التخطي إلى شريط الأدوات

Platoon – 1986

“I think now, looking back, we did not fight the enemy; we fought ourselves. The enemy was in us.”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

كان فرانسوا توفو قد انفرد بالتصريح ذات مرة أن صناعة فيلم معادي للحرب هو ضربٌ محال، ويعود ذلك إلى أن الأفلام الحربية برمتها بما تحمله من جلادة وبشعور المغامرة المتمثل بها، يجعلها ترسم معالم المعركة وكأنها شيء ممتع أو درب من دروب الترفيه. لو بقي توفو يتنفس الهواء حتى يشاهد فيلم (الكتيبة)، وهو أفضل أفلام عام 1986، فلربما اتخذ رأيه وجهة أخرى. لدينا هنا فيلم يجسد المعركة من نقطة الصفر، من وجهة نظر جندي المشاة، حتى ينقل لنا الحرب كما هي فعلاً على أرض الواقع.

(فرانسوا توفو: صانع أفلام فرنسي بارز وأحد مؤسسي ومغيّري الموجة السينمائية الفرنسية الجديدة).

يحاول هنا أوليفر ستون مخرج وكاتب الفيلم، وهو أحد الجنود الذين قاتلوا في فيتنام، أن يصنع فيلماً حربياً خاليٍ من الخيال والخرافة والاستعارة والعظة، فما هو إلا إحياء لوجهة نظره الشخصية حول شيم الحرب آنذاك.

يتولى سرد أحداث الفيلم جندي شاب (تشارلي شين)، وهي شخصية مستوحى من تجربة أوليفر ستون ذاته في الحرب. هذا الجندي هو طالب جامعي من طبقة اجتماعية متوسطة يدفعه حسه الوطني للتطوع كجندي في الحرب، إلا أنه يقتنع فور وصوله إلى أرض المعركة بما يُقال له: “مكانك ليس هنا”.

لا أثر لأي بطولات زائفة أو أشاوس تقليديون في الفيلم؛ فالراوي يترنح على شفا انهيار عصبي، متخبطاً بين عناء مسير الجنود الطويل وبين أرق النوم والنمل والثعابين والجروح والكدمات، وينخر عظمه خوفٌ لا ينضب. نراه يتولى مهام الحراسة في إحدى المشاهد الفيلم الأولى، حيث تقشع عيناه اقتراب عدد من جنود العدو إلى موقعه؛ فيتجمد في أرضه. غير أنه يتحول تدريجياً ودون وعيه بذلك إلى جندي كفؤ وأهلاً للثقة.

طريقة سرد الفيلم مصوره بأسلوب لا تجعل الأحداث تتوانى للحظة في تحويل أي شيء إلى موقف عصيب.

لا يتخلل الفيلم أي حبكة رئيسة مفصلة كي تنقلنا من نقطة إلى أخرى؛ بل يتملكنا طوال الوقت شعور بالضياع والارتباك كما هو حال جميع شخصيات القصة. قد يحدث أي شيء وفي أي لحظة، وعادةً دون أي إنذار مسبق. تزداد إثارة الأحداث عندما يخرج بعض الجنود من أصحاب الرتب العالية من خيامهم المكتظة: بارنيز (توم بيرينغير)، الرقيب القديم في الجيش وذو الندبة، معروف “بقاهر الرصاص” لدرجة قناعة رجاله باستحالة قتله. هناك إلياس (ويليام ديفو)، وهو جندي آخر ممتاز، لكنه يسلك درب المخدرات للهروب من واقع حياته. كما نتعرف على باني (كيفن ديلون)، الشاب الخائف الذي اختار أنه يكون جندياً خطيراً، وهي برأيه إحدى الوسائل التي يستطيع بها حماية نفسه.

قلما نشهد في الفيلم لقطة واحدة واضحة لجندي العدو.

إنهم كالأشباح، نكاد لا نميزهم بين أوراق الشجر، ورائحة حضورهم تفوح من معابر الغابة، وحين ينقشع الدليل على مرورهم، يُكشف النقاب عن مستودعات الأسلحة والذخيرة التي كانت مطمورة تحت تراب قراهم. عوضاً عن رؤية جنود العدو بوضوح، هناك شعور يبدأ ولا ينتهي باقتراب الخطر من كافة البؤر، وينبعث هذا حتى من القرويين الذين يصبون جام غضبهم على الجنود بالوقوف أمامهم بنظراتهم الحائرة والعاجزة فحسب.

ثمة مشهد في الفيلم يبدو أنه مأخوذ من مجزرة ماي لاي، بالرغم من أنه لا يعرض أي تفاصيل شبيهه بتلك الواقعة. فبقدر ما نتشارك مع الجنود بالشكوك حول إمكانية تحفظ هؤلاء القرويين على مكان قوات العدو، فنحن أيضاً نشاطرهم الخوف الذي يتحول إلى غضب، ونتفهم أن الغضب هو الذي يولد العنف. بعض الرجال في فيلم (الكتيبة) فقدوا قدرتهم على التحمل، ولا يمانعون قتل أي شخص ولو لأصغر ذريعة. وبعضهم الآخر ما زال يحتفظ بقدر بسيط من أخلاقيات الوضع الذي يعيشونه. ولأن حياتهم معرضة للخطر وهم في خضم الجدال مع هؤلاء القرويين، يتجلى شعور قوي بالخطر عندما يختلف أحدهم مع الآخر. فنرى جنود أمريكان يقتلون زملائهم، ونتفهم تماماً سبب حدوث ذلك.

(مجزرة ماي لاي: جريمة جماعية نفذتها وحدة جنود أمريكية في شمال فيتنام بقرية صغيرة تدعى “ماي لاي” بتاريخ 16 مارس عام 1968، راح ضحيتها ما بين 347 إلى 504 مدني، وأغلبهم كانوا من النساء والأطفال والشيوخ العزل، والكثير منهم تعرضوا للتحرش الجنسي أو للضرب أو التشويه أو التعذيب).

دخلت في تفكير عميق عقب مشاهدتي للفيلم، حول براعة ستون في تقديم فيلم حربي مؤثر دون أن يقع في الفخ الذي تحدث عنه توفو، وكيف تمكن من صنع فيلم مذهل دون أنه يكون مبالغ فيه. أعتقد أنه قام بذلك كالآتي: تعمد ستون أن يتجنب التركيبة التقليدية لكل الأفلام الحربية، وعن أية محاولة لتوضيح طبيعة العلاقة التي تجمع بين الجنود على اختلاف شخصياتهم، وبهذا لا نعرف أبداً ما هو موقف “قواتنا” من الحرب وأين “موقعهم” في هذه اللحظة. كما أن أوليفر ستون يستبدل مشاهد المعارك التي عادةً ما تصوّر اصطفاف الجنود في حالة التأهب لبداية الحرب، بمشاهده القتالية التي تعرض الأحداث بشكل كامل وبمسح نظري لأرض المعركة على مدى 360 درجة: فقد تُطلق أي رصاصة باتجاه صديق أو عدو، ونجد في معمعة المعركة، أن الكثير من الجنود لا يميزون تماماً هوية الشخص الذي يطلقون الرصاص عليه، أو حتى سبب قتله؛ فـ(الكتيبة) يناقض الأفلام الحربية التقليدية التي تفرض نظاماً تحضيراً عسكرياً مألوفاً قبيل بداية المعركة.

وبعد أن تعرفنا على هؤلاء الجنود، لا نلبث إلا بالتعاطف بما يمرون به كلياً، فإذا اختبأنا خلف تلك الشجرة أو قفزنا في ذلك الخندق، سنكون بأمان من النار القادمة عبر ساحة القتال. هناك خوف دائم في الفيلم، حيث أن أي حركة تقوم بها قد تضعك أمام خيار من اثنين، الأول في مكان محمي وآمن والثاني مفتوح ومعرض للخطر. ستون يصور هذه المشاهد كي يؤكد لنا “لا منطقية” أرض المعركة.

لقد سيطرت الحرب الفيتنامية على محور النقاش الأخلاقي والسياسي لدى الشعب الأمريكي في ربع الأخير من القرن الماضي. وقد ألهمت هذه الحرب إنتاج مجموعة من أفضل الأفلام الأمريكية مثل: (القيامة الآن)، و(صائد الغزلان) و(العودة للوطن) و(ساحات القتل). إلا أن هذا الفيلم – بطريقة ما – كان يجب أن يُصنع قبل تلك الأفلام كلها. الفيلم يطرح الفكرة التالية: – كما هو مدون على الحائط التذكاري لحرب فيتنام في واشنطن – قبل أن تطلق تصريحات هائلة وشاملة حول حرب فيتنام، عليك أولاً أن تفهم النقطة الأساسية من تلك الحرب، وهي أن العديد من الجنود ذهبوا إلى هناك وتعرضوا للقتل أو توفوا؛ وهي الذكرى الوحيدة التي خلفتها الحرب في أرواحهم وأرواح زملائهم الناجين.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: