التخطي إلى شريط الأدوات

Kill Bill: Vol. 2

“Five minutes ago, I was 100% the deadliest killer you ever met. But right now, I’m just scared shitless for my baby.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 29 يونيو 2004.

ما يستمر به الكاتب والمخرج كوانتن ترانتينو في (قتل بيل: الجزء الثاني) ليس فقط قصته وتكملة ما بقي منها وتصفية كافة حسابات شخصياته، بل أيضاً استمرارية بمشوار حبه المتفرد لفن صناعة الأفلام. ليس فيلم حركة مثالي فحسب، بل أيضاً ما تتمنى أن تكون عليه تلك المثالية الحركية. ومع اكتمال أسطورة الانتقام في ثنائية يتجلى فيها براعة تنفيذ أفكار رجل عاشق لكلاسيكيات الغرب وفنون القتال، فإن كوانتن ترانتينو وبطلته الفذة اوما ثيرمان يصنعان أحد أفضل أفلام القتال وأكثرها ألمعية لأي بطولة نسائية منذ أفلام الممثلة بام غرير في سبعينيات القرن الماضي. يتضح خبث كوانتن ترانتينو بتأجيل تعريفنا على القصة الحقيقية حتى وصول هذا الجزء، وأن تبرز الإثارة من خلال حواراته الممتعة وليس فقط في مشاهد العراك الممتازة أيضاً.

بعد عرض جميل، بداية بالأبيض والأسود، تعلن فيها اوما نواياها بشكل مباشر للكاميرا أثناء قيادتها ورؤيتنا لها من الأمام، نصل للفصل السادس: “مجزرة في شجرة الصنوبر” ونشهد القصة الأصلية لبيل (دايفيد كارادين) وهجومه بأسلوب فرقة الأفعى على العروس. نعود بالأحداث عبر مقدمة بالأبيض والأسود، العروس التي أثقلها الحمل وبيل الذي يقوم بالعزف على المزمار على شرفة الكنيسة، قبل أن يحاول قتلها ويفشل بذلك. ونعلم من خلال المحادثة التي تجري بينهما، أنها تعمل في محل التسجيلات الخاص بالرجل التي كانت تمني قلبها أن تتزوج، تومي (كريس نيكلسون) وتقول بعصبية “نادني أرلين” قبل أنه تعرف خطيبها ببيل على أنه والدها. قال بيل أنه سيحاول أن يكون لطيفاً، ولكنه يبالغ في ردة الفعل ونرى سير فرقة الأفعى من لقطة طويلة أخذت من زاوية مرتفعة (من أفضل مشاهد الفيلم، ويا لكثرتها).

في الفصل السابع “قبر باولا شيلتز الموحش” تعود العروس لقلب الأحداث حيث تقوم بمطاردة شقيق بيل، باد (مايكل مادسن) الذي يقطن في بيته المتنقل المهترئ. وقد أبلغ بيل باد بهزيمة العروس لكل من البلاك مامبا أو-رين إشي وثمانينياتها المجنونة، لذا فإنه متيقظ، مع اعتقاده بأن انتقامها مبرر. مما يثير الاستغراب أن هذا الرجل النكرة و المدمن على الشرب ومطرود للتو من العمل كرجل نظافة في ناد للعراة، يتغلب على بطلتنا بسهولة، ومن ثم يدفنها حية في صحراء نتنة، وهي ترتعش رعباً وهلعاً، أما هو فيقدم لها مصباحاً منتظراً اليوم التالي كي يبيع سيفها الغالي (من صنع هانزو) بمليون دولار. الفصل الثامن “التأثير القاسي لباي ماي” يعطينا النظرة الأولية للعروس عندما عرفها بيل لأفضل مدرب كونغ فو في العالم.

يخبرها بيل حول براعة ومهارة باي ماي وتقنية القلب المتفجر، وأن ماي يكره القوقازيين، يحتقر الأمريكان ولا يكن للمرأة إلا مشاعر الاحتقار. بالاستخدام المستمر لأصوات طبيعية محيطة ومقاطع موسيقية مفضلة لدى المخرج، تظهر قدرة العروس على الخروج من الكابوس الذي يختم الفصل السابع به، حيث يبدأ الفصل التاسع “أنا وإيلي”، حين تعقد إيلي درايفر المخادعة (داريل حنا) صفقة مع باد حول سيف مامبا هانزو، ولكن الأمور لا تجري كما خطط لها أحدهما، وخصمهما الأكثر رغبة بالانتقام يعود أقوى من السابق من أجل القتال. الفصل الأخير “وجها لوجه”، نجد به العروس التي يُفصح عن اسمها أخيراً “بياتركس كيدو”، مصفية حسابها مع بيل في تعارف مؤثر لكن غريب مع ابنتهما بي بي (بيرلا هاني – جاردين).

لن يتطلب منك وقت طويل لتملح الاقتباسات التي أخذها كوانتن ترانتينو من أفلام سيرجيو ليوني أو جون فورد، يضم في مشهد مقرب وجهين يكاد يلتصق أنفاهما ببعض، ويدعهما يتكلمان وبالكاد يغير هذه الزاوية لمدة 5 دقائق. هناك مشهد يصور شخصية بيل تعزف على المزمار، الأمر الذي يذكرنا بسهولة بشخصية الهارمونيكا في تحفة سيرجيو ليوني (حدث ذات مرة في الغرب)، التي قبل أن تقتل أو تشعر بحضورها تعزف على آلة الهارمونيكا. ما يتميز به ترانتينو ولا يقتبسه من أحد، هو بالطبع حبه الغير اعتيادي للأفلام، طاقة الرجل بالعمل تكمن باستمتاعه وقضائه لحظات عديدة في تصوير شخصيات كريه عديمة الفائدة تحاول أن تعقد صفقة أو تكتشف صدفة. وهذا الأمر يجعله أيضاً يختار زوايا صغيرة جداً ومفصلة تعطنا انطباع جميل ومقرب حول المعارك بالسيف أو تعاليمها الشاقة.

الحوارات في أفلام ترانتينو مسلية جداً، والتسلية بها لا تكمن بوجود نكتة أو موقف مضحك فحسب، لكن في الطريقة التي تداعب بها الشخصيات هذه الجمل التي كتبت بطريقة عنيفة أو غير منطقية: “بدوت ميتة أليس كذلك؟ لكنني لم أمت”. والقيمة الحقيقية في هذا السيناريو هو جعل هذه الشخصيات القاتلة والغير محببة تتمتع بأبعاد وجوانب تعطيها المزيد من المصداقية، بحيث أننا نتحسس تاريخها ونعلم أنهم قتلة بالفطرة، من دون أن تكون شخصيات خارقة بالضرورة. يقدم الفيلم كثيراً من الحوارات، ومشاهد تفسر القصة ووقائع المجريات التي شهدناها في الفيلم الأول.

عندما تبتسم اوما ثيرمان تبدو كأنها إحدى ملكات الجمال، وعندما تقاتل تبدو فنون القتال من خصالها الطبيعية. الممثلة في هذا الجزء تزيد من حزنها ومقدار سخطها في عمليات الانتقام، توازن ما بين أهدافهما المميتة ومفاجأتها غير السعيدة، وعندما تقابل ابنتها نكاد ننسى أنها امرأة تعرف كيفية القتل، أو حتى حمل أي سلاح. ويقدم دايفيد كرادين أداء يذكر لما اشتهر به أساساً في فترة السبعينيات حينما كان بطلاً لا يقهر في سلسلة “الكونع فو” التلفزيونية، كرادين يلعب شخصية ملونة للغاية، كقاتل خبيث مرح حنون ورومانسي يصعب التكهن بأعماله، ومع هذا فإن فالممثل لا يخرج عن إطار أن بيل السفاح هذا، ما هو إلا رجل. أما داريل هانا فتؤدي كيان المرأة البغيضة. ويلعب مايكل مادسن دور باد كشخص تافه ولا يعرف شيء في هذه الحياة سوى حب شقيقه بيل، كسله هذا لن يبقه معنا طويلاً.

بموسيقاه الغربية الشهيرة، وتصويره الأخاذ البسيط والمتمهل، وتحريره المنظم والأنيق لفصول قصصه، وشخصياته طاعنة المتعة ومخيفة الدهاء، ومعاركه الدموية العنيفة، وحواراته المريبة، يكون (قتل بيل: الجزء الثاني) قد أنجز مهمته على أفضل ما يكون. وهي بالتأكيد سينما مثيرة وفريدة من نوعها. المعجبين بالجزء الأول لأنه كان فيلم حركة فقط، لا أعتقد أن هذا الجزء سيرضيهم على ذلك النحو (مع أنه يحظى على مشاهد قتال مصنوعة بشكل رائع)، هذا الجزء هو أكثر من فيلم فنون قتال بحت، الهدف من (قتل بيل: الجزء الثاني) هي إنعاش ذاكرة الجمهور العصري لأفلام فنون القتال، ومعنى أن تكون سامواري حقيقي باللهجة الأميركية، وشغف صانع أفلام لا يعرف أية حدود.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “Kill Bill: Vol. 2

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: