التخطي إلى شريط الأدوات

Cinderella Man – 2005

“It’s no joke, pal. People die in fairy tales all the time.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 23 يوليو 2005.

باتن، الجنرال الأمريكي المعروف كان له عبارة شهيرة تقول : “الأمريكان يحبون الفائز ولا يتحملون الخاسر. يعملون من أجل الفوز دائماً… فكرة الخسارة نفسها مكروهه عندهم”. هذا تقريباً صحيح، فمبدأ الحلم الأمريكي قائم على طريق النصر أو الوصول إلى الفوز المعنوي على الأقل. وعندما يتعلق هذا الحلم في السينما الأمريكية، نجد أن أفلام الرياضة لديها نصيب الأسد في التعبير عن الروح المجتهدة والمكافحة التي تسعى إلى فرصة ما تثبت بها نفسها. أمثلة على ذلك، الجزء الأول من سلسلة (روكي)، ومؤخراً (فتاة المليون دولار) اللذانِ حازا على جائزة الأوسكار. العامل المشترك بين هذين الفيلمين هي إشراقة شمس البطل بعد غروبها طوال حياته، مروره بأزمات وإحباطات مادية ونفسية وحتى جسدية جعلته يشكك من مقدرته في تحقيق حلمه، حتى أن وصلت الليلة التي غيرت مجرى حياته إلى الأبد، وبالأغلب إلى تحقيق ذلك الحلم الأمريكي، وهو بالتأكيد حلم شخصي كلاسيكي في الأساس.

الاجتماع الأخير للمخرج رون هوارد والممثل راسيل كرو ولّد فيلم (عقل جميل)، صورة جيدة عن حياة بروفوسير الرياضيات جون ناش، وفاز بالأوسكار لعام 2001، (رجل السيندريلا) يعيد الكرة في سيرة ذاتية عن بطل يحكي الرواية التي يفضل الشعب الأمريكي رؤيتها على الشاشة، البطل الذي يتحدى الصعاب ويواجه خصومه من أجل لقمة العيش وإثبات الذات. كلاسيكية تفكير رون هوارد حول أيقونة البطل وقيمته يناقض الفكر الذي طرأ على ملاحم هوليوود الحالية وسيناريوهاتها، في الفترة الأخيرة شاهدنا مجموعة من الأفلام التي تجسد أيقونات أمريكية أو عالمية لكن بطريقة سوداوية تكشف نقاط ضعفها، (اسكندر) لأوليفر ستون، (الطيار) لمارتن سكورسيزي، تروي قصص لأشخاص لم يفوزوا على الطريقة الأمريكية المحبوبة، نعم لقد أحدثوا تغيراً جذريا في مجالهم، إلا أن أمرهم انتهى بكوارث. كما أن هذه الأفلام تأتي من مخرجين أصحاب تاريخ جريء ولغة نقدية بارعة، لكنهم عندما أسسوا صورتهم لم يكونوا قد تعرضوا لشخصيات محببة جداً أو ذات شهرة كما هو حال بطل رون هوارد جيم برادك، هوليوود الكلاسيكية لا تحب أن ينتهي حال أبطالها بكوارث، بل بانتصار لا ينسى. المخرج وكتّابه أكيفا كولدزمان، وكليف هولينزورث مهتمين بهذا الانتصار الذي لا ينسى، حياة هذا الملاكم الإنسان، قلقه على عائلته، على أطفاله وزوجته الحنونة، استغلاله لفرصة ثانية جاءت تناديه، لباها لأن الأمريكان لا يحبون الخسارة.

(رجل السيندريلا) مستلهم عن القصة الحقيقة لحياة ملاكم الوزن المتوسط جيم برادك (راسل كرو) في ثلاثينيات القرن الماضي. يفتتح عام 1928 إذ نشاهد جيم كملاكم شاب محترم وعلى وشك الشهرة يعيش في نيوجيرسي، إنها أفضل أيامه، يعود إلى منزله وزوجته ماي (رينيه زيلويغير)، واللعب مع أطفاله، جاي وروزماري وهوارد. ثم نقفز خمس سنوات إلى 1933، حيث السوق الاقتصادي مدمر، فرص العمل والوظائف أصبحت نادرة الوجود، والأمل أصبح شيء لا يسهل الحديث عنه. جيم وزوجته يعيشان حالياً في شقة سرداب صغيرة مع أطفالهم، لا يستطيعون دفع الفواتير، الكهرباء تّقطع وصحة الأطفال نحو الأسوأ. ومع أن بصيص الأمل ضعيف، عليهم الاستمرار في المناضلة حتى يبقوا على تماسك العائلة.

يجد جيم صعوبة بالعمل في المرفأ، خاصة أن راتبها هزيل، وبعد تعرضه لإصابة في يده اليمنى، مهنته كملاكم تقريباً قد انتهت. هنا يتدخل مدربه جو غولد (بول جيماتي) الذي يتمكن من الحصول على فرصة ثانية لجيم داخل الحلبة، الفرصة التي يريد أن يستغلها كي يثبت أنه ليس ملاكم فاشل أو نكرة، أمام ملاكم يدعى مايك بير (غريغ بيركو) الذي كان قد قتل سابقاً خصمين داخل الحلبة وبالضربة القاضية.

صدور هذا الفيلم، هو دليل جديد يؤكد أن قصص أفلام الملاكمة لا تنتهي، أو حتى تشيخ ويسأم الجمهور منها، إنه نوع من الأفلام يوصل فكرته إلى المشاهد بسهولة، إما لأهمية حكاية الملاكم الذي نراه أو لما يدور في حياته خارج الحلبة، صحيح أن (رجل السيندريلا) لا يقدم شيئاً جديداً بكل معنى الكلمة، رون هوارد غير مهتم بتصوير مبتكر لمشاهد القتال (مع ذلك مشاهد المباريات مرسومة بشكل جيد ومتوازن بين اللقطات القريبة والبعيدة وردات فعل الجمهور من حول الحلبة، مشاهد المباراة الختامية مثيرة جداً، ومصورة بعناية فائقة)، المخرج مهتم بقصة إنسانية عن التضحية مقابل حلم جيم الخاص، البطل الشعبي الذي سيصبح مصدر إلهام يحتذى به وبإصراره، قصة كفاح عائلة في فترة كساد كبيرة. كما يركز العمل على فترة اقتصادية كئيبة، لكن المبتغى الأساسي هو صنع دراما تسعد الجمهور وترفع من معنوياتهم، على عكس (فتاة المليون دولار) الذي لم يكن عن الملاكمة بقدر ما كان عن مآسيها، فإن مواضيع (رجل السيندريلا) تحيط نفسها باللعبة نوعاً ما وبظروف البطل في ذلك الوقت. رون هوارد يريد القول أن برادك قد لا يكون أعظم ملاكم عرفه، لكنه إنسان يؤمن بقيم العائلة ويستحق التقدير.

مع أن الفيلم مستوحى من الواقع، فإن تفاؤله يزيد عن حده أحياناً، يقول أن العيش في تلك الفترة من الكساد لم يكن بذلك السوء، صحيح أن الحصول على الوظيفة والمال والطعام كان شيء صعب، الكثير كانوا يقتاتوا من الشوارع، وعدد مهول من العائلات أجبرت على إرسال أولادها إلى أقارب أحسن حالاً حتى لا يموتوا من الجوع، لكن في وسط هذا الوضع المحطم، كان عندهم ذلك البطل – الحصان الجامح لإعطائهم الأمل، جيم برادك الذي يقول عنه الفيلم “حين كانت أمريكا جاثمة على ركبتيها… ساعدنا هو على النهوض بأنفسنا”. (رجل السيندريلا) وصناعه لا يدركوا حقيقة تأخر أفكار الفيلم، قصة تقول أن الولايات المتحدة امتلكت ومازالت تمتلك أفراداً تستطيع أن تغير مسار دولة بأكملها، إن لم تنجح الجماعات بذلك، الأهم أن تقدم لهم الفرصة.

يوصل السيناريو لنا مشاعر كافية سواءً عن حاجة برادك الماسة للفوز، وكيف قلبت هذه الحاجة إلى وحي أمريكي لتقف على أقدامها، وهما أمران يبالغ رون هوارد بوصفهما ويطالب الجمهور بعاطفة زائدة لتصديقهما. أتسائل لماذا لم يختار رون هوارد موضوع ملاكمة أكثر عمقاً وسوداوية كما هو في (رصيف الميناء) عن ملاكم سابق في فترة فساد وجريمة، أو في (الثور الهائج) وهو سيرة ذاتية عن ملاكم قتلت الغيرة والشك مسيرته الاحترافية وحياته الأسرية.

ما يشفع لرجل السيندريلا أنك ستدرك بسرعة خصال رون هوارد السينمائية فقط وأنت تطالع فهرس أعماله التي قدمها حتى هذه اللحظة، الحياة عند رواد هوارد في ذاتها قصة، أو هي مجموعة قصص منها المشرق الوضّاء، ومنها القاتم الكالح، قصص مختلفة متباينة تمتاز بحسن الوصف والصدق. كلما كانت شخصياته قريبة من أولئك الذين نلتقي بهم في حياتهم اليومية أو نقرأ إنجازاتهم في الصحف، كان نصيب أفلامه من النجاح أكبر. في (رجل السيندريلا) الغلبة والنصر ليس للأقوى أو من يرد اللكمات بشكل مضاعف فحسب، النص يصر على غلبة الإرادة والحب والتصميم، من يضع هذه الخصال في حياته سيكون قوي، قوي في كل شيء. يصور فترة أمريكية عن تنازع البقاء، فلا بقاء للضعيف ولا حياة للعاجز في مجتمع لا يختلف كثيراً عن مجتمع الغاب، الشعار: من لم يكن ذئباً أكلته الذئاب، قوة الحياة هي التي تجعلنا عظماء.

أفضل ما الفيلم هو أداء راسيل كرو، الذي لعب في مسيرته حتى الآن عدة أدوار مختلفة، معظمها كان جيد وبعضها كان رائعاً. حتى الآن لم يظهر جانبه الضعيف الناعم والرقيق كما يقوم هنا في رجل السيندريلا. عادةً ما نراه ذلك القائد المغوار صاحب حضور قوي ملفت، أو بشخصيات مضطربة تعاني من صراع داخلي، مع شخصية جيم برادك سنرى ردة فعله عندما يعلم أن ابنه سرق قطعة لحم، أو اضطراره للتوسل من أجل المال، كرو مؤثر بحرفية في هذه المشاهد. لكنته قد لا تبدو مثالية، إنما تفي بالغرض. يرينا أيضاً جيم برادك كرجل بجانبه المستقيم والصادق في عمله (أفضل أداء له كان في دراما مايكل مان، المُطلع). بول جيماتي يزداد جودة عند كل دور يقدمه، مدرب برادك الذي سحب صديقه من هذه المحنة، بروحه المرحة وقلبه الكبير. في حين أن دور رينيه زيلويغير لا يحتاج إلا لوجها اللطيف وابتسامتها الرائعة (صوتها يبدو كالأطفال أحياناً، وتسريحة شعرها تناسب فتاة بعمر العشر سنوات)، بدور الزوجة المناضلة والمصممة على الوقوف إلى جانب شريك حياتها، وهو ما يذكرك تلقائياً بدور مماثل لجينفير كونولي في عقل جميل. غريغ بيركو بدور الملاكم مايك بير يسرق أضواء كل مشهد يظهر فيه.

المخرج رون هوارد لديه موهبة في استخدام الميلودراما بطريقة متعقلة وغير مبتذلة لتزيد اهتمامنا وتحببنا بشخصيات أفلامه وأوضاعهم، يبني رابطة خاصة بيننا وبين أبطاله. راجع أهم أعماله من (أبولو 13) حتى عقل جميل، وتذكر كيف هتفنا إلى عودة الطاقم الفضائي إلى سطح الأرض، وكيف هتفنا عندما استلم جون ناش جائزة النوبل أمام أعين زوجته الصبورة. إن كنت لا تحب أفلام الملاكمة ومهتم بالتاريخ الأمريكي فهذا الفيلم فرصة جيدة لك، وستعجبك مشاهد الملاكمة وبعض الأحداث الدرامية وتمثيلها. على الأقل، وبطريقة قد تكون غير مباشرة ستسمع صوت روكي بالبوا يصرخ : “لقد فعلتها!”. أو جيم برادك بطبيعة الحال.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: