التخطي إلى شريط الأدوات

Psycho – 1960

“She wouldn’t even harm a fly…”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

لم يلهب المشاهدين رسالة ما في الفيلم، ولم يكن التمثيل الرائع… لقد أثارهم الفيلم نفسه”.

هذا ما قاله ألفريد هيتشكوك في مقابلة مع فرانسوا توفو عن فيلم (نفوس معقدة)، مضيفاً “إنه إهداء لصانعي الأفلام، إهداء لي ولك”. تعمد هيتشكوك أن يخرج الفيلم بنفس شكل الأفلام التجارية الرخيصة، لم يصور الفيلم مع نفس طاقمه الفني المعتاد والمكلف (كان قد أنهى معه للتو تصوير فيلم شمال الطريق الغربي) بل استخدم طاقم الذي كان يشاركه في برنامجه التلفزيوني. صوره بالأبيض والأسود، وكثير من مراحل الفيلم لم يتخللها أي حوار. كلف حوالي 800,000 دولار أمريكي، وهو رقم قليل حتى لمقاييس عام 1960. تم بناء القصر وفندق بيتس في مرآب السيارات الخلفي لاستوديوهات يونيفيرسال. نتلمس من عمق الفيلم، أن (نفوس معقدة) يتشارك في خصال قصص النوار القصيرة مثل فيلم (التحويلة) أكثر من تشاركه في الأجواء الراقية لأعمال هيتشكوك المثيرة مثل (النافذة الخلفية) أو (الدوار).

(فرانسوا توفو هو صانع أفلام فرنسي شهير وأحد مؤسسي الموجة السينمائية الفرنسية الجديدة)

مع هذا كله، فقد كان لـ(نفوس معقدة) وقع وأثر شديدين في نفوس المشاهدين أكثر من أي فيلم آخر له. اُقتبس عن هيتشكوك كذلك قوله لتوفو في مقابلتهم المطولة والتي نشرت على شكل كتاب “كنت أخرج المشاهدين، تستطيع القول أني كنت ألاعبهم، كما لو أنني أعزف على آلة الأورغ”. لقد كان أشد الأفلام التي شهدها الجمهور رعباً وإخافة في ذلك الوقت. تقول إحدى دعايات الفيلم “لا تفسدوا المفاجأة!”، لم يكن بمقدور أي متابع للأفلام أن يتوقع المفاجآت الموجودة في جعبة هيتشكوك— قتل البطلة الرسمية للفيلم ماريون (جانيت لي) بعد مرور الثلث الأول من الأحداث فقط، وحقيقة سر وغموض أم نرومان. لقد تم الترويج للفيلم على أنه أحد أفلام ويليام كاسل المشوقة (ويليام كاسل هو مخرج أمريكي يهودي الأصل، عّرف عن تقديمه لأفلام رعب ضعيفة المستوى والميزانية لكن مُسوقة تجارياً بشكل بارع). شدد هيتشكوك بالقول “عليك أن تشاهد الفيلم من بدايته!” ويشرح ذلك “سيبقى المتأخرين بانتظار ظهور جانيت لي بعد أن اختفت من مجريات القصة”.

وعلى الرغم من أن الجميع الآن يعرف هذه المفاجآت، لا يزال (نفوس معقدة) ناجحاً بأن يكون فيلم إثارة وقصة مخيفة بإيحاءات ومضامين كثيرة. يعود الفضل لهذا بشكل كبير إلى فنية هيتشكوك في مساحتين بحاجة للتوضيح: التحضير لقصة ماريون كرين، وعلاقتها مع نورمان (أنثوني بيركينز). ويعود سبب نجاح هذين العنصرين في تكريس هيتشكوك كامل اهتمامه ومهارته بالتعامل معهما وكأنهما سيتسمران بالتطور والتجدد طوال أحداث الفيلم. يتضمن هذا التحضير موضوع اعتاد هيتشكوك على تقديمه مراراً: الذنب الذي يحمله الشخص العادي وهو يقع في فخ ارتكاب جريمة ما. صحيح أن ماريون كرين سرقت 40,000 دولار لكنها تندرج تحت القالب الهيتشكوكي “بريء وقع في جريمة”. نقابلها لأول مرة خلال الظهيرة في غرفة أحد الفنادق الرخيصة مع عشيقها المطلق سام لوميس (جون غافن). لا يستطيع سام أن يتزوجها بسبب دفعات النفقة المفروضة عليه، وبالتالي فهما يتقابلان سراً. عندما تجد ماريون المال أمامها، وهو في جعبة زبون عقارات فظ (فرانك ألبيرتسون) والذي يلمح أنه بمبلغ مالي مثل هذا بمقدوره أن يشتري ماريون نفسها، نعرف أن دافع ماريون هو الحب وضحيتها شخص بغيض، فلما لا.

إن هذا تحضير كافي كي يكون حبكة هيتشكوكية مدتها ساعتين، إلا أننا لا نشعر ولو للحظة واحدة أن مادة فيلم صنعت كي تضللنا. أثناء هروب ماريون إلى فينيكس في طريقها إلى بلدة سام فيرفيل في كاليفورنيا، نشهد لمسة أخرى خاصة بهيتشكوك وهي الخوف من الشرطة. شرطي دورية للطرق السريعة (مورت ميلز) يوقظها وهي تأخذ قيلولة على جانب الطريق، يستجوبها ويكاد يرى الظرف ومحتواه من المال المسروق. فتقوم باستبدال سيارتها بأخرى تحمل لوحة مختلفة، لكنها تذهل وهي عند التاجر برؤية نفس الشرطي يتابعها من الجهة الأخرى للطريق، يتكئ على سيارة عمله، يحدق بها مكتفاً يديه. كل شخص يشاهد هذا الموقف للمرة الأولى يعتقد أنه مشهد يحضر لقصة سيسير معها الفيلم حتى النهاية. تقترب ماريون وهي خائفة، متعبة، وربما بدأت تندم على السرقة التي قامت بها، من الوصول إلى فيرفيل لكنها تضطر للتوقف بسبب عاصفة مطر شديدة. تصطف بسياراتها عند فندق اسمه بيتس وتبدأ علاقتها القصيرة المقدرة لها مع نورمان بيتس. يدفعنا هيتشكوك هنا للتكهن مجدداً بتصويره المتأني للمشاهد وإلقائه المتمهل للحوار أن نورمان وماريون سيكونان الممثلين الوحيدين لما تبقى من مجريات القصة.

يستمر هيتشكوك بإقناعنا في ذلك أثناء محادثتهما الطويلة التي تدور في صالة استقبال فندق نورمان، حيث نرى طيور متوحشة محنطة تبدو على أهبة الانقضاض وأسرهما كضحيتين. تسمع ماريون صوت أم نورمان وهي تخاطبه بحده، فتقترح على نورمان بلطف بأن عليه مغادرة هذا الفندق الفاشل والميؤوس منه والذي لم يدخل حتى خارطة الطريق السريع الجديدة. نلحظ بأنها تهتم بأمر نرومان، لدرجة أنها تعيد التفكير بما فعلته. نورمان كذلك يتأثر، إلى حد أنه يشعر بتهديد يأتي من مشاعره هذه، ولهذا عليه الآن أن يقتلها. عندما يقوم نورمان بالتجسس على ماريون، قال هيتشكوك حينها أن معظم المشاهدين نظروا له كفعل تلصلصي. كما أشار توفو إلى أن افتتاحية الفيلم التي تصور ماريون بملابسها الداخلية توضح أهمية البصبصة التي يقوم بها نورمان لاحقاً. ليس لدينا أدنى فكرة أن هناك جريمة قتل قادمة.

متابعة مشهد الاستحمام في يومنا هذا تُبرز عدة أمور. على عكس أفلام الرعب المعاصرة فإن (نفوس معقدة) لا يرينا السكين تخترق اللحم، ولا وجود لجروح، هناك دم نعم لكن ليس بالغالونات. صوّر هيتشكوك الفيلم بالأبيض والأسود لأنه شعر بأن الجمهور لن يستحمل رؤية كمية كبيرة من الدماء بالألوان (تضرب إعادة المخرج غاس فان سانت للفيلم عام 1998 بهذه الفكرة عرض الحائط). أوتار موسيقى بيرنارد هيرمان الجارحة هي بمثابة بديل صوتي مريع لكل هذا الدم. ليس الغرض من اللقطات التي تختم المشهد أن تكون تفصيلية للجريمة بل رمزية، نتابع الدم والماء ينزل في البالوعة وتنتقل الكاميرا إلى لقطة مقربة بنفس الحجم على مقلة عين ماريون. يبقى هذا أكثر المشاهد قتلاً بالسكين تأثيراً في تاريخ السينما، حيث يقترح هيتشكوك أن الموقف نفسه واللمسة الفنية أكثر أهمية من التفاصيل الجريمة نفسها.

يقوم الممثل بيركينز بتوليف شخصية نورمان المعقدة بطريقة غريبة، بأداء أصبح تاريخياً. يرينا بيركينز أن هنا شيء غير سليم في جوهر شخصية نورمان، ومع ذلك فهو يتمتع بخصال الشاب المحبب، يضع يداه في جيبي بنطاله، ويقفز على عتبة المنزل ويبتسم ابتسامة عريضة. يبدأ بالتلعثم والتملص في الحديث فقط عندما تصبح المحادثة شخصية. يثير شفقتنا نحوه للوهلة الأولى بنفس الطريقة الني نتعاطف بها مع ماريون.

يتبع مشهد موت البطلة مشهد تنظيف نورمان الدقيق لمسرح الجريمة. نلاحظ الآن أن هيتشكوك يبدل بشكل ماكر أدوار البطولة. ماريون ميتة، لكننا الآن نشعر مع نورمان- (ليس شعورياً بل في قرار نفسنا) ليس لأنه بمقدورنا أن نطعن أحدهم، بل لأننا في حال فعلنا ذلك سيستحوذنا الخوف والشعور بالذنب كما يشعر نورمان الآن. ينتهي المشهد باللقطة البارعة المعروفة حيث يدفع بيتس بسيارة ماريون (داخلها الجثة والنقود) إلى المستنقع. تغرق السيارة ومن ثم تتوقف الصورة ونورمان يتابع باهتمام شديد. تختفي السيارة أخيراً تحت السطح. إذا عمدنا لتحليل مشاعرنا، ندرك أننا نريد لتلك السيارة أن تغرق بنفس رغبة نورمان. قبل أن يظهر سام لوميس من الجديد ليشترك مع شقيقة ماريون ليلا (فيرا مايلز) في البحث عنها، نجد الآن أن (نفوس معقدة) لديه بطل جديد: نورمان بيتس. إن هذه الخطوة هي من أجرأ ما قام به هيتشكوك من تبديلات في الأبطال طوال مدة ممارسته الطويلة لأسلوب التدليل والتضليل للجمهور. بقية الأحداث هي ميلودراما ناجحة، وهناك صدمتين قويتين على الطريق. يُقتل المحقق الخاص أربوغاست (مارتن باسم)، في لقطة استخدمت فيها كاميرا عكسية يبدو أنها تلحق به إلى أسفل السلم. وبعدها تُكشف هوية أم نورمان.

غير أن المشاهدين الأذكياء يتوقعون أن هناك مفاجأة بنفس الحجم ما زالت تنتظرهم. فلماذا أفسد هيتشكوك نهاية هذه تحفة بمشهد مشوه وليس في محله؟ فبعد أن حُلت الجرائم، ثمة مشهد يتعذر تفسيره يقوم فيه الطبيب النفسي (سيمون أوكلاند) بإلقاء محاضرة لجميع الناجين عن أسباب سلوك نورمان المضطرب نفسياً. إنها خاتمة مخيبة للآمال تصل لدرجة السخرية. إذا كنت أملك الشجاعة الكافية كي أعيد تعديل فيلم هيتشكوك هذا، فسأضع فقط أول تفسير للطبيب حول شخصية نورمان المزودجة وهو: “نورمان لم يعد موجوداً، لم يكن موجوداً بالأصل إلا ينصف واحد من شخصيته، والآن، النصف الآخر سيطر عليه، وربما سيسطر عليه للأبد”. ومن ثم أقص كل شيء آخر ذكره الطبيب، وأنتقل إلى مشهد يكون فيه نورمان ملفوفاً ببطانية وصوت أمه يقول: “إنه لمن المحزن أن تنطق الأم بالكلمات التي تدين فلذة كبدها”. هذه التعديلات التي سأدخلها قد تجعل الفيلم شبه كامل. لم أصادف بحياتي دفاع أو تبرير واحد مقنع لهذا الهراء النفسي المطول الذي سمعناه في النهاية. يتفادى توفو ذوقاً منه ذكر هذا المشهد خلال مقابلته الشهيرة مع هيتشكوك.

الأمر الذي يجعل من فيلم (نفوس معقدة) خالداً، في حين أن أفلاماً كثيرة تصبح في مهب الريح بمجرد مغادرتنا صالة العرض، أنه يتصل مباشرةً مع مخاوفنا: خوفنا من أن نتهور ونرتكب جريمة ما، خوفنا من الشرطة، خوفنا من أن نكون ضحية رجل مجنون، وبالطبع خوفنا من أن نخيب أمل أمهاتنا.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: