التخطي إلى شريط الأدوات

In Cold Blood – 1967

كان الناقد محمد رضا قد تكرم بنشر هذه المراجعة في موقعه الحاص.

“أود أن أعتذر، لكن لمن؟”

بقلم مهند الجندي.

“لقد بدا لي السيد كلاتر كرجل لطيف للغاية، ذلك حتى جاءت اللحظة التي شققت بها عنقه”. – بيري سميث.

كلُ ثانيةٍ من الدقائق الثلاثين التي تمهد لوقوع تلك الجريمة البشعة في فيلم (بدمٍ بارد) للمخرج ريتشارد بروكس كانت قد خُصصت لشرح الاختلاف الجوهري بين ديك وشريكه بيري، والمفارقات الاجتماعية التي تفصل بينهما، وكذلك لعرض خصال العائلة الأمريكية التقليدية وهما يقطعان صوبها أميالاً من أجل سرقة خَزنة مصنوعة من السراب الصلب. إنها الواقعة التي أسفرت عن مذبحة راح ضحيتها أربعة أشخاص، وجعلت الروائي ترومان كابوتي يمضي سنواتٍ في البحث عن الدافع الحقيقي وراء فعلتهما هذه، وليطرح هذا السؤال المحير: “كيف يمكن لرجلٍ على أتم سلامته العقلية… أن يرتكب فعلةً مجنونةً كلياً؟” فنسمع إجابات هذا الفيلم حول ذلك الرجل وتلك الفعلة، ونسمح لها أن تتسلل في آذاننا كترنيمة لا تُنسى ولا تنضب بشقائها وواقعيتها، لدرجة أن المشاهد يكاد يستشعر يد ترومان كابوتي وهي تكتب دماء هذه الرواية سطراً تلو سطر صفحةً بعد صفحة، بدمٍ باردٍ أيضاً.

نعلم في النصف الساعة الأولى القليل من التفاصيل السريعة الصغيرة التي تفصل بين شخصيتي ديك وبيري، فديك يظهر لنا كالعقل المدبر و”المفكر”، محتال ماهر ومتهكم بابتسامته وخفة حركته، ناقم بفقره على الأغنياء والحياة المرفهة التي يعيشوها : “ثمة نوعان من القانون يا عزيزي، واحد للأثرياء وآخر للفقراء.” وهدفه من هذه السرقة الجديدة أن يُحسن من وضع والده الاجتماعي الصحي. إنه رجل لا تؤرقه أحداث ماضية لتفسر شخصيته التي بات عليها مجرماً على هذا النحو، ولا يؤمن بالمسؤوليات فتخلى عن زوجته وأطفاله، ولا بالأحلام كي يذهب للبحث عن كنز في المكسيك، ولا يمتلك أي طموح فعلي لحياته سوى الحصول على المال.

بيري هو الوجه الآخر للعملة، بشخصيته “الحالمة” الحازمة والمتضاربة، ونفوره من الراهبات والدين على إثر نشأته في الميتم بعيداً عن والديه فما من عائلة تنتظره ليُعيلها، إنما يكن تقديراً خاصاً لبعض رجال الدين وحسب، ويحمل معه ذكريات عالقة من طفولته، وسر إصابته في قدمه لا يزال يطارد حاضره إلى يومه هذا. قد يبدو من ملامحه أنه ليس إلا “قاتل بالفطرة” كما يصفه بيري وكسبب لاختياره شريكاً له في هذه العملية، لكنه أيضاً يحلم بالغناء وعزف الغيتار ويحمل معه كتبه وأحلامه على كتفيه، ولا يكبح جماح مخيلته في التنقيب عن الذهب كما حاول بوغارت في فيلم (كنز سييرا مادري). يلاحظ بيري هذه الفوارق وهو على أعتاب تنفيذ المهمة، فلا نفاجئ من تردده بالقول: “دعنا نرحل من هنا، الآن… قبل فوات الأوان.”.

هذه الاختلافات كانت بمثابة الحطب الذي ألهب وزاد اهتمام ترومان كابوتي بموضوع يسمى “جرائم دون دافع” وهو ما أثاره إلى حد أنه أمضى أكثر من خمس سنوات وهو يبحث في التضاريس المُشكلة لنوعية هذه الجريمة الغامضة المحزنة. تأثر كابوتي بوقائع تلك الجريمة لم يتوقف عند انتهاء القضية وإصدار الحكم، فمن شاهد فيلم (كابوتي) لعام 2005 يعلم طبيعة شخصيته والانعكاسات السلبية التي خلفتها طريقته المهووسة وأحيانا الملتوية في تتبع مسرح هذه الجريمة ومرتكبيها، ودراسته لحياة ديك وبيري وسماعه الحكاية منهما شخصياً وهما في السجن ينتظران حبل المشنقة. وعلى الرغم أن الكتاب عرف نجاحاً نقدياً وجماهيرياً مدوياً غير مسبوق في فئة الراويات التي تستند على وقائع حقيقية، إلا أنه لم يتمكن من كتابة أي رواية أخرى بعد صدور “بدمٍ بارد” عام 1966، لا بل أنه توفي بعد 18 سنة من صدور الراوية دون عمل واحد مهم آخر سواء كقصة قصيرة أو مسرحية. لقد أودت هذه الرواية بحياة ترومان كابوتي الأدبية إلى التهلكة لا محالة، كما فعلت تلك الجريمة بديك وبيري.

يصل بيري سميث (روبيرت بليك) إلى مدينة كانساس تاركاً عمله ومخالفاً لبنود إطلاق سراحه المشروط، يجتمع برفيقه ديك هيكّوك (سكوت ويلسون) في محطة الحافلات ليُطلعه على معلومات الخزنة التي سيسرقان محتواها البالغ 10 آلاف دولار. الخزنة موجودة في منزل عائلة كلاتر، وهي أسرة تبدو منسجمة ومرتاحة مادياً مؤلفة من أربعة أفراد، وتسكن في منزل كبير مكون من عدة طوابق وتزينه من الخارج حديقة جميلة. تنص خطة ديك على سرقة المال ومن ثم التخلص من جميع أفراد هذه العائلة كي لا يتركوا أي شهود ورائهم، بيد أن الرياح تمشي بما لا تشتهي السفن، فلم يجدا أثر لتلك الخزنة المزعومة، وخرجا من المنزل كقاتلين دون أي تعويض أو مكافأة مرضية سوى جهاز راديو و43 دولار.

نتفهم ذلك بعد اكتشاف الجثث داخل المنزل، وخبر وتفاصيل هذه الجريمة المريبة صار يعم الإذاعة على مسمع كل من ديك وبيري. حينها يوكل ألفين دووي (جون فورسايث) للتحقيق في القضية، والبحث عن الدافع وراءها بقوله: “إنها خرافة كانساس القديمة، أي مزارع لديه عزبة مثمرة يجب أن يمتلك صندوق أسود مليء بالمال في مكان ما. إنما هيرب كان يدفع ثمن كل شيء بالشيكات، حتى حلاقة شعر بدولارين.” يستمر سير التحقيق في أغلب الأحيان تحت أنظار وتحليل الكاتب جينسن (ريتشارد ستيورات) الذي ربما قد وجد دافعاً نفسياً دفيناً لهذه الجريمة (شخصية يستخدمها كابوتي للتعبير عن نفسه).

الفكرة التي يقوم عليها السيناريو الذي اقتبسه ريتشارد بروكس، والرواية بطبيعة الحال، هي عرض طباع هاذين المجرمين كأبطال لقصتهما الحقيقة خلال رحلتهما على الطريق وفي غرفة أحد الفنادق ومن ثم انتظارهما للحظة الموت، لنُقلب نحن المشاهدين حياتهما التائهة والعنيفة والدنيئة في جلسةٍ واحدة. إنها دراسة شخصية عن قرب حول الجريمة وجذورها، استوحيت من فم مرتكبيها كوسيلة للخلاص، والتنقيب عن الدافع غير المرئي لعين القانون المجردة وذلك الجرح العتيق الذي يضخ دم العنف في عروق صاحبيها. وهذا العامل يتضح أكثر بخيار بروكس الصائب بالالتزام مع رواية كابوتي التي لم تعرض تفاصيل الجريمة منذ البداية، نعرف أن القاتلين هما ديك وبيري، ونعلم الهدف المادي الذي دفعهما لمباغتة العائلة والمكان، لكننا ننتظر تفسير معالم مسرح الجريمة وما حدث في ذلك المنزل بالتحديد، وهل كانت جريمةً بدمٍ بارد بحق. الأمر الذي يزيد من تشويق الفيلم بالرغم من معرفتنا لكافة المعطيات الأساسية.

الموضوع الصريح الذي يصرخ بذاته من الفيلم هو “حكم الإعدام” بغض النظر عن المذنب والذنب المرتكب هنا، إضافةً للطرق التي استخدمت في التحقيق مع ديك وبيري دون حضور أي محام للدفاع عنهما، والحيثيات التي سمعتها لجنة المحلفين لإصدار الحكم. لكن التعليق الذي يهمس به الفيلم يصبو لإعادة تعريف معاني “السعادة الأمريكية التقليدية” وهشاشة العظام الحاملة لمبادئها، ولذلك فإن مقتل عائلة كلاتر المثالية في المراحل الأولى للفيلم يعكس التشاؤم حيال سهولة انتهاء مثل هذه الحياة في أي لحظة، وزرع مشاعر كالريبة والشك والاشتباه بين هذه الأحياء المنمقة، خاصة عندما يدخل حياتهم أشخص على شاكلة ديك وبيري لا يعرفوا طعم السعادة أو وجود شيء مثلها ويأتيان من عائلات مفككة بكل معنى الكلمة، فنشاهد المونتاج المتوازن في التنقل بين حواراتهما قبل الجريمة وبين ذلك اليوم الاعتيادي في حياة العائلة الأمريكية الهادئة. نلحظ أيضاً أن الفيلم لا يملك دور رئيسي أو بطولي بارز بمعنى الكلمة، بينما السحابة الكبرى العائمة طوال الوقت هي تأرجح عاطفة المشاهدين بين مأساة موت هؤلاء الضحايا الأربع، ومجاهدة الشرطة في القبض على الفاعل، ومسألة تقربنا من عقلية مجرمين يختلفان في قلبهما عن قالبهما، ويتبين أن أحدهما على الأقل قد تحصن بأعذار داخلية غابرة منذ نعومة أظافر تجاه فعلته هذه.

ما نشاهده من مجريات بعد النصف الساعة الأولى هو أيضاً تفسير وتوضيح أشمل لدراسة نفسية أجريت على أربعة مجرمين آخرين، يجسدون حالة مشابهه لجريمة بطلي قصة الفيلم، بجرائمهم الخاوية من دافع ملموس، حيث يقول جينسن أن هؤلاء الأربعة قد اشتركوا بعدد من الصفات، وارتبكوا جرائم لا تحمل أي معنى، وكان يعتريهم شعور بضعف الجسماني والعجز الجنسي، وطفولتهم اتسمت بالعنف أو لم يعرفوا فيها سوى فرد واحد من والديهم أو تولى شخص آخر تربيتهم، ولم يكن لهم القدرة على التميز بين الحقيقة والخيال، ولم يكرهوا ضحاياهم، لا بل لم يكن لديهم أدنى فكرة عنهم، بيد أنهم لم يشعروا بشيء من الذنب حيال جرائهم ولم يجنوا منها شيء يذكر، والأهم من ذلك كله، أنهم كانوا قد أخبروا الشرطة أو طبيب نفسي بأنهم شعروا برغبة القتل قبل ارتكابهم للجريمة نفسها، لكنهم أهملوا تحذيراتهم هذه. هذه الصفات لا تطابق شخصيتي ديك وبيري بشكل كامل، إلا أنها تعطي ما يسمى “جرائم دون دافع” السبب وراء عقلية مرتكبيها، فمع أن ديك وبيري كان يملكان دافع الحصول على 10 آلاف دولار، نشاهد أن الدافع اختلف جذرياً عند علمهما أن لا وجود لخزنة تذكر، حينها فقط يُصبح لتلك الدراسة وأوصافها معانٍ جمة دفعت ببيري لقتل عائلة كلاتر فرداً فرداً، أما ديك فواصل حياته بشكل طبيعي بعدها.

الفترة التي يقضيها كل من ديك وبري في غرفة الفندق والتجوال على الطرق تعطي إشارات جديدة على اتساع الفجوة بينهما، وعن الدراسة النفسية التي ذكرها جينسن، يقول بيري: “أتعلم، لا بد من وجود علة ما بنا للقيام بما فعلناه.” إضافةً إلى تزايد شكوكهما لاحقاً عن إمكانية أن يشي أحدهم بالآخر، والأفعال التي يقوم بها ديك بتوبيخ بيري حول خريطة الذهب وشربه حتى الثمالة ومعاشرته لإحدى العاهرات التي تحيي في ذهنه ذكريات مخزية عن خطيئة والدته وعنف والده أمام عينه وأعين أخوته. وخلال سيرهما على الطريق للحصول على توصيلة من أحد السائقين، يصر ديك دائماً على بيري أن يقوم هو بقتل السائق لسرقة المركبة، كتأكيد آخر أنه برغم جرأته ومهارته إلا أنه غير قادر على سلب حياة أحدهم، بينما يقف الحظ في كل مرة إلى جانب هؤلاء السائقين ليمنع بيري من ارتكاب جريمة أخرى.

يعثران في إحدى الليالي الباردة على سيارة مركونة في أحد المآرب، وبينما هما على الطريق، يلوح لهما صبي صغير بصحبة جده ويطلب منهما أن يقلانه إلى منزل شقيقته في كاليفورنيا، راقب هنا كيف ينظر بيري ليد الصبي وهو يحاول أن يدفئ ويطمئن يد جده، في حين أن ديك يسأله عن المال. يظهر بيري وكأنه يخمن أن علاقة هذا الصبي بجده لا بد أن تكون زاخرة بالمشاعر ومليئة بالمغامرات بجمعهما للزجاجات الفارغة، حياة شيقة كان يريدها لنفسه إلى جانب والده.

جميع هذه المشاهد تنقل فكرة ترومان كابوتي حول الميزان الأخلاقي لهاذين المجرمين بين صورتهما في الإعلام وصورتهم الشخصية أمام أنفسهم؛ فنحن نراقب ديك وبيري وهما من المفترض أن يمثلان الشر بأشكاله الحالكة، لكن هذه اللقطات الصغيرة تتيح للمشاهد أن يتعمق في روحهما وإن كانت ملطخة بالدماء. كما يعود كل من كابوتي وبروكس مراراً وتكراراً إلى الظروف والبيئة التي بنت شخصية المجرم دون أي محاولة فعلية لكسب تعاطفنا تجاههم، الهدف هنا هو وصف الجانب المشرق لأي إنسان والآخر المظلم المتفجر والمتقلب وسهولة حدوث ذلك إن توفرت الشروط له (كإطلاق بيري النار حال ظهوره والده في مخيلته، وذلك بمثابة إنتقامه الشخصي منه)، لذا فإن الفيلم يمنح كافة الأطراف من القتلة والضحايا والشرطة القدر الكافي من المساحة الدرامية لتعبير عن دورها وذاتها ومن أبعاد مختلفة.

ومن هنا يأتي خيار ريتشارد بروكس الملائم بتصوير الفيلم بالأبيض والأسود، وتولي كورنارد إل. هول مهام التصوير السينمائي، فالمقصود بهذه العتمة وحيادية الألوان ليس التخلص من الحياة الملونة الزاهية المناقضة لأي شيء في هذا الفيلم وتفادي معانيها المشرقة وحسب، إنما أيضاً لتسليط الضوء على الدلالات الداكنة والحياة القاتمة التي تمر بها الشخصيات، فالمرمى هنا ليس لون دم الأحمر المسكوب (نكاد لا نراه أساساً) بل معانيه السوداوية وهول سماع ضغط زناد البندقية التي قتلت في النهاية ستة أشخاص وليس أربعة.

الأبيض والأسود هو حكم حزين يبديه المخرج حول تلك الجريمة ومجرياتها وكتوثيق آخر للمعلومات المأساوية التي أفادته بها رواية كابوتي، فيبدو وكأنه فيلم وثائقي يعرض أحداثاً درامياً حقيقية وليس العكس. ولأن الفيلم حول وقائع تلك الجريمة والعقاب المنزل إزاءها، يلتقط كورنارد إل. هول صوراً تقف على أطلال حياة بيري وتواسي مصيره الأخير بعد أن “انتظر” هو وديك خمس سنوات كاملة لتنفيذ حكم، راجع المشهد الذي يعرض وقوفه أمام النافذة والمطر يغمر زجاجها بينما يسرد حكايةً عن ماضيه مع والده والفرصة الضائعة بأن يحظيا على منزل حقيقي، واللحظة التي حاول بها قتله أو تلك التي طرده فيها من حياته في البرد القارص، انتبه لانعكاس تساقط المطر من الزجاج على وجه بيري، وكأن الفيلم كله يبكي على مآله ويصف حالته في ذلك اليوم الذي غير حياته إلى الأبد. يهطل المطر الحزين آلاماً تحكي عن اشتياقه لوالده وإقراره أنه يحبه ويكره في نفس الوقت، فقد أعدم مستقبله مرةً في السابق، والأن سيعدمه مرة جديدة.

“أربعة أشخاص أبرياء ومذنبان اثنان قُتلوا، وثلاث عائلات تفككت. الصحف ازدادت مبيعاتها. السياسيون سيلقون المزيد من الخطابات، والمزيد من اللوم سيقع على رجال الشرطة ولجنات إطلاق السراح المشروط، وقوانين أخرى ستسن. وكل واحد منهم سيلقي اللوم على الآخر. وبعدها، في الشهر القادم أو السنة التالية، نفس شيء سيحدث مرة أخرى.”. هذا ما يُلخصه جينسن أو ترومان كابوتي بعيد إعدام ديك وقبيل إعدام بيري، الذي يفارق الحياة، وأسفه يطوف في المكان دون مرساة، كما كانت عيشته، وروحه بعد لحظات.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “In Cold Blood – 1967

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: