التخطي إلى شريط الأدوات

Yojimbo – 1961

“لا تبدو أنك من الأحياء.”

ترجمة مهند الجندي عن روب هيومانك.

رغم خلوه من نفحة شكسبير التي يعرضها فيلم (الساموراي السبعة)، أو المعاجلة الأخلاقية لفيلم (أن تحيا) أو الجرأة السردية ضمن فيلم (راشمون)، إلا أن (يوجيمبو) للمخرج أكيرا كروسوا – حكاية تجمع بين أسلوبي العصابات والساموراي – يبقى علامة بارزة ومهمة في مسيرة المخرج؛ إن لم يكن لأساليبه السردية الخبيثة المزدوجة ولقلبه موازين نوع أفلام الساموراي وتعليقه السياسي الماكر، فحتماً لقيمته الترفيهية الخالصة. إنه مثال سينمائي جليّ يملئ قلوب الجمهور بالمسرة، قصة كروسوا الاجتماعية السياسية هذه تأمل تحقيق أهدافها من خلال دراما الساموراي التقليدية ولو كانت تحمل في طياتها مفاجأة أو اثنتين.

شخصية الفيلم الرئيسية، محارب الساموراي الحر سانجورو (توشيرو ميفوني)، منسق متلاعب بالأحداث، يمكنك وصفه بالمخرج إن أحببت، يكتشف بلدة تعود بتاريخها إلى القرن التاسع عشر وتسيطر عليها عصابتين متعاديتين، كل واحدة منهما أحقر من الثانية، فيقرر الانتفاع من هذا الوضع وكأنه طفل يشعر بالممل وجد لتوه ملعباً مثالياً له. فيقدم نفسه كحارس شخصي جاهز للعمل مع الجهة الأكثر حاجةً له، إلا أن سانجورو يتلاعب بالظروف حتى يجعل هاتين العصابتين يدمران نفسيهما، مستخدماً عقله وسيفه عند الحاجة كي ينجز خطته. يسرح العقل بالتفكير أثناء مشاهدة الفيلم حول ما يمكن أن يفعله سانجورو بظرف أسبوع في العاصمة واشنطن حالياً.

افتتاحية بسيطة مخادعة لأسماء طاقم العمل تصور وتلمح عن هامة سانجورو وكأنه بنفس قوة تلك الأفق الجبلية، ومن ثم تنزل به إلى جذوره الأرضية الوضيعة؛ يبلور هذا المشهد الشاهق طبيعة هذا المحارب الازدواجية وصعوبة اختراق قناعه الظاهري الحذر الذي يظهر به أمام العالم. إن أداء توشيرو ميفوني الجسدي الفذ هو بمثابة برق ضوئي تحبسه زجاجة تُبنى من حوله مجريات الفيلم، فسلوكه الأبله ومراوغة عقله يعملان بوضوح على مستوى أعلى وأبعد من قيم الرجل الاعتيادي التي يسهل التحايل عليها (نراه لأول مرة يحك أذنه بسذاجة ويتمايل بظهره وكأن درء من البراغيث قد مر عليه، بينما إيقاع مشيته الغريبة هي واحدة من اللمسات المكملة الممتعة الكثيرة في الفيلم).

مهارته الاستثنائية في استخدام السيف تنفع أن تصنع فيلماً حركياً رائعاً، وهي مصورة بإطارات الشاشة العريضة الخلابة إضافةً لمجموعة من المشاهد المبتكرة واستخدام مذهل لخاصية التركيز على ما هو بعيد وقريب لما تحتويه الكاميرا، في حين أن دهاء سانجورو الحاد يضفي لأجواء الفيلم وقائع كوميدية غير متوقعة على أقل تقدير. وأولها يتمثل في مشهد هرولة الكلب، وموازنة كروساوا السردية هو أسلوب يجدر على الأجيال القادمة أن تدرسه؛ فبالرغم من أن الخصوم في الفيلم يبدوان لنا أحياناً أنها أكثر من مجرد أشرار، إلا أن مواجهتهما العنيفة ليست أمراً سهلاً للمشاهدة بمجملها. فخسارتهما للحياة تولد فينا هماً حقيقياً، وتعطي قيمة للحياة ووقعاً مدوياً للموت؛ هدر الدماء يمحو ذنوبهم، وإنسانيتهم، مع أنها فاسدة، تظل قابعة في نفوسهم.

التناسق القصصي لفيلم (يوجيمبو) كذلك يتسم بالعفوية، ويشير لأسلوب المخرج الشهير بسرد حكاياته على طريقة أفلام الويستيرن الغربية، وهنا يبين كروساوا كلتا الخاصتين باستخدامها كمحيط عام وخصائص لقصته، لكن ومع أن أجواء العمل ككل تعكس ذلك، حسب قول المخرج جون فورد، إلا أن ثورة الفيلم الأيقونية في الواقع تخص رؤية كروساوا الخاصة. فالعصبتان المتعاديتان – كلاهما يعمل لمصلحة البلدة وتجارة الحرير – يمثلان منافسة رأسمالية، وهي استعارة مباشرة لصراع اقتصادي يناقض الوحشية الصريحة التي تفرضها خدمات سانجورو وبسالته المؤجرة تجاه العنف المنظم والمسموح ضمن تلك الحضارة، وهو الذي توظفه العصابتين المتنافستين وأهالي البلدة الفاسدين اللذين قبلوا الانضمام لصفوفهما (خلال مشهد مؤثر وطريف بنفس الوقت من الدراما السائرة ضمن أجواء الفيلم، نشاهد أماً توبخ ابنها لأنه لم ينتحر، مما ألحق العار بأسرته).

تقترح ملامح سانجورو غير أخلاقية المزيفة هذه صعوبة اتخاذ القرار المطلوب في عالم يقوده المال ويثمل على الجشع، لكن حتى البطل غير التقليدي هذا لا ينجو من لحظة ندم شديد صغيرة، ومثلها ذلك المشهد الذي يجد فيه الأبرياء أنفسهم وسط هاذين الجانبين المتهالكين؛ ووفق هذه المنهجية يمعن فيلم (يوجيمبو) النظر في فضيلة الفعل وضريبة الهرب منه. ومع أنه من البشر ورجل خارق أيضاً، ينهض سانجيرو فوق الجنون (يحدث ذلك حرفياً، في أحد المشاهد الهامة التي تعيد للأذهان بطرافته مشهد حفرة الماء من فيلم “2001: رحلة الفضاء”)، ويعطي من خلال قسوته الماكرة الأمل للفكرة أن بإمكاننا إيقاف الشر الذي يرتكبه الرجال.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

3 أراء حول “Yojimbo – 1961

  1. أكيد كوروساوا أثر بأفلام النوار الأمريكية ففيلم Stray Dog قدمه على نمط أفلام النوار
    أنا يسعدني كثيراً بأنني أشارك في هذه المجلة الراقية و المميزة من ناقد و استاذ مميز مثل الاستاذ مهند الجندي

  2. الله يعافي عمرك .. تم تصحيح الخطأ .. وأشكرك من الأعماق على ملاحظتك المهمة ..
    وقد أعجبني كلام حول المخرج .. وتأثيره واضح بلا ريب .. علماً أنه قد تأثر للغاية بالسينما الأمريكية كذلك ..

    لا تعلم كم يعني لي وجودك في المدونة أخي العزيز 🙂 .. فلا تحرمني منه ..

  3. يعطيك العافية استاذ مهند
    فيلم الحارس فيلم ممتاز جداً جداً و أكيرا في كل فيلم أشاهده أدرك أنه من أفضل 3 مخرجين بالتاريخ إن لم يكن الأفضل فيكفي تأثر مخرجين كبار و مشهورين مثل العبقري سيرجيو ليوني و ستيفن سبيلبيرج و جورج لوكاس و كوينتين تارانتينو بأسلوب أكيرا المميز و الفريد من نوعه و لدي نقطة و هي أن الممثل اسمه توشيرو ميفوني و ليس توشيرو ميهوناي
    أرجو أن لا تحرمنا من ابداعك

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: