التخطي إلى شريط الأدوات

The Book of Eli – 2010

“To do more for others than you do for yourself.”

بقلم مهند الجندي.

قياساً بسرعة الأرانب الألمانية والفرنسية، تستمر السينما الأمريكية بالتسحلف تحت الشمس الملتهبة لنفس الأرض القاحلة التي نشاهد بها أحداث (كتاب إيلاي).

يمكن للمشاهد سريعاً أن يلحظ النوايا الحسنة التي يرمي إليها فيلم (كتاب إيلاي) للأخوين هيوز، كدعوة للتشبث بما هو حقاً مهم في حياتنا من رفعة لديانات ونصرة للضعيف ووقفة في وجه الطغيان وشهوته للسيطرة على العالم. وذلك يتأكد أيضاً باستعراض سريع في مجموعة أعمال الأخوين ألبيرت وألين هيوز بدءًا من (خطر على المجتمع) العام 1993 وصولاً إلى (من الجحيم) العام 2001؛ نظراً لأن هاذين العملين، الأفضل في مسيرتهما حتى الآن، الأول حول حياة مجموعة من الشبان السود في أحد أخطر الأحياء ومأساة الخروج من عنق زجاجة العنف والبيئة الجلادة لذاتها، والثاني حول شخصية جاك السفاح القاتل البريطاني الشهير ومعضلة الموت الذاتي البطيء للمحقق وللمجتمع المتهالك المحيط بهما، يبصمان بمقدرة الأخوين هيوز – وهنا نوعاً ما – في التعبير عن تبعات بطش بني البشر لبعضهم البعض، وتسليط الضوء على ثمن الحياة ومعانيها التي يتوق لها الإنسان سواءً بعد موته الجسدي أو الفكري.

ثمة شيء آخر حتمي الحضور في أفلاهما خاصةً بعد إثبات مقدرتها وشعبيتهما بنظر المنتجين الممولين للميزانيات، ألا وهو مساعيهما البصرية الدرامية المتأنية المبهرة، وإن اتسمت بالقليل من السطحية والمبالغة في هذا العمل تحديداً، فهي غالباً ما تكون آسرة لعين الجمهور ومستقطبة لاهتمامه صوب زمان ومكان القصة الملتحمين مع المؤثرات الخاصة دقيقة الاستخدام. بيد أن المرء لابد وأن يلحظ كذلك الجعجعة المخيبة الحاصلة في (كتاب إيلاي) إما لتحكم من الأستوديو المنتج وإما من اختيارات خاطئة محتملة للأخوين هيوز: فهل قام كل ممثل على حدا باختيار تصميم النظارة الشمسية الملائمة لوجهه أم كان من الأجدر تحديد تصميم ثابت واحد لكافة الشخصيات يخدم مسألة عدم قدرتهم على تحمل قوة الشمس؟! إنها سخافة ثانوية يمكنك التفكر بها وبشاكلتها مما يعكر سير حكاية الفيلم التي تدور بين الدمار الحاصل ما بعد الحرب التي عصفت بالحضارات وجرفت بالناس وبخرت الديانات وكتبها، فتروي تفاصيل رحلة إيلاي (دينزيل واشنطن) بكوفيته الفلسطينية إلى الغرب ليسلم الكتاب المقدس الأخير المتبقي الذي يؤمن بأنه الخلاص الوحيد الأمثل للصنف البشري، حامياً إياه من الطامعين بالسيطرة على العالم، وعلى رأسهم كارنغي (غاري أولدمان).

أهمية فكرة الفيلم من الكاتب غاري ويتا وعناية الأخوين هيوز بشكلها وأجوائها العامة تعدانا بمجريات تختلف عن روتين مقاطع الصراع بين الخير والشر ووقع الجمل الدينية التي تملأ معظم مشاهده. فبما أننا وسط عمل ذو إمكانيات تقنية سخية يتجول بكاميراته ويحوم حول أنقاض الحياة بعد الموت، ويصر على إشباعنا بها كفواصل بين كل مشهد وآخر، يمكننا أن نتساءل: هل هو ضرب محال أن نحظى على تنفيذ فلسفي أعمق وبنفس العلو المعقد الشاهق للصور السماوية الضبابية التي تلتقطها الكاميرات؟ لا أدري ما المانع من ترك بعض الغموض المحرك لعقل المشاهد، أو مساحة شحيحة تسمح له باستفزاز سعة مخيلته وقدرته على التأمل، أيجب أن تقحم شخصية سولارا (ميلا كونيس) الجميلة لتمثل دور الجمهور كأفراد تائهين، أو حتى أن يسمى الفيلم بـ”كتاب الله” لندخل الفيلم مجبرين على الشعور بالفضول حيال مصير الكتاب بين أيادي الخير والشر، علماً أن يد الخير هي دينزيل واشنطن البطل القوي المغوار الذكي الحذق المتفاني… الخ؟ عفواً، نسيت أنه الرسول. وغاري أولدمان هو الشرير المتجبر المتسيد، كيف ولماذا بات هكذا؟ لا نعرف.

لكن لحظة، قوة الرسل كانت إنسانية وللدعوة ولم تكن بهذه الصلابة؟ الكتب تحمي نفسها؛ الله يحميها، فماذا كنا نشاهد إذا؟ الرحلة التي تسبق الدعوة؟! لأن مكان الكتب ليس فوق الرف بكل تأكيد.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: