التخطي إلى شريط الأدوات

The Town – 2010

“I’ll see you again… this side or the other.”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

ثمة مشهد في فيلم (البلدة) للمخرج بين آفليك يعمد على استغلال تفاعلنا مع شخصيات الأفلام بأسلوب خبير. ففي بعض اللحظات الحرجة، نتواصل مع الأحداث عبر إشارات ذهنية سريعة. دعوني أوضح النقطة بضرب مثال لتلك اللحظة، يهتم دوغ لأمر كلير، ثمة شيء لا يجب أن تعرفه عنه، لكنها ستعرف كل شيء في حال شاهدت الوشم على رقبة دوغ من الخلف. ينضم جيم لدوغ وكلير ويجلس معهما على الطاولة دون إذن، بملامح جادة وبسلوكه الخاص، يشير دوغ له أن يغادر الطاولة، ويشير لنا أيضاً. جيم الخطير والأبله يبقى في الخلف بحضوره العدواني، لا يعلم أن الوشم يمكن أن يفشي بحقيقة دوغ.

إن تمكن الفيلم من الوصول بنا للشعور بالقلق، إذا فقد أحسن بإنجاز شيء واحد. (البلدة)، وهو فيلم آفليك الثاني كمخرج، يريد أن يقوم بأشياء أخرى، أن يبدي تصريحاً شخصياً وحتى فلسفياً حول مجتمع الجريمة، لكنه لا ينجح بذلك بنفس القدر. لدينا هنا فيلم مصنوع بإتقان عن إجراءات الجريمة، ومن المرجح أن يستمتع به الجمهور من هذه الناحية، لكن يبدو أن آلية أفلام الجريمة قد اعترضت طريق طموح آفليك العالي.

هناك مشهدين مسهبين بعض الشيء في الفيلم، وفي أحدهما يتبادل لصوص البنك إطلاق النار برشاشاتهم مع عدد كبير من رجال الشرطة. أعتقد أنه عندما يستخدم المرء الأسلحة الأوتوماتيكية من بُعد لا يزيد عن شارع واحد فإن الكثير من الناس سيقتلون أو يتعرضون للإصابة. يتضح لاحقاً أنه لن يصاب أي أحد في الفيلم حتى و/أو إلا إن يتطلب السيناريو ذلك، وهذا يصيب المشاهدين بالخيبة. فلا نعود نشعر بمصداقية القصة، وعلينا أن نرضى مرة أخرى بالنهاية التقليدية للمطاردة وتبادل إطلاق النار.

لابد أن آفليك وكتاب السيناريو ومصدره (رواية “أمير اللصوص” بقلم تشاك هوغن) لديهم عقلية أفضل من هذه المعالجة، وشخصياتهم تستحق ما هو أفضل من ذلك. وبعيداً عن مستوى الميزانية المحدد، نادراً ما تسمح الأفلام الهوليودية أن تكمل توليف شخصيات أفلامها. لنأخذ بعين الاعتبار عدم الرضا الواسع لفيلم جورج كلوني (الأمريكي)، أفضل فيلم جريمة لهذا العام، الجمهور غير مهتم بإلقاء نظرة في روح مجرم يمر بأزمة وجودية، بل يريد معالجةً تفسر لهم كل شيء.

يلعب بين آفليك في الفيلم دور دوغ مكراي، وهو من الجيل الثاني لعائلة من لصوص البنوك القاطنة في شارلستون – بوسطن. نعلم أن هذا الحي يعج بلصوص وسارقي بنوك أكثر من أي منطقة أخرى في البلاد. إنها حرفة عائلية، مثل صيانة الأحذية أو المحاماة. يترأس آفليك طاقم من أربعة أشخاص، وأبرزهم جيم (قصير ممتلئ وطائش يؤديه الممثل جيريمي رينر، مختلف تماماً عن ظهوره في “خزنة الألم”). يقوم الطاقم بالتخطيط لعملياته بشكل دقيق لدرجة التخلص من أي أثر لوجودهم ومصادرة أشرطة المراقبة. لكن ثمة وجهٌ همجي لجيم. حيث يصيب أحد المدنيين بلا أي سبب، ويرتكب أمراً محظوراً خلال إحدى العمليات: يأخذ معه رهنية اسمها كلاير (ريبيكا هول). فالخطف جريمة من العيار الثقيل.

يطلقون سراح كلاير دون إيذائها، ويتبين أنها تقطن في شارلستون، فيصاب جيم بالذعر. يقوم دوغ بتعقبها إلى محل لغسيل الملابس، يقابلها “بالصدفة”، يتعرف عليها جيداً ويُعجب بها على نحو غير متوقع. وهنا تكمن غاية الفيلم تحديداً: كيف أن تعرف دوغ على كلاير يفتح عقله على حياة كاملة حرمته عائلته منها. كان من الممكن أن يستمر الفيلم بتطوير هذه الحبكة، لكنه يتراجع عنها ويركز أكثر على حبكة الجريمة. نقابل والد دوغ (كريس كوبر) القاسي في السجن، ومجرم محلي متزعم (بيت بوستلثوايت الشرس). ونتابع عمليات فريق المباحث بقيادة جون هام. لديهم فكرة واضحة عن هدفهم؛ لأنه من غير الممكن أن تقتات من سرقة البنوك وأنت تعيش في شارلستون دون أن يُعرف عنك ذلك. بيد أنهم لا يملكون الأدلة الكافية لعرضها أمام المحكمة.

الشخصية الأكثر أهمية تعود لجيم، كما يؤديه رينير، فهو ذو سلوك مرتبك وملتوي، وفرد أرعن في فريق يتطلب الانضباط. نراه يغضب جداً حين يكتشف أن دوغ قد صادق امرأة يمكن أن تفضح أمرهم، وطريقته الهائجة المريبة عندما يكون بمزاجه المرح. ثمة أمرٌ آخر مثير للاهتمام: دوغ هو الشخصية المحورية ومن المفترض أن تسلط عليه الأضواء، لكن مع انتصاف الفيلم، يتبين أن شخصيته قد حرمت من دافعها ورضيت بنهاية مقبولة ليس أكثر. غير أن جين، يبقى قادراً على فعل أي شيء. إن تسنى لك وشاهدت الكثير من أعمال الممثل جيريمي رينير من قبل، ربما عليك التمعن أكثر فيه لتمييزه؛ وكأن بطل فيلم (خزنة الألم) قد انتقل للعيش في بوسطن وراح يشرب البيرة الخالية من السكر ويأكل السجق والمقالي.

يوضح (البلدة)، كما فعل فيلمه الإخراجي الأول (طفلتي اختفت) لعام 2007، أن آفليك يتمتع بخصال المخرج الحقيقي. جميعها متوفرة هنا، في فيلم إثارة مؤثر، وهو يعمل بالقرب من الممثلين، ولديه إحساس بالسرد القصصي. على الرغم من ذلك فأنا مصمم عند رأيي بأن المطاردات ومناوشات الأسلحة مملة كثيراً. اتضح لي عند وصول مشاهدها أن القرارات لم تعد في يد الشخصيات، بل أن الكلمة الأخيرة باتت لمسؤولي مشاهد الحركة والمؤثرات الخاصة.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: