التخطي إلى شريط الأدوات

The War Zone – 1999

“You want everything to be nice and sweet, but it isn’t.”

كبتها مهند الجندي بتاريخ 4 ابريل 2002.

الاتصال الجنسي المحرم أمر خاص في الكائن البشري، وهو شيء ملموس منذ عصور، منذ أجل غير مسمى، وتصوره وتخيله في ذهنك أمرٌ يدعو للنفور للغاية، إلا أن فيلم (رقعة الحرب) للمخرج تيم روث في أول ظهور له خلف الكاميرا يتطرق لهذا الموضوع ليس من جانبه السحطي والشكلي وردة فعله علي الإنسان وحسب، بل من الآثار القاسية و العذاب الوحشي الذي تتعرض إليه النفس، والاضطراب الفكري والانهيار الباطني لأعمق المشاعر التي تمتلكها الروح الأخلاقية الأساسية.

الكثير من الأفلام التي أصدرتها هوليود عن الكوارث وصور الخراب الطبيعية التي يتعرض لها الإنسان بدنياً وشعورياً، لكن أفلام نادرة جداً تستحضر الخراب الفسيولوجي الذي يصيب الإنسان، ومعظم التي شاهدتها لا يكون قالبها هوليودياً، ومنها )أسرار وأكاذيب) و(غرفة النوم)، وفيلمنا هذا يكاد يكون أكثرها تعريفاً لخسارة العائلة وانكسار الحياة، الدمار هنا ليس عن بركان ثائر أو صوت طلقات حربية، بل تشتت وانتهاك لرابط الأسري، فما رأيك بتورط طفلين بريئين بمثل هذه الكارثة؟

إحدى الأسباب التي تجعل من الضحايا يتكتمون على سرهم هذا موجودة في فيلم تيم روث، وهو أن ردة فعلهم ربما لا تكون مأمونة، وأحياناً كثيرة تخونهم. يتمتع الفيلم بطاقات محورية أكثر ربما من (قداس الحلم)، وهو أحد أقسى الأفلام التي شاهدتها، خاصة عند أخذه كصورة شاملة، فهو لا يملك نوايا عاطفية حميمة عن عائلة سعيدة، رغم أن ذلك ما يبدو في البداية. من يبحث عن الجرأة في السرد وعن فيلم مختلف عن أي النوعية وطأت عينه عليها، لديك الفرصة الآن.

عائلة صغيرة مكونة من أربع أشخاص والخامس على الطريق انتقلت لتوها من “لندن” إلى ريف “ديفون”، صاحب الخمسة عشرة عاماً توم (فريدي كانليف) غير سعيد بالابتعاد عن أصدقائه ومدينته، صاحبة الثماني عشرة عاماً جيسي (لارا بيلمونت) يظهر عليها التأقلم السريع، الأبوان (راي وينستون و تيلدا سيونتون) يبدو أنهما قد وفقا بالانتقال وتغمرهما السعادة بالمنزل. أولى العقبات التي ستواجه العائلة هي ولادة الأم التي سيعترضها حادث صعب مع بعض الرضوض ولكن القدر ينجيهم وهم في طريقهم للمستشفى وترزق العائلة بطفله بريئة. لكن العقبة التي تصيب هي التي كان من الأجدر أن تخيب، وهو وقوع عين توم على لقاء غير بعيد عن الجنس ما بين والده وشقيقته، مواجهة توم لجيسي بالأمر ستتعرض للنكران، والعذر بأن خيال توم واسع، ولكن الحقيقة يجب أن تظهر، وهي نقطة الفيلم والجوهر حقيقي للقصة.

سرعان ما تشعر بأسلوب المخرج روث الصارم، حتى وهو يصور العائلة مجتمعة على طاولة الطعام، الكاميرا تقف بمسافة متوسطة عن الممثلين، تعرض غرفة الجلوس بين الأبوين، تسكع وقراءة توم وجيسي. أنه بناء متأني ولكن غير ممل، فهو إعداد عقلي لما سيترتب عليه الفيلم من أحداث، يرينا أن الأب شخص لطيف يتحمل المسؤولية دائماً يتكلم على الهاتف عن العمل وخلافه بصوت منخفض ولبق. بعدهم وعزلتهم عن المدينة تفسر زيارة شخص واحد لهم، النقطة التي تضيف الآثار والاحتكاكات بين أعضاء الأسرة، وليس من السهل تخيل ما قد ستجره هذه التخبطات.

تولى كتابة السيناريو أليكساندر ستيورات، وهو الذي سيجعل الكثير من المشاهدين يتساءلون، هل والد توم مريض؟ هل ردة فعل توم كانت لصالح العائلة أم لا؟ مغزى (رقعة الحرب) ليس عن هذه الأسئلة، بل عن العيش فيها، وحول أسبابها، فالمخرج يجعل من تلك المنطقة مظلمة المعالم، يرسم تهجم المطر، حيث الرماد يغلق بظلاله على النور، وهو انعكاس مميز عن تشوش أفكار شخصيات الفيلم، الغموض التي يتملك أذهانهم. لذلك فإن نص أليكساندر وعين روث يشتركان لتكامل سر انبهار تطور العلاقة بين الولد وابنه وكيف ستنقلب ولن تبقى كما كانت.

القادم الجديد فريدي كانليف يلعب دور الطفل الهادئ – من النادر أن يتكلم – ذو الوجه الحجري توم، يبدو من ملامح هذه الشخصية أنها بعيدة كل البعد عن الصراحة، حتى قبل وقوع هذه الفاجعة تماماً، توم بالكاد يفتح قلبه لأمه، بالكاد يشرح لها عن ضيق صدره من هجر المدينة، ولكن كل هذه الأمور الجميلة هي أمر ثانوي في عمق تمثيل هذا المراهق، أمر العظيم فيه هو توضيحه لنا كيف يمكن أن ينفجر كتمان الغضب والظلم والرعب في نفسية الإنسان، لأسباب غير منطقية. وبنفس البريق و اللمعان هناك لارا بيلموت، جيسي تجمع بين تضارب العذاب و الحسرات وقوة الاستمرار وصبر معاناة وصف أشكال إرهاقها غير المحدود وانفطار قلبها مع كل ثانية من هذه الاغتصاب. راي وينستون و تيلدا سيونتون كلاهما مؤثران، مع اختلاف المقاصد والنتائج، الأب يخلط بحنكة فائقة بين وجه الأبيض العطوف والحكيم وبين وجهه المتوحش الفظيع، ونشاهد الأم ذو الخصائص الأزلية، مع الكلمات الحادة ولكن الموزونة، محاولة زرع الأمان في أساسات العائلة.

(رقعة الحرب) فيلم حقيقي بعيد عن الصناعة الشفافة، عُرف توم روث عن نجاحه كممثل في أدوار الجريمة الكوميدية، ووراء عدسة الكاميرا يشق لنفسه منبر فني مستقل، منبر ناجح بكل مقاييس، لأنه يتجاهل السينما التي تلبي طلبات الجمهور الاعتيادية ويذهب باختياره للجمهور المناصر للفائدة الموضوعية مهما كانت صعوبة تحملها وحجم قساوتها، ليحقق نتيجة التفوق بلا أدنى شك.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: