التخطي إلى شريط الأدوات

Persona – 1966

“!No… don’t”

بقلم مهند الجندي.

“لا شيء… لا شيء!”. في تلك اللحظة التي يتلقيان بها، يتبادلان الأدوار لبرهة، نسمع ونفهم للوحدة صوتاً خافتاً ثم صارخاً، مخترقاً بحروف كلاماته شتى حواجز الصمت التي نعرفها. إنه سؤال فرضي، كيف يمكن للمرء أن ينسى تجربته مع فيلم مثل (القناع) للمخرج إنغمار برغمن، أو حتى يغفل عن مشاهدته حتى الآن. ففي واحد من أكثر أفلامه جمعاً ما بين سماته السينمائية والمسرحية التي تسكن عروق المخرج، يجسد هذا العمل – أكثر من غيره – رؤية برغمن حول النفس البشرية وحقائقها المدفونة بين أنقاض الإنكار والخوف واليأس والموت وإشاحة النظر عن كيانه فعلاً، مستخدماً ما تمنحه إياه معطياته السينمائية من تعبيرات درامية سردية، تخلط بين الواقع والأحلام والوهم، وأخرى مما تحتويه جعبته من صور ودلالات تمر بإشاراتها نحو تلاحم وازدواجية وتناقض كل شيء يخطو على الأرض، وذلك بحثاً في ثنايا روح بني البشر وما ورائها من أسرار. لا عجب أن برغمن كان سيسمي الفيلم بعنوان آخر هو “حفنة من الصور السينمائية”. حينها وهو يصارع الموت بذات الرئة، معلناً بعد ذلك أنه الفيلم الذي أنقذ حياته.

لم تكن سينما الراحل بيرغمن منذ أن بدأ مشواره الفني بفيلم (أزمات) في العام 1946، تقليدية الشكل أو المضمون، بيد أنها بنفس الوقت، برأي، عكس ما يراها البعض، ليست مبهمة صعبة المنال أو حتى بمعظمها تحف بتلك القيمة كما يهتف لها البعض. تلك الصور السريالية، التجريدية أو التعبيرية التي تقبل أوجهاً ملونة من التفسيرات والتحليلات ضمن أعماله، تبقى حاضرةً في خدمة الموضوع الرئيسي وإن طالت أحياناً عن متناول أعين وأذهان المشاهدين وازدادت نرجسيتها قليلاً. كل ذلك هو تأكيد دائم الحضور عن شعور وأسلوب المخرج بأن ليس عن السينما بديل؛ أو كما يقول بيرغمن نفسه في أحد كتبه المعنون بـ”صور” وتحديداً عن هذا الفيلم دون سواه: “أشعر أني في فيلم (القناع)، ولاحقاً في (صرخات وهمسات)، قد أخرجت كل ما جعبتي. وأني عملت في هذين التجربتين بحرية مطلقة، ولمست بهما أسراراً صامتة لا يمكن إلا للسينما وحدها أن تنطقها”.

يمكن تقسيم مشوار برغمن السينمائي ونجاحه الأوضح بعيداً عن أعماله التلفزيونية تحديداً إلى ثلاث فترات زمنية، الأولى ومنها فيلم (الفراولة البرية) في العام 1957 بابتكاراته السردية وتقنياته في استرجاع الأحداث ومقاطع الأحلام واليقظة. وفيه برهنة على انشغال المخرج الكامل بالعلاقة بين الأماني والخسارة والذنب والحنين والرغبة في تعويض ما فات، وذلك من خلال معالجة نفسية ثاقبة للمراحل الأخيرة من حياة رجل عجوز. فيلم (ليلة عارية) لعام 1953، يحتوي صوراً مجازية أكثر، لكنه يعرض كذلك رحلة صريحة في أسباب وجود المرء وأزماته. يناقضهما مثلاً فيلم (ابتسامات ليلة صيفية) الذي يقدم رومانسية المخرج وحسه الفكاهة. وتشمل نهاية تلك الحقبة فيلمين متأججين بالرموز: (الختم السابع) لعام 1957 ومواجهة الحياة للموت، و(الربيع الطاهر) لعام 1959 وخلجات العائلة المتدينة ومأساة اغتصاب وقتل ابنتهم.

الفترة الثانية من ثورة برغمن السينمائية تنتقل بنا إلى أسلوب دراما الغرف، حيث يستكشف مواضيع أكثر حدةً وروحانيةً، خاصة في ثلاثية “الصمت” وهي: (عبر زجاج داكن) و(ضوء شتوي) للعام 1962 و(الصمت) للعام 1963. وأخرى مثل (العار) لعام 1968 و(ساعة الذئب) لعام 1968 و(شغف آنا) لعام 1969، وفيها يستخدم المخرج تقنيتي المونتاج الحر والسرد الإيحائي المعبر. وتضم الفترة الثالثة والأخيرة من محطات المخرج المتميزة أيضاً فيلم (صرخات وهمسات) للعام 1978، حول ثلاث شقيقات، إحداهن تحتضر، وكل واحدة منهن تمثل وجهة دينية مختلفة، ويحتوي الفيلم واحدة من أشهر اللقطات السينمائية على الإطلاق، صورة تمثل روح “الولادة” والخادمة تحتضن آغنيس المتوفاة، اللقطة المستوحى عن صورة مريم العذراء وهي تنتحب موت سيدنا عيسى عليه السلام.

تطرق برغمن كذلك لموضوع الزواج في فيلمي (اللمسة) عام 1971 و(مشاهد زوجية) عام 1973. حتى أعماله الأقل شهرة في تلك الفترة مثل (وجهاً لوجه) لعام 1976 و(سوناتا الخريف) لعام 1978، فقد استمرت بتحليل علاقات البشر وتبعاتها بين الأفراد حين يطل الماضي إليهم أو يحترق الحاضر ما بينهم، لكن المميز أن عودته الدائمة لهذه المواضيع تكون من نافذة لم تفتح بعد. وأنهى برغمن مسيرته السينمائية الفذة بفيلم (فاني وإلكسندرا)، وهو ملحمة عائلية عاطفية بلمسات من العاطفة والحميمية والخيال والرعب والأشباح.


تلك الصور التي يستهل بها برغمن فيلم (القناع) تباعاً، هي نقل لعقل وحالته آنذاك، ولما يرى في قدرة عدسة الكاميرا أن تنقل وتفصح للجمهور، فهو يعتمد على العلاقة التي تجمع بين صوره ومشاهديه، وما يمكن أن تعنيه لكل واحد منهم. فالبداية بإشعال فتيل البكرة السينمائية توحي بالمنبع الذي عبر منه برغمن وبأفكاره، ألا وهي السينما. ومن ثم لمحات خاطفة لفيلم صامت مرعب وآخر كرتوني، قضيب منتصب وعنكبوت ويدي طفل وذبح شاه واستخراج أحشائها وعملية صلب، لقطات حية لغابة ثلجية وسياج بأعمدة حادة، ثم سيدة عجوز إما نائمة أو ميتة، تصحو عنوة، وأخيراً صبي صغير مستلقٍ في سرير يحاول تغطية نفسه جيداً دون جدوى، فيستيقظ ويرتدي نظاراته الطبية، يفتح كتاباً ليقرئه، يلتفت من حوله إلى شاشة عرض، فيقرر الوقوف أمامها ولمسها وهي تعرض صورة مشوشة لامرأتين مختلفتين. مع تصاعد الموسيقى، يدخل استعراض أسماء الطاقم، ويتخللها ومضات سريعة لوجوه نفس الطفل والمرأتين، وانعكاس لشفتين واحتراق رجل وشرطي يلاحق مشاغبين وبحر وأشجار وصخور، والعودة مراراً لوجوه الطفل والمرأتين.

لكن ما الذي تعنيه هذه الصور واللقطات والرموز؟ لن يجد من يبحث لهذا السؤال عن إجابة قطعية حتى لو صعد وتسلل داخل فكر برغمن وهو يقوم بتوليفها. غير أن البحث هو الجواب، والتفكير بها هي السينما كما يحبها المخرج؛ تطلق العنان لما صقلتها بنا الدنيا من مخيلة وشغف وثقافة حتى نربط هذه الدلالات ببعضها البعض. بحيث يمكن تفسيرها بأكثر من وجهة؛ فبداية الفيلم بها تعكس رغبة المخرج بتحضير الجمهور لحالة معينة ووضعه ضمن مسار خاص، مشاعر حالكة من السخرية والبراءة والاختزال والإرباك والتشاؤم والقسوة والضيق والحرقة والموت. وجهة أخرى توضح أن المخرج يتعمد مراراً وتكراراً بتذكيرنا بأننا نشاهد فيلماً ليس إلا، فيلماً ضمن فيلم، ومع ذلك فنحن منهمكين ومسلمين لما يجري على الشاشة. الحبكة الدرامية كذلك تستفيد بشكل هائل من هذه المقدمة، توحي بأن الصور هي جزء من هلوسات وأحلام شخصيتيه الرئيسيتين؛ كإيحاءات للرجولة والوحشة والهشاشة والتخبط والفناء، وأن الصبي حتماً يستجدي بهما عارياً بلمس وجهيهما. هل هو ابن إليزابيت؟ لا يمكن تحديد ذلك.

وعليه نلحظ من أول مشهد بعد هذه المقدمة، تأكيداً من برغمن لهذه العوامل، واهتمامه بالعنصر المسرحي للصورة؛ حيث لا نشاهد سوى باب، تخرج منه الممرضة، طبيبة تجلس على مكتب وبيديها ورقة، نسمع منها حالة الممثلة التي تقف وخلفها أضواء الكشاف فقط، فتعلمنا الطبيبة أن الممثلة إلازبيث فوغلر (ليڤ أولمَن) قد وقعت في صمت مطبق مفاجئ أثناء تأديتها لأحد عروضها المسرحية تحت عنوان “إليكترا”، وتوكّل للممرضة ألما (بيبي أندريسن) مهام العناية الحثيثة المركز بها. يكتفي المخرج هنا بالقفز مونتاجاً بين وجهي ألازبيث وألما، يميناً يساراً، من الأمام والخلف. وبينما تطّلع ألما على حالة الممثلة والطريقة التي هبطت عليها، يبرز بعض التوتر من جسد ألما، فينكمش وجهها، ويديها يشتبكان بعضيهما، خاصة لوقع هذه الجملة: “النتيجة واضحة، إنها بكامل صحتها، عقلياً وجسدياً.”

تلتقي ألما بالممثلة، وتخبرها أنها في الخامسة والعشرين من العمر، مخطوبة وحصلت على شهادة التمريض من سنتين. بيد أن إليزابيت لا تبدو مهتمة لسماع شيء من ذلك. تسأل الطبيبة عن انطباع ألما الأول حول حالتها، فتجيبها بأن مظهرها لطيف وعذب، لكن عينتيها تحفوهما نفحة قاسية، وتقترح تعيين ممرضة أكبر وأكثر خبرة للعناية بها: “خبيرة في الحياة، فقد لا أحسن التأقلم معها، ذهنياً”. تقدر ألما باكراً إن كان قرار صمت الممثلة متعمداً، فهو يعكس قوة عقلية جمة فيها: “قد لا أكون أهلاً لها”. الاجتماع الثاني بينهما يسير بوفاق أكبر، حيث تضحك السيدة فوغلر على صوت ممثلة من الراديو، وتتثبت بيد ألما التي تفصح لها احترامها للفانين وأهمية الفن عموماً بنظرها: “خاصة لؤلئك اللذين يعانون من مشاكل معينة.” ثم تشغل لها الموسيقى وتغادرها بينما تناظر إليزابيت خروجها من الغرفة. وبينما يحل الظلام وتقف الكاميرا على وجه إليزابيت لأكثر من دقيقة، نطالع ألما تحاول النوم برداء أبيض كامل، وتخاطب الشاشة مباشرةً عن رغبتها بالزواج وإنجاب أطفال تقوم بتربيتهم لتحصل على شعور الأمان، تطفئ النور وتقول: “أتسائل ما الذي حصل معها، إليزابيت فوغلر”.

في المشهد التالي، تهلع إليزابيت لرؤيتها رجل يحترق ضمن معممة من حرب فيتنام في التلفاز. وتصلها رسالة من زوجها مرفقة بصورة لولدها، فتنزعج من كلام الرسالة عن ذكرياتهما وتوقف ألما عن قراءتها، لا بل أنها تمزق صورة ولدها أيضاً. بعدها توصي الطبيبة بانتقالها إلى منزلها الصيفي المطل على البحر، وتواجهها ببعض الحقائق حول سبب صمتها وعزلتها، على أنه دور جديد تلعبه سيزول قريباً وتنتهي معه كافة أدوارها، لعدم قدرتها على مواجهة الحياة التي: “تنسل في كل شيء”. يصور برغمن الطبيبة بزواياً شيطانية تزيد من بؤس إليزابيت. فترة مراقبة الممرضة للممثلة في المنزل الصيفي تبدو أكثر روية ووئاماً وتفهماً للوهلة الأولى، حيث تفتح ألما قلبها وتشرك إليزابيت أولاً بخاطرة تقرأها من كتباها عن مخاوف الإنسان من الوجود وكيف أنها قضت وسيطرت على آماله للعثور على الخلاص ضمن عالم أخرى، ثم تسرد لها قصة ممارستها الجنس مع أحد الصبية على الشاطئ، وحملها منه ثم إجهاضها الطفل. ومع نهاية هذا القسم بالضبط، تتضح نوايا ومرامي المخرج برغمن أكثر بعرضه لمشهدٍ يشاطر وجهي وجسدي ألما وإليزابيت وهما يناظرانا مباشرة عبر الشاشة، يكملان أو يناقضان بعضهما.

ثمة ثلاث منهجيات لتحليل فيلم فريد من نوعية (القناع): السينمائي والفكري والأدبي، وثلاثتهم تحمل معانٍ مختلفة. طوال وقت الفيلم، واللونين الأبيض والأسود يطغيان على منظره ككل وملابس وملامح الشخصيتين الرئيستين فيه، ناهيك عن الأضواء والشاشات والصور البيضاء أو تلك الرمادية السوداء التي تغمر فوتوغرافيته عموماً. النصف الأول من مجريات البيت الصيفي، يعرض خصال ألما كامرأة تحمل معها تجربة مضنية ماضية وتفتقر للثقة بنفسها وبقدراتها المهنية. تتحدث طوال الوقت عن أصعب لحظات حياته، وإليزابيت تستمع لها و”تدرسها” على حسب قولها تحديداً. مشاهد طبيعية تكاد تشبه جلسات الأطباء النفسيين، ألما المريضة وإليزابيت الطبيبة، كلاهما بالأبيض.

حين تقرأ ألما أيضاً رسالة إليزابيت المرسلة إلى زوجها داخل السيارة، نسمع صوتاً مستمراً لقطرات من الماء، فتكتشف ألما بنصها النظرة الفوقية التي تنظر بها الممثلة إليها. وحين تفرغ من قراءتها نراها تقف أمام بحيرة تراقب انعكاس شكلها من الماء، يكتفي برغمن هنا بصوت وشكل الماء بدلاً من دموع ألما أو انهيارها، علماً أن حادثتها كانت كذلك على أحد الشواطئ. تقرر بعدها أن تسترد اعتبارها بأي وسيلة، فتتعمد ترك قطعة زجاج على الأرض كي تجرح إليزابيت، وعند حدوث ذلك، تقف ألما داخل المنزل مبادلةً إياها النظرات، بينما تنتصف الظلمة والستار وجهها، قبل أن يشق برغمن الشاشة بنفسه وبعدد من صور المقدمة، مضيفاً لها بعض الأصوات المريبة وصوت بكرة آلة العرض، وينهيها بلقطة مقربة لجوف العين، قبل العودة للأحداث بهيئة مشوشة، وإليزابيت تبحث عن ألما لتجدها جالسة على الشاطئ بابتسامة يقبع ورائها غيظة على وشك الانفجار، كلاهما بالأسود الآن.

من ثم تلح عليها مغادرة المكان أو النطق بأي كلمة ولو لدقيقة، بيد أن إليزابيت تخالفها ولا ترغب بعد بالرحيل. فتخبرها ألما أنها قرأت رسالتها التي تعمدت ألا تغلقها، وتتهم إليزابيت بأنها استغلتها وسخرت منها من وراء ظهرها. وحتى مع إصرار ألما هذا، تواظب إليزابيت الصمت، مما يفجر غضب ممرضتها الثائرة ليشتعل بينهما عراك حاد، لاحظ هنا أن الصفعة التي توجهها إليزابيت في وجه ألما كانت خارج المنزل، بينما نشاهد ردة فعل ألما وخلفها جدار خشبي، يقفز من هنا برغمن بالمشهد إلى داخل المنزل مرة واحدة، وكأنه يدخل إلى عقليهما، بخثاً عن بؤرة أشد ضيقة وحدة، فيواصلان الشجار، ينزف أنف ألما، وحين ترى الدم، تهرع لتناول قدر ماء يغلي على النار لترمي به نحو إليزابيت، التي تصرخ: “لا… لا تفعلي!.” هل أنطقها الخوف؟ أم ماذا؟

أهمية المشهد، كنقطة محورية في العمل، تكمن في تجسيدها لإبداع برغمن السينمائي عن حاله آنذاك وهو يمر بأزمة فنية وصحية، وتعبيره حول ذلك عبر شخصيته الرئيسية إليزابيت التي تمر بدورها بأزمة تحديد هويتها وسط عالمها، سواءً كامرأة، كممثلة، كزوجة، كأم وكإنسانة بالطبع. فذعرها من أن تحرق أو تتشوه أو ربما تموت عبر تلك الماء الملتهبة يأتي كمناجاة لمعنى الوجود، ونموذج عن صرخات كثيرة أطلقتها في الوحدة والصمت. ويتضح ذلك بالطريقة التي يقلب بها المخرج الأدوار ضمن النصف الثاني في الفيلم، ألما بمعنى اسمها “الروح” البريئة البسيطة تنقلب لتصبح ضمير حي يقف ليواجه إليزابيت الجافة بمعنى اسمها “القناع” فتشغل مكانها فكرياً وجسدياً وعاطفياً وتستحوذ على أفعالها لأنها أخرجتها من قوقعتها النفسية؛ فهل تمثل في المسرح فقط أم أن حياتها ككل عبارة عن مسرحية كبيرة، وتبادلها للأدوار هي واحدة من مواهبها ومصائبها في آن؟

وعليه نستنبط تفسيراً أكثر حيويةً للأحداث وحول رمزية صناعة برغمن للفيلم، ألا هو تمثيل إليزابيت لكل هذه المجريات لوحدها، وأن ألما لم تذهب معها إلى المنزل الصيفي، بل رفضت المهمة، والمشهد الأخير حيث تطرق الباب عليها وتدخل وتحملها بين ذراعيها وتطلب منها أن تردد ورائها “لا شيء… لا شيء…” يقترح ذلك، فكلها: “أكاذيبٌ وأمورٌ زائفة.” كما تقول ألما/إليزابيت بين أحضان السيد فوغلر. هل هي حالة انفصام إذا؟ وما هو معنى صورة الصبي المستسلم التي تطالعها إليزابيت بحزن شديد؟ لا يمكن الجزم بذلك أبداً، حتى لو وقفت الكاميرا من بعيد والحافلة تقل امرأة واحدة من المنزل الصيفي، أو اتضح من الصورة عنف وتعذيب شديدين، وفقدان للبراءة. وهو ما يريده برغمن تماماً، يريد اختزال أفكارنا وتحليلها ضمن صور ولحظات يلتقطها كما أملت عليه أوضاعه آنذاك، مستخدماً وجهي ممثلتيه (كعادة عشقه لتعابير وجه المرأة) وصولاً إلى ما تخفيانه من أحاسيس،  مشدداً مراراً وتكرراً على قوة الأدوات السينمائية عن سواها في نقل هذه العناصر إلى الجمهور.

كما يمكن الخروج بتفسير آخر يختلف عن الأول، فألما تقع في شرك أعمالها و”الكلام” يدخلها في دوامة تكشف عن عيوبها ومتاعبها الماضية، بينما تواظب إليزابيت على “الصمت” حتى وإن خرجت منها تلك الزلة الوحيدة، والمشاهد المشتركة بينهما حيث تشرب الثانية من دم الأولى تشير لاندماجية حالتهما وتعاضد خصلتي الاختزال والتعبير. وهذا الوصف المجهري للعذاب الشخصي من قبل برغمن يعرض علينا ضمن عالم عقلي غير مألوف سردياً أو قصصياً، وهو حتماً جزء من رغبة المخرج بإبقاء بعض المشاهد مشفرة ودون ذلك التفسير الذي ينص على “حقيقة” كل ما نشاهده على الشاشة، كمشهد نوم ألما مع زوج إليزابيت، والكثير غيرها. غير أن برغمن لا يخدع الجمهور، فإن كانت ألما تلهوس مثلاً، حين تسأل إليزابيت إن كانت تكلمت معها أو دخلت غرفتها ليلاً، فهي إن كانت حقيقةً “هلوسة”، يجب أن نشاهدها تماماً كما تفعل ألما، دون حذف أو مساعدة خارجية، إنما فقط من منظور ألما.

الجميل هو ما ورد كثيراً عن لسان برغمن أن: “الصور السينمائية تحمل معانِ مختلفة حسب رأي كل شخص.” فالسينما لم تولد مع تشابلن أو آزينشتاين أو فيليني أو برغمن أو ويلز أو سكورسيزي وغيرهم من العباقرة، لكنها بدأت حقاً من عندهم. بغض النظر عن فوارق الحضارية والدينية التي تفصلنا كعرب عن منهجية ومحتويات بعض أفلام برغمن، فإن عالمه السينمائي يشبه بحراً ثقافياً جامحاً ورزيناً لا يكل ولا يهمد، معبراً عن كل شيء إنساني لؤلئك المهتمين بما هو مبتكر بحق ومتحرر فنياً بأسلوبه وفكره وأهدافه، ولمن يرغب الغوص به وفق شخصيته وقناعه الخاص.

المخرح برغمن بصحبة قناعيه

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: