التخطي إلى شريط الأدوات

Sunset Boulevard – 1950

“غريب كيف يعاملك الناس برفق بعد أن تموت.”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

فيلم (جادّة سانسيت) للمخرج بيلي وايلدر هو نظرة مجهرية مسلطة على حياة إحدى نجمات السينما الصامتة التي عفا عليها الزمن، نجمةًٌ باتت تعيش حياةً منفيةً في عزبتها الغريبة، وتقلّب صفحات أيامها وهي تعيد مشاهدة أفلامها القديمة وتحلم بالعودة إلى سابق مجدها. الفيلم أيضاً عبارة عن قصة حب، حبٌ يحفظ تاريخها من التحول إلى تمثالٍ شمعي تذكاري لما كانت عليه في السابق أو من اضمحلال صورتها إلى إنسانة منفرة المظهر وحسب. تقدم هنا غلوريا سوانسين أفضل أداءٍ لها على الإطلاق بدور نجمة الأفلام الصامتة نورما ديزموند، بمخالبها الطويلة وحركاتها المسرحية المصطنعة وأوهامها المغترة، في حين أن ويليام هولدين يوظف إحساسه وبراعته ليعيش دور كاتبها الشاب الذي يسمح لنفسه بالبقاء معها. غير أن الأداء الذي يربط أحداث الفيلم ككل، ويوفر له التأثير العاطفي والحس الواقعي الصحيح بصرف النظر عن مناخ القصة المقفر بغموضه، فهو أداء إريك فون سترويهام بدور ماكس الخادم الوفي لنجمته نورما.

يضرب الفيلم مباشرة على الوتر الحساس، ينقل صورةً مباشرة حول الحياة التي عرفها العديد من نجوم الأفلام الصامتة ووجدوا فيه – عندما حضروا عرضه الافتتاحي له – الكثير من تفاصيل حياتهم الشخصية. لكن (جادّة سانسيت) لا يعبر عن أي شخصية – ولا حتى عن نورما – كما يضرب على وتر شخصية ماكس فون مايرلينغ الذي كان في يوم من الأيام مخرجاً لامعاً للأفلام الصامتة، بيد أنه قد تحول الآن إلى خادم المرأة التي كان مخرجاً وزوجاً لها في إحدى الفترات؛ فهناك تشابه واضح بين هذه الشخصية وبين مسيرة فون سترويهام نفسه الذي أخرج غلوريا سوانسون في (الملكة كيلي) عام 1928 بالإضافة إلى تقديمه أعمال مثل (الجشع) و(الأرملة السعيدة)، غير أنه لم يخرج سوى عملين ناطقين واندثر بعد ذلك إما في لعب أدوار لضباط نازيين صارمين أو حط من منزلته بالظهور في أفلام زملائه الآخرين.

تقوم ديزموند بعرض أحد أفلامها الكلاسيكية الصامتة على جو غيليز وهو الكاتب اليافع الذي يقوم بدوره هولدن. يتولى ماكس تشغيل آلة العرض، ونتابع مشهد من فيلم (الملكة كيلي)؛ انتبه أننا في هذه اللحظة نشاهد سوانسون وفون سترويهام وهما يؤديان شخصياتهم الحقيقية على الشاشة. وعندما ينتقل جو إلى العزبة الكبيرة لاحقاً، يصطحبه ماكس إلى غرفة نوم منمقة فاخرة وبقول له “لقد كانت غرفة زوجها”. ماكس يتحدث عن نفسه هنا؛ فقد كان الأول في زيجاتها الثلاث، وأحبها حباً جماً لدرجة أنه كان مستعداً للعودةِ كخادمٍ لها، حتى يشبع أوهامها ويكتب لها رسائل ملفقة على أنها من محبيها ويكرس نفسه كلياً لعظمتها.

تقترب سوانسون في أدائها لشخصية نورمان من حافة الهجاء – من أفضل ما عرفته السينما تمثيلاً – بحيث أن الممثلة تجازف كثيراً بأساليبها المسرحية الساخرة المفاجأة وبلغة جسدها، ممسكةً بنورما من على فوهة الجنون لأغلب فترات الفيلم، قبل أن تنزلق قدمها ويغلبها الخبل تماماً. قد لا نأخذ نحن الجمهور شخصيتها على محمل الجد، لكن هنا تحديداً يأتي دور ماكس؛ فلأنه يؤمن بها ويكرس حياته لراحة حضرتها، نحن بدورنا نؤمن بها كذلك. إن حبه لها ينجح بإقناعنا أنه لا بد من وجود شيء داخل نورما يستحق هذه المحبة من ماكس، مما يساعدنا كذلك في فهم سبب قبول جو لشخصيتها.

نورما بالطبع لم تكن عجوزاً شمطاء في الفيلم، كانت تبلغ من العمر 50 سنة فقط، وهي أصغر من نجمات معاصرات مثل سوزان سارندن وكاثرين دينوف. ثمةَ مشهد خلال جلسات تجميل وجه نورما تُسلط فيه عدسة مكبرة على عيناها، فنندهش كم هي بشرة سوانسون ناعمة. سوانسون كانت في حياتها مهووسة بصحتها وتتجنب التعرض للشمس، وبالتأكيد عملت على حماية بشرتها (كان عمرها 53 سنة عندما صورت الفيلم)، لكن نقطة الفيلم هي أن الممثلة لم تتقدم في عمرها من الناحية الجسدية إنما من الناحية العقلية؛ فقد تملكها مجدها وهي الآن تعيش في الماضي.

بيلي وايلدر ومساعده في الكتابة تشارلز براكيت عرفا خلفيات هذه الشخصيات جيداً، لكن ما هو غير عادي هو حجم الواقعية التي تجرأ وايلدر أن يتحلى بها في هذا الفيلم. فقد استخدم أسماء حقيقية (دريل زوناك وتايرون باور وآلان لاد) واختار أشخاص حقيقيين (رفقاء نورما في لعبة الشدة “البريدج” الذين يصفهم غيليس بفظاظة “تماثيل الشمع” وهم ممثلين حقيقيين من خوالي السينما الصامتة: باستر كيتين وآنّا كيو. نيلسون و إتش. بي. وورنر). كما أنه يقتبس وقائع من الحياة (عندما تزور نورما المخرج سيسل ب. ديميل في استوديوهات براماونت، نشاهد المخرج وهو يصور فيلمه “شمشون ودليلة” وينادي نورما بـ”صديقتي الصغيرة” وهو اللقب الذي اعتاد أن ينادي فيه الممثلة سوانسون). وفي المشهد الذي يقوم فيه ماكس بإخبار جو “كان هناك ثلاثة مخرجين شبان وواعدين في تلك الأيام، د. و. غريفيث وسيسل بي. ديميل وماكس فون مايرلينغ”، إذا قمت فيه باستبدال شخصية ماكس فون مايرلينغ بالمخرج فون سترويهام، فسيكون ذلك تصوير عادل ودقيق للمكانة التي عرفها الأخير في حقبة العشرينات من القرن الماضي.

(جادّة سانسيت) لا يزال أفضل فيلم حول صناعة الأفلام على الإطلاق لأنه يتمتع ببعد النظر، حتى لو كانت نورما لا تمتاز بذلك. فعندما تقابل نجمة الأفلام الصامتة هذا الكاتب المفلس داخل عزبتها لأول مرة، يتبادل الاثنان حواراً لا ينسى، حيث يقول جو “كنتِ ممثلة كبيرة” فتجاوبه نورما بالجملة المشهورة “ما زلت ممثلة كبيرة، إنها الأفلام التي باتت صغيرة”. وبالكاد تجد أحد يتذكر جملة جو التالية: “كنت متأكداً من وجود علة فيها”.

حبكة الفيلم تحمّل كاهل جو الكثير من الدواعي التي ترغمه على قبول عرض نورما لشغل وظيفة كاتب السيناريو، فهو مفلس ومتأخر في دفع الإيجار وسيارته على وشك أن تحتجز، ولا يريد أن يعود إلى وظيفته كصحافي في مدينة ديتون. كما أنه لا يعارض كلياً فكرة تقديم نفسه للممارسة الجنس مقابل المال؛ فأداء هولدن ينطوي على ضعف طفيف ونوع من كراهية للذات في تقديمه لدور جو. لاحظ تظاهره بالقول أنه لا يريد الهدايا التي تقدمها له نورما، لكنه يقبلها في النهاية، كعلبة السجائر الذهبية والساعة البلاتينية والبدل والقمصان والأحذية. ويدعي أنه يفاجأ في ليلة رأس السنة حينما ترتب نورما حفلةً خاصة لهما الاثنان فقط، بينما هو كان يعرف بالتأكيد من الوهلة الأولى أن نورما لا تريد منه أن يكون كاتبها فقط، بل هي أيضاً بحاجة لرجل شاب يطمئنها أنها ما تزال امرأة جذابة.

في الحقيقة أن الحياة مع نورما ليس سيئة بالمطلق، فهي ليست امرأة مملة وسلوكياتها المبالغة وكتاباتها المسرحية مسلية نوعاً ما، كما أنها تتمتع بجانب من الطرافة، كالمشهد الذي تؤدي فيه عرضاً إيمائياً أمام جو، حيث تلعب شخصية “ماك سينيت” وهي ترتدي ثياب السباحة، وتقلد شخصية “تشارلي تشابلن” بشكل مقبول وهو بدور الصعلوك. نلاحظ هنا أن جو راضٍ ببقائه مع نورما، الشيء الوحيد الذي يفتقده الفيلم هو تعاطف وتفهم أعمق بين جو وماكس، فهما يشتركان في الكثير من الأمور والخصال.

وهناك بالطبع بيتي (نانسي أولسون) الكاتبة الشقراء الشابة في أستوديو براماونت والتي يقابلها جو في بداية الفيلم. بيتي مخطوبة وستتزوج قريباً من جاك ويب، لكنها تقع في حب جو بعد أن راح يتسلل من العزبة ليتعاون معها على كتابة سيناريو مشترك بينهما. جو بدوره ينجذب إليها لكنه ينسحب إلى حد ما لأنه لا يريد من بيتي أن تكتشف الحقيقة، ولأنه سعيد بأسلوب حياته مع نورما، ومن المرجح أن يكون قد وقع ضحيةً لسحرها كما حدث مع ماكس. وعلى الرغم من أن حواره حاد وقاسي أحياناً معها (عندما تهدده بالانتحار يقول لها جو “آه، استيقظي يا نورما، ستقتلين نفسكِ في منزل مهجور، لقد هجرك الجمهور منذ 20 سنة”) إلا أن فيه نوعٌ من الشفقة كذلك، بقوله “يا لها من مسكينة، ما زالت تلوّح بكبرياء لجمهور نسيها منذ زمن بعيد”.

لقد شاهدت (جادّة سانسيت) مرات عديدة، وحتى أنني حللته لقطة بلقطة في جامعة “فيرجينيا”. غير أني اندهشت في هذه المشاهدة الأخيرة لتشابهه الكبير مع الفيلم الياباني (امرأة في التلال) الذي أنتج عام 1964، فكلاهما يدور حول رجلين محبوسين داخل منزل أو عرين امرأة ما ترفض أن تدع رجلها يخرج مرةً أخرى بسهولة. من جهتهما فإن الرجلان يقاومان ويعترضان قليلاً على هذا الوضع ويبحثان عن طرق مختلقة للهرب، بيد أنهما في سرهما لا يمانعا البقاء كسجينين، وعلى الأرجح أنهما يتمتعان في هذا السجن. أما المرأتان فهما بحاجة إلى رجل يساعدهما على مماطلة مرور الوقت الذي لا سبيل إلى اجتنابه.

من بين كل المخرجين الكبار في عصر هوليود الذهبي وحتى يومنا هذا، هل قدم أحدهم أفلاماً أكثر إبداعاً وترفيهاً من تلك التي أخرجها بيلي وايلدر؟ إن قائمة أفلامه مذهلة: (تعويض مضاعف) و(هدف في الحفرة) و(البعض يحبها ساخنة) و(الشقة) و(عطلة نهاية الأسبوع المهدورة) و(المعسكر رقم 17) و(شهود المحاكمة) و(سابرينا). ومن غيره يستطيع أن يوظف اثنتان من أشهر الجمل على الإطلاق لينهي بها أفلامه؟ من فيلم (البعض يحبها ساخنة) جملة “لا أحد كامل” ومن فيلم (جادّة سانسيت) جملة نورما ديزموند “لا يوجد شيء آخر، نحن والكاميرات فقط، وأولئك الناس الرائعون في الصالات المظلمة. سيد ديميل، أنا جاهزة لتلك اللقطة القريبة”.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

4 أراء حول “Sunset Boulevard – 1950

  1. انه افضل فلم دراما ورومنسيه عبر التاريخ عظيم واسطوري للغايه وافضل من كازابلانكا وافضل من ذهب مع الريح
    شكرا جزيلا على المراجعه الجميله جدا

  2. بالفعل فيلم ممتاز جداً وآداء نورما ديزموند كان بحد ذاتهِ مدرسة
    لن أُشبههُ بفيلم (الفنان) لاني لم أشاهده بعد…
    لكن لا بدّ من تشبيههُ بفيلم (كل شيء عن ايفِ) 1950 اي بنفس سنة انتاج
    غروب بوليفارد!

  3. أهلا وسهلاً أستاذ محمد 🙂
    صدقت بكلامك عن الفيلم .. ربما ستجد أن جوهر هذا الفيلم و(الفنان) يدور في إطار واحد .. حيث البطل حين يغدو بلا حياة سينمائية، لكن شتان بينهما في القيمة الفنية والعمق الدرامي ..

    الشكر الكبير لحضرتك.

  4. فيلم رائع لا يكفي أن يشاهده المرء مرة واحدة لكي يحيط بكل أسرار عبقريته وجمالياته في الفكرة والأداء.. وهنا أتساءل إن كان لهذا الفيلم صلة أو تشابه مع فيلم (الفنان)؟

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: