التخطي إلى شريط الأدوات

Lost in Translation – 2003

“The more you know who you are, and what you want, the less you let things upset you.”

ترجمها مهند الجندي بتاريخ 22 فبراير 2004 عن جيمس برارندينلي .

(ضائع في الترجمة) هو واحد من أكثر الأفلام المحتفى بها لعام 2003، فوفقاً لإحصائية عملت على 514 قائمة من قوائم النقاد لأفضل عشرة أفلام في 2003، يحتل هذا الفيلم المرتبة الأولى بين أكثر الأفلام وروداً في تلك القوائم، ويأتي ثانياً، بعد (سيد الخواتم)، في عدد القوائم التي صنفته في المرتبة الأولى. أما على صعيد الجوائز، فلقد حاز الفيلم على 4 ترشيحات أوسكار (أفضل ممثل وأفضل سيناريو وأفضل إخراج وأفضل فيلم) وترشح للغولدن غلوب عن نفس هذه الجوائز بالإضافة إلى جائزة أفضل ممثلة، وحصل على ترشيح مماثل لجوائز البافتا البريطانية وزاد عليه ترشيح لأفضل تصوير وأفضل مونتاج وأفضل موسيقى. وبالنسبة لجوائز دوائر النقاد، مثل نقاد نيويورك، ونقاد لوس أنجليس، ونقاد شيكاغو، فقد ترشح الفيلم لواحدة من هذه الجوائز على الأقل، كما حصل الفيلم على جائزتين في مهرجان البندقية في إيطاليا.

باختصار، يعد فيلم صوفيا كوبولا (ضائع في الترجمة) فيلما رائعا بحق. قد يكون هناك جدل حول ما إذا كانت قد قامت صوفيا كوبولا بكتابة النص بمفردها (هناك مشاهد تدل على أنها تلقت على الأقل مساعدة من شخص ذي خبرة أكبر في الحياة والزواج)، ولكن هذا لا يؤثر على التحليل الأخير. إن هذه الدراسة التي تتناول الأعماق الغائرة للعلاقات الإنسانية فيها صدق أكثر بنسبة 95% من الأفلام التي شاهدتها هذا العام. تصوير الفيلم جميل مع مشاهد ليلية خلابة في طوكيو (وأنا الذي كنت اعتقد أن تايمز سكوير فاتنة)، ومشهد تم تأليفه ببراعة يضم شخصيتين تنعكس صورتهما من خلال زجاج النافذة بينما يتبادلان الحوار، إن هذا الفيلم له مظهر يتناسب مع تمثيله ومحتواه.

يعرض الفيلم تفاصيل العلاقة العابرة التي تطورت بين بوب (بيل موراي) وشارلوت (سكارلت جوهانسون). بوب الممثل المشهور على المستوى العالمي والذي يواجه مطباً في حياته العملية، يقوم بتصوير سلسلة من الدعايات لشركة ويسكي. شارلوت، الخريجة حديثاً من جامعة يل، تقوم بمرافقة زوجها المصور (جيوفاني ريبيسي) في رحلة عمل. ولكنها تقوم بقضاء معظم الوقت وحدها. اللقاءات الأولى بين بوب وشارلوت تحدث بطريقة عابرة – في المصعد – في البار. تدريجياً، يبدأ أحدهما بالبحث عن الآخر وتتطور العلاقة بينهما. يقضي الاثنان تقريباً كل ساعة معاً، يتبادلان أحاديث عميقة ويحاولان إيجاد طرق لتجنب الفراق الحتمي الذي يعلم كلاهما بأنه حادث لا محالة.

يعالج (ضائع في الترجمة) بذكاء وبعد نظر كيف يتفاعل الناس على المستوى الشخصي. يصور الفيلم ارتباك الشخصيتين الرئيسيتين بصورة ممتازة. إنهما فردين عاديين قد لا يبدي أي منهما تجاه الآخر أكثر من ابتسامة في الظروف الطبيعية، ولكن عندما يجدان أنفسهما في مكان لا يستطيعان فهم اللغة أو التقاليد فيه، ولا يوجد أحد آخر يلجآن إليه، فإن ارتباطهما حتمي. بصورة عجيبة، يذكرني فيلم (ضائع في الترجمة) بشخصيتي لينا ويرتمولر في فيلم Swept Away، حيث تكتشف الشخصيتان أن عمق علاقتهما متعلق بظروفهما. لو أبعدناهما عن الجزيرة المنعزلين فيها، يتبخر كل شيء. والوضع متشابه هنا. إن القرب الذي يجمع بين بوب وشارلوت لا يحتمل استمراره في الحياة الواقعية. هل يمكن أن يحظى بفرصة، يترك النص القرار للمشاهد.

يناقش الحوار الغني مواضيع متنوعة. تناقش الشخصيات مواضيع عميقة وسطحية معاً – ابتداء من البحث عن الروح إلى معنى الحياة وانتهاء بالتواصل بين الأزواج بعد سنوات طويلة من الزواج. هناك مساحة كبيرة للكوميديا الخفيفة المكبوتة كالنوافذ عندما تفتح بشكل أوتوماتيكي لتسمح للضوء بالدخول أو الدش المنخفض كثيرا بالنسبة لرأس بوب. وأيضا هناك الخادمة عندما تدخل غرفة بوب وتطلب منه أن “يقبل” جواربها. (بينما هي تعني في الواقع “يمزق”). تبقى العلاقة بين بوب وشارلوت في صميم الفيلم وتبقى نزيهة رغم التلميحات الجنسية القوية. تتعمق أواصر الصداقة والتي تؤدي إلى شيء أكثر روعة مما نراه بين شخصيات الرجل والمرأة في الأفلام. يبدأ التوتر الرومانسي بشكل ضمني،  بيد أنه يزداد تدريجياً حتى تخفق به كافة مشاهد الفيلم. نحن لا نشاهد تعبيراً فعلياً عن هذه الأحاسيس إطلاقاً، لكن المشهد الأخير المحبوك بعناية يشرح صدرهما قليلاً.

تستدعي الأدوار الرئيسية منح جوائز الأوسكار بجدارة، إن هذا بلا شك أفضل أداء يقوم به بيل موراي. كلمة “كامل” نادرا ما تستخدم لوصف أداء ممثل، ولكنها مستحقة هنا. موراي جدي بشكل عام، ولكنه يحظى بفرص قليلة لوضع لمسات كوميدية (قام بارتجالها) والتي تأتي بشكل بسيط ولا تؤثر سلبيا على الشكل العام للفيلم. أفضل ما في الأمر، كرجل في قلب أزمة منتصف العمر، فإن موراي لا يبدو كأنه يتصنع أي شيء. في موازاة أداء موراي الرائع، هناك سكارليت جوهانسون، التي يضعها أداءها في هذا الفيلم في دائرة نخبة الممثلات الشابات (بموازاة ناتالي بورتمان، كريستين دنست، وريس ويثرسبون). لقد تميزت جوهانسون في عدة أفلام أخرى (ماني ولو، هامس الأحصنة، عالم الأشباح)، ولكن لم يسبق لعملها أن كان له مثل هذا الوقع. وما يقدمه موراي وجوهانسون يفوق ما يطلق عليه في العادة “كيمياء الشاشة”. يتمتع الفيلم بمادة بصرية ساحرة. وصوفيا كوبولا سكنت في طوكيو من قبل، وواضح جداً مقدار انبهارها وإعجابها بمناظر المدينة من خلال أسلوبها في تصوير المشاهد الخارجية، وبعض المشاهد الداخلية أيضاً، حيث نطل على المدينة من خلال النوافذ المرتفعة. الأرصفة المكتظة، البنايات العالية، الإشارات المرورية الصوتية .. حتى المعابد والمرتفعات الخضراء لم تسلم من كاميرا كوبولا.

يقترب هذا الفيلم في شكله من الأفلام المستقلة والأفلام الأوروبية، فهل يعني حصوله على هذا القدر من الاهتمام والتكريم داخل أميركا أن هناك تغيراً قادماً في النظرة الأميركية للسينما؟ هل سيستبدل بالمفهوم الأميركي للفيلم المفهوم الأوروبي؟ هل وصلت السينما الأميركية إلى ذروة تبهرجها، وبدأت الآن بالعودة تدريجياً إلى البساطة والنقاء؟ يصعب الحكم حالياً، وخصوصاً أن التقدير والاحتفاء هذه السنة طال أفلاماً أخرى من بينها ما لا يمت للبساطة والسينما النقية (أو الخالصة) بصلة، مثل سيد الخواتم. إذا أصبح عندك الانطباع بأني قد مدحت الفيلم، فإنك على حق. فيلم (ضائع في الترجمة) يتطلب نوعاً ما من الصبر، ولكنه ليس بطيئا أو محزنا. لقد حققت المخرجة كوبولا كل ما يريده أي مخرج شاب تحقيقه، التطور عبر الإنتاج الناجح الأول. ففيلم (ضائع في الترجمة) بنفس جودة فيلمها السابق (انتحار العذراء) ويتفوق عليه من كل ناحية.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “Lost in Translation – 2003

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: