التخطي إلى شريط الأدوات

The Secret in Their Eyes – 2009

Memory is a way of holding onto the things you love, the things you are, the things you never want to lose.”

“A passion is a passion.”

بقلم مهند الجندي.

“ذكرياتنا هي الوحيدة التي تبقى معنا إلى الأبد، فاحتفظ بالجميل منها على الأقل.” – ريكاردو موراليس.

 

يرتحل بقطاره وجسده عنها، لتغيب عن ناظريه، فيجري ويلهث بأنفاسه وقلبه وشغفه إليها. يُغلق بنجامين الباب على ماضيه ويُلقي بخوفه وراء ظهره أخيراً في فيلم (السر في عيونهم) للمخرج الأرجنتيني خوان خوسيه كامبانيلا، على عكس بقية الشخصيات، في النهاية، يحتفظ بنجامين وحيداً بما هو جميل فقط من ذكرياته. بين ماضي وحاضر المجرم والزوج والسكير والمحقق والمديرة والمشجع والمجرم والعاشق والمراهقة، حيث يرمون جميعهم بالشغف كحطبِ يوقد ويشبع رغباتهم وغرائزهم، في فيلمٍ هو انتصار خاص بالسينما عموماً، حين تتحول هذه إلى أداة تجسد الحياة والإنسان في أحلك اللحظات، بين تلامس وفراق الأنامل، وتوافق وتضارب سمات العيون، ثمة ذكريات دون حاضر، وثمة حاضر بذكريات؛ فالخيار لك لتنزل من قطار الكِبر والهوس متى شئت، حينها لن يعترض طريق الخير والشر أيةُ أبواب أو أسرار وراء تلك العيون الشغوفة.

لا يتنازل هذا العمل عن المعالجة الغليظة الهادفة التي ينتهجها أو يساوم في أي من لقطاته لأسلوب مبسط سهل ليسرد قصته المترابطة مشهداً تلو الآخر، بل يزداد طموحاً ويتعمق بوسائله البصرية والمونتاجية المبهرة لينتقل بفئات الجريمة والتشويق والدراما والرومانسية إلى مستوى رفيع لم تشهده السينما ككل منذ وقت بعيد. نعرف أن الكتابة حينما تكون جيدة، أدبياً أو سينمائياً، فهي لا تقتصر على نقلها للمشاهد إلى صلب الأحداث وكأننا جزء لا يتجزأ منها وحسب، بل نكاد نتحول إلى أبطال الحكاية نفسها، ونتحمل مسؤولية ما تمر به من مواقف وعقبات وأفراح وأحزان. فالسيناريو الذي استوحاه كامبانيلا عن رواية “السؤال في عيونهم” للكاتب إدواردو ساشير هو استعراض جاد ودقيق لأشخاص علقوا بين أمواج الزمن دون مرساة، يتوسطها رجلٌ شرع بإعادة فتح قضية بوليسية في روايةٍ ترتعش خوفاً وتهمس حباً لم يكن يعلم أنه البطل الحقيقي لها، وبطلته لا تزال تنتظر أن يفصح لها عن سر حبه القابع في عينيه منذ 25 سنةً طويلة.

تجري قصة الفيلم بين فترتين زمنيتين متعاقبتين وقصص متشابكة فيما بينها حول جريمة اغتصاب وقتل وقعت العام 1974 في بويس آيريس لفتاة تدعى ليليانا كولوتو (كارلا كويڤيدو) تبلغ الثالثة والعشرين من العمر وتعمل كمدرسة، تبحث لنفسها حتى هذا اليوم عن حل شافي وخاتمة نهائية فاصلة عن مآل قاتلها، على أمل أن تجلب معها بنفس الوقت خلاصاً نفسياً للأشخاص المتعلقة بهم حتى العام 1999، خصوصاً زوجها الجديد ريكاردو موراليس (بابلو راغو) المتيم لحبها والتعرف على هوية الفاعل. تستهل الأحداث فعلاً في تلك الفترة، وتحديداً من ذكريات بنجامين إسبوسيتو (ريكاردو دارين) المحقق القضائي المتقاعد، الذي نراه يطالع ما كتبه قبل أن يشطبه مرة بعد مرة، ليس عن تلك الجريمة على وجه الخصوص، بل وداعه لامرأة نعرف لاحقاً أنها كانت رئيسته السابقة إيرينه (سوليداد فيلاميل)، الراسخة في مخيلته وعزلته حتى الآن، وربما السبب الرئيسي لقراره بكتابة رواية تتمحور حول قضية موراليس الجنائية، بحثاً عن مآل كيانه الذي فقده معها قبل كل هذه السنوات.

حين تولى بنجامين ومساعده الوفي المدمن على شرب الكحول بابلو ساندوفال (غويلرمو فرانكيللا) مهام التحقيق في هذه الجريمة آنذاك، كانت إيرينه تعمل كمساعدة للقاضي الجنائي، وهما يختلفان كلياً بالخلفية الاجتماعية والتعليمية، بينجامين من طبقة فقيرة وبتعليم بسيط، وإيرينه من طبقة غنية وتعليم عالي “أنا المديرة وأنت الموظف.” وهي خصلة من الاختلافات والمفارقات التي تنطبق على معظم عناصر العمل الدرامية وشخصياته الممثلة لها. يحاول بنجامين في الوقت الراهن السير بكتابة روايته، يبدأ بتفاصيل الفطور الأخير بين ريكاردو وزوجته الضحية، ثم يحاول الانتقال لأحداث الجريمة نفسها دون وصوله لنهاية مرضية، ولا يتمكن من النوم قبل تسجيل ملاحظه تقول: “أنا أخاف.” وتبدو غريبة بوقعها عند استيقاظه في الصباح الذي يتوجه فيه لملاقاة إيرينه وإطلاعها على نيته الروائية “لم نتحدث عن قضية موراليس أبداً، لماذا؟” فتساعده على الكتابة بشكل أوضح بآلة طابعة قديمة من أيام عملهما سوياً “الآن لم يبقى لي أي عذر، يجب أن أكتب.” يقول بنجامين، ويأخذ باقتراحها باستغلال الذكرى والبداية الأكثر حضوراً في ذهنه، إنها لحظات وبدايات كثيرة.

وكحال أفضل وأهم الأفلام، يتطلب (السر في عيونهم) من المشاهد أن يخوضه كتجربة تحتاج لكثير من التمهل والتركيز والتأمل، وليس مطالعة المشاهد والتفاعل معها فحسب. حيث تتضح الغاية المنشودة من استعراض واسترجاع الأحداث بين الجريمة وتبعاتها في تأثير الفترة الأولى على الثانية ضمن نفوس وملامح أفرادها، وتفسيرات المستنبطة من الثانية تجاه الأولى. وتُستخدم هذه الخاصية بعناية ضمن فترات الفيلم ككل وبتنوع بارز. يعود بنجامين للاستخدام آلة الطابعة التي كانت قد تخلص منها في السبعينيات، ويحيك صفحات روايته بالخيط كما كان يفعل ساندوفال لأوراق العمل. يُطالع بنجامين في الحب الذي زين بصوره جدران مسرح الجريمة، ونسمع صفير إبريق الشاي في ذكرى إبلاغه الخبر لزوجها ماراليس أثناء كتابته لهذه التفصيلات الصغيرة بينما صفير إبريقه الحالي والمشهد بمجمله يشرح أن شيئاً لم يتغير في حياته.

نشاهد في المراحل الأولى للفيلم زيارة بنجامين لمنزل ماراليس وتمعنه في صور معبرة لهما قبل وفاتها، فيستفسر ماراليس عن العقاب المتوقع في حال قبض على الجاني، فيجيبه المحقق أنه سيسجن مدى “الحياة”، وهو الجزاء مرضي بنظر الزوج. يلمح بنجامين لاحقاً نظرة غوميز (خافيير غودينو) المتكررة للضحية بعدد مختلف من الصور (لا تغفل الانتباه لنظرة بنجامين إلى إيرينه في إحدى الصور خلال اجتماعهما الثالث، حيث يرمقها بطريقة مماثلة لكن بشغف مغاير لنظرة غوميز المريبة). وفي المشهد التالي مباشرةً، يتحدث بنجامين إلى إيرينه عن مسألة الصور نفسها “العيون تتكلم” وعن سبب عودته الحقيقي من خوخي في العام 1985، فيوضح لها أنه قد أمضى أكثر من 20 سنة وهي يشيح النظر عن حقيقته بأعماله وزواجه الفاشل وعلاقاته الأخرى، وهو الآن “غير راضِ عن ذاته”، ذلك وإيرينه تناظره بعيون تبادله ذات الشعور والإحساس بحيرة وحسرة تضيق الصدر، قبل أن يقاطعها زوجها عبر الهاتف، كما هو الحال معهما دائماً.

يستمر الترابط بين القصتين ويأخذ محناً جديداً أكثر ذكاءً؛ في مشهدي انتظار ماراليس لغوميز عند محطة القطار، وطلب بنجامين الملح لإعادة فتح القضية من إيرينه. يتقابل بنجامين بالصدفة مع موراليس الذي يكرس وقته في مراقبة حركة القطارات لعله يتمكن من مواجهة غوميز يوماً ما “أسوء ما في الأمر أني بدأت أنسى.” يعجز بنجامين عن الرد لما رآه من حب خالص في عينيه، وكأن موت زوجته  جعله “يعلق في الزمن”. مما يدفعه لرؤية إيرينه وإخبارها بالموضوع الذي قضى الليل يفكر به لو يستطع النوم بسببه، يقول لها “لقد كنت أفكر بكِ. هل سبق لكِ أن نظرتِ للأمور من زاوية مختلفة؟ ما يمر به شخص معين يساعدك في النظر إلى حياتك الخاصة.” تتحمس إيرينه وتبتسم خلسة، وتتوجه لإغلاق الباب معتقدةً أن بنجامين يتحدث عنها وسيصارحها بما تود أن تسمعه (تذكر كيف طلبت منه ترك الباب مفتوحاً حين أغلقت القضية وأنقذته من العقاب بابتسامتها التي لا تقاوم حسب رأيها)، هذه المرة، يطلب بنجامين دخول ساندوفال كجزء من المحادثة، فتعاود فتح الباب وكأن البخار التهم مشاعرها، فتختلف ردة فعلها حتى نهاية المشهد، مدعيةً أن هذا الحب لا يؤثر بها.

وإن كان الفيلم ينتقد السياسات القضائية الجنائية الأرجنتينية في ذلك الوقت، وفحوى العنف والجريمة، فهو يوظف منافس بنجامين الأول، رومانو (ماريانو أرجينتو) ليكون وسيلة التعبير نحو ذلك. غير أن العمل يستمر بالبحث عن تلك التفاصيل غير المرئية في سرد قصته ورسالته؛ فبعد مواظبة (السر في عيونهم) في التقليل من شأن ساندوفال وتحجيم صورته (عدا عن معاملة بنجامين له، مرة يسأل عن معطفه وهو يحمله بيده، وأخرى يسأل عنه وهو يرتديه، يخرج للتبول في الطريق، مع مرور كلب صغير من وراءه يبحث عن مكان مناسب لفعل نفس الشيء)، يأتي الجواب من عنده ومن أحد رفاقه في الشرب الذي يعمل ككاتب عدل وشغوف جداً بكرة القدم “يمكن للمرء أن غير كل شيء في حياته، ما عدا شغفه”. ومن خلال تلك اللقطة الشاهقة المبتكرة التي نصل بها إلى ملعب كرة القدم وأخيراً إلى بنجامين وساندوفال وهما يبحثان عن المجرم، نشهد إلقاء القبض على غوميز ورأسه ينغمس في أرضية الملعب التي تصف وتعكس شغفه ونقطة ضعفه.

هذا الشغف ونقطة الضعف تلك هما بمثابة الخيط الواصل بين شخصيات العمل بلغته البصرية أو السردية، ويمكن ملاحظة ذلك في الطريقة التي يداخل وينافر بها المخرج عيون الممثلين مع بعضها ضمن المشاهد (ما كان ليمانع لو تسنى له تثبيت الكاميرا على الأعين فقط)، أو عبر المرايا والصور أو انعكاس وجوهها من زجاج المصعد أو النافذة. انتبه كذلك لازدواجية نقل وجهة نظر الشخصيات، في المشهد الذي يودع به بنجامين إيرينه، يبدأ من عينتيها وينتهي عند عينتيه، تجري إيرينه للحاق بقطاره والكاميراً أمامها أولاً، ثم يجري هو والكاميرا من خلفه ثانياً. ليس هذا وحسب، بل عواقب الشغف بين أطراف القصة كذلك والطريقة التي يتملك بها حياتهم؛ بحيث أن ظلم العدالة يسلب عقل وحب ماراليس منه، وكرة القدم وهوسه بزوجة ماراليس يوقعان بغوميز، والشراب يودي بساندوفال إلى التهلكة، والكبرياء والخوف يحرم إيرينه وبنجامين من حبهما.

من خلال الجمع بين الدراما والجريمة والكوميديا والرومانسية والتشويق والإثارة والمأساة والحركة، وكلها مغلفة بصنعة سينمائية هي من الحالات النادرة لعصرنا الحديث، ينجح فيلم (السر في عيونهم) بتنفيذه الفني الأخاذ بين أشكال الدنيا وأوراق شجر فصولها الثقيلة منها والخفيفة – كما هي الأفلام المهمة عادةً – أن ينقب عن مخاوفنا ويكشف أسرارنا ويستنفر أحاسيسنا ويحرضنا على إمعان النظر بأنفسنا والطريقة والأشياء التي تسّير يومياتنا وما نزرعه في حاضرنا لنحصده في مستقبلنا. ربما اعتقدت بعض الشخصيات في الفيلم أن عليها التحرك على عاتقها وتحقيق العدالة كما تراها منصفة، بيد أن ذلك السر الأليم لا بد وأن يكشف، ولا بد للعيون أن توحي عنه في النهاية، أما أولئك المحبين، وإن تطلبهم الكثير من المفاجآت المريبة والسنوات المريرة، فلن يتستروا عن أسرار عينوهم بعد الآن، دون طرقة باب أو اكتراث لأية تعقيدات.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “The Secret in Their Eyes – 2009

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: