التخطي إلى شريط الأدوات

The King of Comedy – 1982

“روبيرت دي نيرو يتمتع بنوع من الثقة وثبات الرأي، بالإضافة إلى شغفه وموهبته بتأدية شخصيات معيوبة وخطرة وعثوره على الإنسانية فيهم”.

– مارتن سكورسيزي.

“Why not me? Why not? A guy can get anything he wants as long as he pays the price.”

بقلم مهند الجندي.

“لا أمانع الانتظار، فالأمر مهمٌ إلي.”  – روبارت ببكن.

ألديك فكرة ماذا فعلت ريتا بتوقيع روبارت ببكن؟

لا عليك سوى التفكر بعدد الليالي التي سهرها منتظراً له على ناصية الطريق. تُرفع الستار عن حلم روبارت ببكن مع بداية فيلم (ملك الكوميديا) للمخرج مارتن سكورسيزي، قبل حضوره مراقباً باحثا عن وسيلة تجمعه به، يزاحم الجماهير الغفيرة المحبة المهووسة، مصوباً وجهته بين تراشق أضواء الكاميرات على لحظة خروج ملكه ومثله الأعلى من عرشه الكوميدي المسرحي الشهير، ذلك القريب البعيد عن قبضة روبارت. مقدمة الفيلم على وجه الخصوص – والساعة الأولى عموماً – هي برهنة سردية دقيقة حول الأسلوب الدرامي الحيوي الذي يعمل وفقه الثلاثي أبانه الممثل روبيرت دي نيرو والمخرج مارتن سكورسيزي والمحررة ثيلما سكونماكر؛ ثمة تفهم عميق قائم، وتحديد مباشر للقصة التي سنشهدها والبطل الذي سنتتبعه إلى النهاية: ملك يهجو ذاته بخطابه، يحبو بيأس نحو تاجه وعرشه، بعيداً عن حضيض منزلته داخل سرداب والدته وقوقعة انتظاره الدءوبة، بما أنه سيدفع الثمن لتحقيق ذلك.

يتجمد الشريط الافتتاحي للفيلم وعنوانه الذي لا يمت لفحوى الصورة بأي صلة على يدي ماشا وهي تضرب زجاج سيارة فرانك من الداخل بهلع مغطيةً نصف وجه روبارت المناظر لها من الخارج بسخط، وراي تشارلز يغني “أحبك أكثر من أي شخص آخر” جملة تصف ما يدور ببال روبارت حول مكانة وشهرة فرانك وليس شخصه، فروبارت، بالواقع، يُحب “نفسه” أكثر من أي شخص آخر. حين يُقحم نفسه بالتعرف على فرانك، يُقر له سريعاً: “أنا روبارت ببكن، أعرف أن الاسم لا يعنيك، لكنه يعني لي القدر الكثير.” ماذا يفعل بطلنا شبه المفلس ذو الـ34 سنة فور انتهائه من اجتماعه المفاجئ مع بطله الأفضل وكله أمل أن قد وجد وسلته للخروج من “الحضيض” الذي يقبع فيه؟ في نفس الليلة، مباشرةً، يشطح بمخيلته برؤية تفيدنا أنه قد تفوق على معلمه إلى الدرجة أن فرانك بات هو المحتاج إليه والمزعج له وليس العكس. ثم يزور حبه القديم، ريتا، الوحيدة التي تنطق اسمه بشكل صحيح ومن أول مرة مع أنه لم يرها منذ 15 عاماً، فيتجرأ بمغازلتها ودعوتها إلى العشاء منتشياً بلقائه مع فرانك، مفتخراً بمجموعة تواقيع المشاهير التي يحتفظ بها، وأحدها هو توقيعه الخاص الذي يقدمه لها هديةً قائلاً أن الجميع سيتهافت للحصول عليه في غضون بضع أسابيع قادمة، وبعدها ينهي ليلته متوسطاً مجسمين كرتونيين لفرانك ولايزا مانيلي، مردداً لوحده حواراً مازحاً معهما وكأنه من أعز أصدقائهما.

كثيراً ما شرعت الشخصيات في أفلام سكورسيزي بابتكار مثل هذا العالم الوهمي النرجسي المثير للشفقة ليعمل  إما كذريعة تبرر الغاية التي يودون الوصول إليها وإما كمسكن يخفف من آلامهم النفسية المتأصلة من ماضي أو نشأة مضطربة، أو حاجة بائسة للتواصل الأعمى الملتوي بأساليبه لالتواء مرتكبيه. وإن كان المخرج يوظف قصة العمل – التي تعرض رغبة روبارت ببكن (روبيرت دي نيرو) بالحصول على فرصة لنشر موهبته الكوميدية المدفونة للجمهور عبر مساعدة جبرية من فرانك لانغفيرد (جيري لويس) وتعبير ماشا (سارا بينهارد) عن حبها الغريب والمجنون به – كوسيلة لدراسة أفراده اللذين عادةً ما يكونوا من هوامش مجتمعاتهم ويستجدون عطف سكورسيزي والجمهور على حدِ سواء، فهو يسمح لنفسه – لأول مرة – أن يدخل ويقتحم عقل وأوهام بطله الرئيسي وأفكاره الحالكة، ليس فقط ضمن بيئته الخاصة وأفعاله الجسيمة كما هو الحال مع ترافيس بيكل وجايك لاموتا سابقاً، إنما عبر كوميديا الموقف ودراميتها الساخرة أيضاً، ناهيك عن الأداء العبقري من روبيرت دي نيرو على وجه الخصوص.


بيد أن سكورسيزي لا يكتفي هنا بتطبيق ما يبرع به من وصف لهذه الشخصيات عبر السيناريو الذي كتبه بول دي. زيميرمان، بل يوسع من مواضيعه باختياره لقضية تلامس عصب شغف الشهرة ووجهي الحياة العامة والخاصة للمشاهير عبر أعين المعجبين والطامعين بحياة مطابقة أو مقربة لحياتهم. فاللقطة الافتتاحية المثبتة على يدي ماشا ووجه روبارت كصورة مريبة حول الهاجس والوساوس الداخلي والخارجي المهمين على تفكير ودوافع شخصيته الرئيستين توضح المفهوم الأمريكي بأن المرء حين يفتقر لحياة اعتيادية مقبولة المستوى تخصه ومن مجهوده الفردي، ثمة دائماً حياة أفضل جاهزة تنتظر استنساخها مهما كانت الوسيلة لفعل ذلك. ويعمد سكورسيزي على إبراز هذه النقطة بشرحه لوجهات نظر كافة الشخصيات، المنهج الجديد عليه آنذاك بتركيزه السابق على وحدانية البطل، فنشاهد يوميات روبارت في حجرته المنزلية وأحلام اليقظة التي يتشفى بها من ماضيه، وطريقة عمل ماشا في اللحاق بحبيبيها الشهير وعفويتها التعبيرية المتفجرة، وتناول فرانك لعشائه وتعامله مع معجبيه بين تنقلاته عبر الطرقات واسترخائه في منزله الصيفي.

تُخصص الساعة الأولى بأكملها لرسم هذه الدوائر من حول ثالوث الشخصيات مع شغل روبارت ببكن الحيز الأكبر من وقت العرض، وكل مشهد نشهده له، ما هو إلى إشارات بصرية لحاجته الماسة إلى الانتماء لشيء ما، بتحريك عاطفته مع ريتا أو بتوظيف موهبته الكوميدية الراثية لحاله؛ ثمة ضرورة مضنية حاضراً دوما تعزو أفعاله ألا وهي تحقيق طموح الذات بالرغم من عدوانية هذه الشخصية. يستمتع سكورسيزي بتصوير “مثابرة” أبطال حكاياته صوب المكان الذي يعتقدون أنهم ينتمون إليه لأنه شغوف باللغة الذاتية للعقل الباطن واللغة الجسدية الواصفة لها، ولأنه على ثقة بمقدرة روبيرت دي نيرو في تركيب هذين العنصرين على هيئة سينمائية خطابية يستقبلها المشاهد بتفهم وتعاطف لأن روبارت ببكن لا يُمانع الانتظار وإحراج نفسه وفعل المستحيل ليحقق مسعاه، فنشعر بإلهام لا ريب فيه من الابتسامة التي تزين وجهه وهو يسند ساعده الأيسر فوق جهاز التلفاز حين ينجز ما ينجزه. وعلى الرغم من الثمن الذي كلفه والآلية التي قادته إلى ذلك، فإن المخرج يكن تقديراً خاصاً لأبطاله ولا يلوح بيده مودعاً لهم إلا وهاماتهم تحلق كملوك لمملكتهم.

ومع أن الفيلم برمته يشحن الجمهور بنوع من الفضول حيال نهاية بطله، إلا أن نصفه الدرامي الثاني ينال قسطاً من ذكاء وحيوية قسمه الأول، لكن وبفضل أداء دي نيرو، الذي يقدم رجلاً يتعمق بحقيقته عن ما هو سطحي للوهلة الأولى، فإن رسالة العمل الأساسية تصيب هدفها المنشود لا محالة. وتكمن أهمية تمثيل دي نيرو أنه يخفي تاريخ شخصيته المرير بين مدرسته الثانوية وضيق صدره من وظيفته ووالدته وكبت طموحه، وينهمك بالربط بين هذه العوامل كلها كوميدياً داخل رجل يحاول تخطي هذه العقبات مهما كلفه الأمر، بل أنها تتكفل بمواظبته الخروج من هذا الوضع لاسيما أنه يتخيل إنجازه لذلك مراراً. فطالع بدقة عمل الممثل المنهكة وهو يجمع بين مصاعب روبارت الاجتماعية وسلوك الأبله في التخاطب مع الغير. السؤال الأخير العالق – يبقيه سكورسيزي حائماً دون جواب – هو حول المادة الكوميدية الجديدة التي خرج بها بعد أن نال جزائه، فهل ستكون بنفس جودة الخطاب ذاتي التهكم الذي استلهمه من صلب حياته؟

ما الذي يلهم روبارت ببكن حقاً، حب الشهرة أم حب الذات، أم هو حب خالص للكوميديا؟ لا عجب أن سكورسيزي قد صرح لاحقاً بأن صناعته لهذا الفيلم ربما لم يكن خياراً صحيحاً بالأساس؛ ثمة لطخة مبطنة مخجلة التصور عن كل فنان وشخصية طامحة للشهرة بين مشاهده وجمله وشخصياته بلا أدنى شك.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “The King of Comedy – 1982

  1. بـ اختصار رائعة كوميدية
    الكثير يعتبرونه إحدى روائع الثنائي التي لم يأخذ حقها من الاعلام
    شكراً لك استاذ مهند

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: