرة وتدخين سجائر ملفوفة يدوياً فوق جذوع الشجر التي تبدو وكأنها قد قصت من إحدى الحكاوي الخرافية للأخوة غريم. مناظر وأصوات الفيلم مألوفة إلي ومريحة لنفسي، حتى وإن كنت لم أتعرف على أي أحد تعتمد حياته على مواظبة التأمل الروحاني إلى هذا الحد الغريب.

مسعى التجديد الكامن في عقل المخرج – وإن لم يكن ابتكاراً كلياً – يعد زائد عن حده قليلاً، وبالرغم من وفرة التحولات المدهشة فيه، كالمقطع الذي يقوم به طبيب ساحر على هيئة سمكة باستدراج أميرة تبيع شبابها، إلا أن الفيلم يعرض أحياناً أحداثاً بلا هدف، بنصف معنى، وبأسلوب مزعج. وفي أقوى فترات العمل – كالمشهد الذي يحلم به بونمي بـ”أشخاص ماضية” نشاهد ابنه فيه يتلقى تعذيباً مستقبلياً، كإشارة واضحة إلى حاضره – فإن المخرج يتمكن بين فينة والأخرى أن يتحدى الجمهور مصمماً ومخاطباً بكل مكر تلك القوى المستبدة التي لا تكف عن التحكم بأرواح أبناء بلده التايوانيين، متيقظاً بنفس الوقت للعمل الدرامي القائم بين يديه. يدرك المرء عند هذه النقطة القاسية تحديداً أن صوت ابيتشاتبونج لا ينوي الخروج بتصفية أو استنكار للواقع السياسي الذي تمر به شخصياته، بل هو صوت يتفهم ضرورة التكلم بهدوء كي يتسنى له الوصول لأية آذان صاغية.

IMDB


Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: