التخطي إلى شريط الأدوات

King Kong – 2005

“Actors. They travel the world, but all they ever see is a mirror.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 4 فبراير 2006.

ليست عودة الملك، بل عودة بيتر جاكسون، وهو الأهم. بحجم ذلك الوحش الهائل يحل فيلم بيتر جاكسون الجديد (كينغ كونغ) على شاشات العرض وبنفس ذلك الوقع المهيب. يعلم كل متتبعي أخبار السينما أن فرصة إعادة إنتاج الفيلم الكلاسيكي كينغ كونغ هو بمثابة حُلم وتحقق بالنسبة للمخرج النيوزيلندي، فيلم عام 1933 هو السبب الذي جعله يمتهن الإخراج وألهم مشواره المهني ككل. وهذا بالتالي حُلم تحقق بالنسبة لمحبي تلك التحفة، ألا وهو النجاح بإعادة مجموعة من أشهر وأهم اللحظات السينمائية التي شهدتها الشاشة الكبيرة طوال تاريخها المديد. صاحب ثلاثية خواتم احتفى بها النقاد والجمهور يمتلك فكر خيالي مغامر نادر الشغف والحرفية في الوقت الراهن، ميزانية تجاوزت الـ200 مليون دولار خصصت من شركة يونيفيرسال كي يستطيع جاكسون تقديم كل ما في جعبته ومخيلته من موهبة عن فيلمه المفضل وعن السينما كلل. والنتيجة كانت أفضل مما قد تتخيله: حكاية الجميلة والوحش هذه مولفة داخل فيلم ملحمي مؤثر بقلبه ومسلي باهر بتنفيذه.

علاقة الحب التي ربطت بين جاكسون وكينغ كونغ بدأت قبل ثلاث عقود عندما شاهد نسخة المخرج ميريان كوبير الأولى وهو بعمر التاسعة، حاول في السابق إعادة تصويره قبل سنوات عدة لكنه في النهاية لم يستطع جمع المعطيات المطلوبة لإنجازه. بعدها أجّل المشروع حتى ينتهي من تصوير ثلاثية سيد الخواتم، وبعد الإنجاز المذهل الذي توصل إليه في تلك الثلاثية لم يحتاج جاكسون سوى أن يلفظ اسم فيلمه الجديد لشركات الإنتاج حتى تنهال عليه العروض والأموال، وفي النهاية اختار شركة يونيفيرسال ليحقق حلم حياته. الفيلم الأصلي كان سريع وخلال 20 دقيقة في تقديمه للشخصيات الرئيسية وإدراج كل واحد منهم على المركب إلى تلك الجزيرة الغامضة، نسخة بيتر جاكسون تأخذ وقتها وتتمهل كي تصل إلى لٌب القصة. وهو أسلوب بات يميز المخرج الذي أصبح يعمل “نحيل الجسم”، فالبناء الفاحص للحدث الكبير لا يقدم الوحش إلا بعد أكثر 60 دقيقة من الأحداث. جاكسون وزملائه في الكتابة فرانك والش وفيليبا بوينز قاموا بتوسعة نطاق القصة، تقديم الشخصيات بجوانبها الاجتماعية، وبتصوير مسهب لنيويورك في فترة الكساد الاقتصادي. من الواضح أن جاكسون يريد جمع معلومات عن أي شيء سيمر من خلالها هذا الكائن العملاق.

وكما هو في الفيلم الأصلي، نحن في عام 1933، نتعرف على المخرج والمنتج كارل دينهام (جاك بلاك)، الذي يواجه مشكلة في إقناع رؤساء الأستوديو كي يمولوا فيلمه ومغامرته الجديدة – ليتم تصويره في رحلة إلى مكان أسطوري معروف بجزيرة معزولة. دينهام في خطر خسارة تمويل فيلمه، ولا يمتلك سوى 15 صفحة من نصه. لهذا يقوم بسرعة بتجميع طاقمه ويغادر إلى الجزيرة قبل أن يتمكن الأستوديو من إيقافه. لكن دينهام لديه عقبة أخرى بعد أن انسحبت ممثلته الرئيسية في الفيلم، لهذا يجوب شوارع نيويورك كي يجد المرأة المثالية للدور، فيلحظ شابة جميلة ويقع اختياره عليها. السيدة اسمها آن دارو (نعومي واتس)، مؤدية وممثلة استعراضات فقيرة الحال وقليلة الأدوار. دينهام يغريها ويقنعها مع بقية الطاقم أن السفر سيكون مستحق العناء، يخبرهم جميعاً بأنهم ذاهبون إلى سنغافورة، وليس البحث عن جزيرة الجمجمة. الكاتب جاك دريسكول (أدرين برودي) يعرض على دينهام إعادة كتابة سريعة للنص، لكن دينهام يتحايل مجدداً ويحضر الكاتب معه إلى الجزيرة. هناك في تلك الجزيرة يحدث ما لم يتوقعه أحد، يتضح أنها موطن لشعب أصلي همجي، وحوش غريبة، حشرات عملاقة، وغوريلا عملاق يضع عينه على آن نجمة فيلم دينهام ويخطفها منهم. إلا أن كونغ لا يفعل مع آن كما هو الحال مع بقية ضحاياه، شعرها الأشقر سحره، وجمالها خدعه، فيتركها معه بسلام. طاقم دينهام يخاطر بكل شيء من أجل إنقاذها، في حين أن دينهام يرى في كينغ كونغ ثروة طائلة إن استطاع إعادته إلى نيويورك “أعجوبة العالم الثامنة”، لكنه أيضاً لا يعرف قوة المشاعر التي حركتها آن في هذا الوحش.

من بين الاختلافات في هذه النسخة والأصلية، الشخصية التي تشكل حب آن غير المتوقع، ليس مساعد قبطان السفينة بل هو الكاتب جاك، رجل آن تعرف وتعشق رواياته، وعلى نقيض كامل من الوحش الهائل الذي ستروضه فيما بعد بجمالها. المخلوق كونغ يمتاز بخصال الإنسانية كما هي مزاياه الوحشية، وبيتر جاكسون يفعل كل بوسعه كي يبرز هذا الجانب. مع مساعدة ممثله الجسدي أندي سيركيس (الذي لعب دور غولوم في سلسلة الخواتم) وطاقم هائل من المؤثرات الخاصة، فيقدم المخرج غوريلا ذات حرفية مضاعفة ومعنية بتفاصيل الفراء والحركة، فأعطوا لهذا المخلوق قلباً وروحاً جديدين، وخفة الدم في بعض المشاهد. نشاهده أحياناً شيء مرعب ومريب، وأحياناً بطل نبيل لا يظهر ضعفه إلى أمام السيدة الشقراء التي خطفت فؤاده. جاكسون يغامر كثيراً في المشاهد التي تجمع بين واتس وكونغ، يشكل قصة إعجاب كان من الممكن أن تتحول بسهولة إلى مشاهد عاطفية سخيفة مضحكة، إلا أنه يديرها بطريقة كوميدية مقصودة صحيحة، وشفافية بسيطة موجعة للقلب.

العلاقة بين كينغ كونغ وآن في هذه النسخة علاقة تبادلية وتتصف بالنعومة. وهي تتطور بدقة شديدة طوال مجريات الفيلم –تقوم آن بتأدية رقصة وأغنية تسلي بها كونغ وتقنعه بأن لا يقتلها. عندما تختبئ خلف كونغ خلال شجار مخيف، تناشد به ليكون بطلها. وفي نيويورك، في ربما أكثر لحظات كينغ كونغ شهرة، تمثل نعومي  كل هذا التناقض وبقوة، علماً إلى أنها عملت وحيدة أمام هذا القرد الخيالي. مع كل مشاهد الحركة والقتال المبهرة والمتفوقة التي تجمع بين كونغ والديناصورات وغيرها (مشهد واحد فقد جاكسون السيطرة عليه، حين يجري سرب من الديناصورات خلق جاك ورفاقه)، فإن الفيلم يدهش أكثر عندما يجمع بين آن ووحشها الرءوف، فراقب مشهد غروب الشمس بينهم. نشاهد العواطف تتغير والمواقف تتبدل كلما تعمقت علاقتهما. واللقطة المقربة الأخيرة على قمة بناية إمباير ستايت مؤثرة تأثيراً كبيراً، وهي نتيجة لبناء وتطوير الاتصال الخاص بينهما.

كان بيتر جاكسون قد أعلن نفسه بعد سلسلة سيد الخواتم أنه سيد المؤثرات الخاصة ومشاهد الخيال الحركية، خير خلف للمخرج ستيفين سبيلبيرغ. حتى بعد ثلاثة ساعات رائعة من متعة سينمائية صاخبة، ستبقى متعطشاً للمزيد. إنه عمل لرجل يختار مواضيعه بشغف، إن كان في الدراما (مخلوقات سماوية) أو في فنتازيا سيد الخواتم، فهو يعمل بدقة مثيرة للإعجاب. المخلوقات ومدينة نيويورك جميعها تعد عمل تقني موفق، الأجواء وطبيعة الألوان التي تجري بها الأحداث تنعش وتجدد في حبكة الفيلم المعروفة. وأخيراً هناك بالطبع قصة الحب، أو ربما الصداقة كما يفضلها المخرج، المشاهد التي يتواصل بها كونغ مع آن على طريقتهما الخاصة تشكل العلامة الفارقة التي تفصل عنهما بقية العالم الذي يريد النيل من كونغ ولو للدقائق قليلة. جاكسون وطاقمه يدعان كونغ يخرج مشاعر إنسانية مثل الغضب، الغيرة، المرح وحتى الحب، لكن من دون أن تكون حركات أو تعابير إنسانية. وآن تلحظ هذه المشاعر وتطورها عنده حتى نصل إلى ذروة علاقتهما وإلى ذروة المأساة التي يختم بها بيتر جاكسون حلمه حياته (كينغ كونغ) ألا وهي: أن العاطفة هي أقوى مشاعر تمتلكها الكائنات الحية.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: