التخطي إلى شريط الأدوات

Kill Bill: Vol. 1 – 2003

“I want him to know what I know. I want him to know I want him to know. And I want them all to know they’ll all soon be dead.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 22 نوفمبر 2003.

يوضح (قتل بيل: الجزء الأول) رؤية رجل ونظرته كصانع أفلام بارع، يحول التقليدية السينمائية الخيالية إلى شيء أقرب من الواقع في مشاهدة لعبة فيديو شهيرة، لديها كل العنف والدموية اللذيذة. يتسلل حواره هذا في بصيرة الجمهور متخفياً خلف مظهره البسيط الممتع محطماً كل القواعد الاعتيادية التي شهدناها في أي فيلم حركة من سنين. يلحن كوانتن ترانتينو في فيلمه هذا نغمة براقة كتحية كلاسيكية إلى كل من: نوعية انتقام الغرب القديم وفنون قتال الساموراي وأفلام بروس لي، بأزيائه وتفاصيل عراكه. ينتابك شعور متعة الانتقام والمخرج يصور تقطيع أوصال ضحايا “الخيزرانة السوداء” وبناء شخصياته وتجريد قوة كل واحد منهم. هذا يقودنا لمحصلة يجب أن تقال: لن تشاهد شراسة غريب مليئة بالمتعة الأنيقة مثل الموجودة في فيلم (قتل بيل: الجزء الأول) في أي وقت قريب.

خلال السنوات الست التي سبقت هذا الفيلم عن آخر ما أخرجه ترانتينو (جاكي بروان) تصاعدت شائعات عن احتمالية افتقاده للمسته وأن أفكاره قد جفت، هنا يبطل ترانتينو هذه الشائعة تماماً. (قتل بيل: الجزء الأول) بالتأكيد لا يصل إلى أفضل أعماله (بالب فيكشن) لكنه أكثر أفلامه تكلفة وأكبرها حجماً في الإنتاج والإعداد. كذلك، فإن مستواه الفني ينافس أي سيناريو كان قد كتبه من قبل “قتلة بالفطرة على سبيل مثال”. تستطيع بسهولة أن ترى الجهد المبذول في الفيلم على الشاشة. فيلم كوانتن ترانتينو “الكامل” مدته أكثر من أربع ساعات، لكنه اتخذ قرار حكيم وسليم في فصله لجزأين يحافظ بهما على عنصر التشويق.

كانت المحاربة الشقراء الملقبة بالعروس أو “الخيزرانة السوداء” (اوما ثورمان) في يوم من الأيام واحدة من أعضاء فرقة الكوبرا المميتة، لكن خيانتهم لها في ليلة زفافها قبل أربع سنوات، بقتل زوجها بأبشع الطرق وتسع أشخاص مقربين آخرين، وضربها ضرباً مبرحاً مميتاً (وهي حامل) وتلقيها طلقة نارية في رأسها كان أمراً لم ولن تنساه. يبتسم الحظ لها ولبشاعة الرد فتزرع في روحها نية الانتقام النهائي. قتل زعيم العصابة بيل (ديفيد كارادين) مع أتباعه جميعاً، اورين ايشي اي (لوسي لو)، فيرنيتا غرين (فيفيكا آي. فوكس)، ايلي درايفر (داريل هانا)، باد (مايكل مادسين). الشيء الوحيد الذي أعاقها كل هذه السنين هو وقوعها في غيبوبة طويلة ملغمة بالمصاعب والإهانات النفسية والجسدية، ومع أن خروجها منها كان عن طريق قرصت بعوضة، وشلل عمل قدميها جراء عدم تحركيهما لفترة طويلة، إلا أن ذكرياتها السوداء حول تلك الليلة المشئومة لا تزال سبباً كافياً لتحفيزها واستمرار حياة العروس والبدء الحقيقي في عملية الانتقام.

في كل من تكساس وكاليفورنيا إلى جزيرة أوكيناوا وصولاً إلى طوكيو، هناك الكثير من القتل. كوانتن ترانتينو يستعمل أسلوبه التحريري الخالد (بشكل أسرع وأصغر) ويتأرجح بنا بين تكساس حيث تتعرض فيها العروس لمحاولة اغتيال؛ ففي كاليفورنيا تدخل لمواجهة أحد مغتاليها، في جزيرة أوكيناوا تسافر من أجل التدرب واختيار سيف مميت نادر من عند أفضل من صنع السيوف اليابانية الشهيرة وهو المعتزل هاتوري هانسو (سوني تشيبا). في طوكيو تحضر معها سيفها ورغبتها بالانتقام لمحاربة واجدة من أبرز وأقوى خصومها، اورين ايشي اي وابنتها المقاتلة المجنونة. نراقب الشخصيات يتبادلون اللكمات والشتائم، يتحدثون عن القتل وتحديد مواعده أثناء جلوسهم في المطبخ وتحضيرهم القهوة وحبوب الذرة لأطفالهم متناثرة على الأرضية. ترانتينو بحتاً.

كل مشهد موجود في الفيلم ينبع من مزاج خاص لهذا المخرج، لا نستطيع أن نقارن مشاهد القتال الموجودة فيه مع أي مشاهد أخرى، لأن ترانتينو لم يصنعها كي ينافس أحد أو يتبارى مع أي من الأفلام التي اشتهرت بذلك، بل يمتلك طابع تقني مميز في التقاط صوره وتشكيل وجهة نظره في تأليف حبكة فنون القتال، يستخدم كل شيء ربما تستطيع التفكير فيه: الفلاش باك، الرسوم المتحركة، الأبيض الأسود، الحركة البطيئة، الموسيقى من كل الحضارات والمقاطع الموسيقية الشهيرة، وحينما تجتمع الشخصيات كي تتقاتل نكون قد توفرت لدينا بعض المعلومات الكافية عنهم حتى نأخذ موقفنا من كره أو تعاطف وخوف تجاه كل واحدة منهم. وبالرغم من دموية المشاهد ووقوع كل قتيل وقتيلة فالمخرج يبقينا منشغلين لتفهم ماذا تنتظرنا اللقطة التي تليها.

السيناريو والحوار والخطابات التي جعلت من اسم ترانتينو علامة مسجلة في قائمة أفضل كتاب الولايات المتحدة هي عناصر حاضرة بكمية لا يستهان بها، خصال العصابات وتقنيتهم مختصرة بدقائق صغيرة، نفهم بواسطة تاريخ الرجل أنه يريد أن يتقدم خطوة جديدة في طريقة إخراجه وتعريفنا نحو شخصياته. الكاتب/المخرج لا يبحث عن فيلم جدي، خلافاً لمسألة الألم والانتقام لمحاربته التي نعرف اسمها الحقيقي، فإن الشعور الذي نأخذه عن هذه المشاهد وحواراتها كأنك تقرأ أحد قصص القتال اليابانية الكلاسيكية، قصة رسوم خيالية لكن بالتمثيل البشري، فالمخرج مغرم بأفلام القتال اليابانية. مصممي الديكور (يوهي تانادا وديفيد واسكو) والمخرج الفني (دانييل برادفورد) يبنون مواقع متقنة تجعلك تستنشق عبق وتاريخ الدماء التي جرت وستجري فيها.

اوما ثورمان تظهر بزيها وشعرها الأصفر الأشقر كأنها لعبة باربي قاتلة. تملأ الممثلة الفيلم بطاقة استثنائية في وصف حالة انفجار الغضب التي تمر بها العروس، هذه المحاربة عديمة القلب والرحمة تتجه مباشرةً نحو الانتقام. الدور يتطلب ليونة كبيرة ومران مستمر وصبر طويل. والممثلة تعد اختيار رائع لشخصية تناسب طول قامتها وعيناها الفاتنتين. ثمة أيضاً شخصيات صغيرة أتقنت ما طلب منها، ضيف الشرف الياباني سوني تشيبا يعطي ملامح الحزن وعذاب في العودة إلى صناعة سيوف القتل، الرجل الذي يصنع أشهر السيوف ينفطر قلبه “لاضطراره” صناعة أفضل سيف خصيصاً لهذه العروس، ولتمزق البشر. لوسي لو التي اشتهرت في العديد من أدوار القتال والحركة، تلعب شخصية بجذور صينية أمريكية وسمات هي الأعنف والأقوى من أي دور قد مثلت به من قبل، الخصائص نفسها التي نراها في ابنتها المجنونة وأكثر.

من أهم الأسباب التي تدعونا لمشاهدة فيلم (قتل بيل: الجزء الأول) أنه يختلف عن أي فيلم حركة وعنف اعتدنا مشاهدته في فترة الصيف ، في معظم الأوقات يقوم ترانتينو ببث الذكاء وهو يوظف كاميراته على وجهات نظر شخصياته وطرق تعاملهم الفريدة مع إطلاق الخطب والحوارات الحاذقة المثيرة لبعضهم البعض: ” you can take my word for it, your mother had it coming. When you grow up, if you still feel raw about it, I’ll be waiting”. أيضاً، فإن الفيلم لا يحاول أن يكلف نفسه ويتذاكى بقدراته، فهو عبارة عن مشاهد قتال حامية الوطيس خاطفة للأنظار حابسة للأنفاس وحارقة الدقة. كوانتن ترانتينو لم يخيب ظن محبيه بعد غيابه.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “Kill Bill: Vol. 1 – 2003

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: