التخطي إلى شريط الأدوات

Million Dollar Baby – 2004

“Sometimes the best way to deliver a punch is to step back… But step back too far and you ain’t fighting at all.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 24 يناير 2005.

“هل ستتركني؟” تسأل ماغي مدربها فرانكي دان، فيرد الأخير “أبداً.” وهو كل ما تحتاج ماغي سماعه. في فيلم (فتاة المليون دولار) يواصل كلينت إيستوود استكشافه في الجانب المأساوي للوجود الإنساني. العين السينمائية المؤلمة للمخضرم، وقعت على عالم الملاكمة بمجموعة من القصص القصيرة باسم “حبل يحترق: قصص من الزاوية”. وهي تستند على تجربة طويلة لمدرب الملاكمة جيري بويد، الذي يكتب تحت اسم أف. إكس. توول، من ثم تحولت إلى سيناريو وحوار من قبل بول هيغيس. يدرك إيستوود بعقلانية إنه لم يعد يصلح للعب دور البطل المغوار أو الرومانسي نظراً لتقدم سنة، حتى في الأفلام التي يخرجها، يتولى هنا دور شخص حاد وجاد الخصال، وصورة الأب لفتاة تجاهد نحو تحقيق حلم طفولتها وهي في سن الواحدة والثلاثين.

يدخل الفيلم إلى منطقة مظلمة من الروح، وقصته تبدو ظاهرياً أنها حكاية ملاكمة بسيطة، حول فتاة محرومة طموحة والمدرب الأيرلندي الكاثوليكي العجوز الذي يتولى مساعدتها. غير أن إخراج كلينت إيستوود الموجع للقلب، يتحول هذه الحكاية التقليدية إلى شيء أكثر تأثيراً وألماً وبهجة في نفس الوقت، تدعوك للتفكير والأمل. وستشعرك حتماً بإنسانيتك مجدداً بعد أن عاندتك الحياة مراراً.

فرانكي دان (كلينت إيستوود) رجل منغلق على نفسه، يعاني كثيراً من ماضيه، مبعد عن ابنته الوحيدة – الفيلم لا يفصح بشكل كامل عن سبب مقتها له – ويخفي نفسه داخل ناديه الرياضي في لوس أنجلوس، محاط بملاكميه وصديقه سكراب (مورغان فريمان)، ملاكم سابق بدوره يدير وينظف النادي. تربط فرانكي علاقة معقدة مع خالقه، يرتاد إلى الكنيسة كل يوم تقريباً ويتجادل مع الكاهن (براين أو بيرن) باستمرار لأنه لا يستطيع مسامحة نفسه لابتعاد ابنته عنه. علماً أنه يراسلها كل أسبوع لكن رسائلها ترجع كل مرة، دون أن تفتح “مرجعة للمرسل”. ماغي فيزجيرالد (هيلاري سوانك) نادلة فقيرة لا تثق بنفسها، لكنها ترفع شعار “لا لليأس”. تطلب من فرانكي أن يدربها لكن جوابه صريح وسريع: عمرها الحالي 31 سنة لن يساعدها، عدا أنه لا يدرب الفتيات. مع هذا، تواظب التدرب في ناديه و تتلقى نصائح عابرة عشوائية من سكراب، قبل أن يجبر إصرار ماغي ووقت فراغ فرانكي أن يدربها. طريق التدريب الذي اتخذته الملاكمة ومدربها يقودهما إلى صداقة وسلسلة من الانتصارات، ومن ثم إلى مباراة بطولة، هنا فحسب، تأخذ القصة منعطف آخر، يجبر الطرفين أن يواجها المعنى الحقيقي للحب والتضحية والطريقة الغريبة التي يعمل بها القدر ليخلصهما من العذاب.

لا يملك الفيلم سوى شخصيات قليلة، جاي بيرشيل بدور رجل مختل يتوهم أنه سيصبح ملاكم. عائلة ماغي الفقيرة. عدا عن هذا فإن الفيلم يعد دراما لثلاث شخصيات فقط. من الواضح أن ماغي ستحل مكان ابنة فرانكي التي حرم منها، جوهر الفيلم هو رجل يبحث عن ما ينقصه من قبول، وفتاة بدن أب تجد في الملاكمة وسيلة للهروب من ماضيها المضني، وحينما يجتمعان يجدا ما ينقصهما لدى الآخر. لقد صدف للقدر أن تكون الملاكمة هي الرابط بينهما عملياً وجسدياً، لكنهما روحياً مرتبطان بألم الحاجة والخسارة الاجتماعية. سكراب يعرف هموم فرانكي، يحاول أن يكون ضميره ومشورته، يحاول منع رئيسه وصديقه بأن يصبح عدو لنفسه. العلاقة التي تجمع بين فرانكي وسكراب مبنية على الإخلاص والرابطة العميقة، عدا أنهما يملكان ماضي مؤلم، فهما لا يملكان حاضر أفضل بواقع الحال.

بوجود فكرة واضحة المعالم تدفع بماغي إلى الأمام (تدريب فرانكي لها، بدلاً من تخبطها طوال الوقت) فإن ذلك يوفر لها إشارات مركزة ونصائح تمنحها القوة. الحوار المستخدم في الفيلم صادق ويسهل التعاطف معه، القصة تروى بصوت سكراب، بحيث تشعر بدفء الشخصيات وحرارة المكان والأحداث التي تجري فيه. يجمع الفيلم بطريقة ما بين (روكي) و(قتال فتاة)، يأخذ من الأول عنصر الحاجة للتغير والحصول على شعور الاحترام للذات واحترام الناس. الفوز بالنسبة لماغي ليس لتحقيق الشهرة أو كسب كميات مهولة من المال.

كما يستلهم من فيلم (معركة فتاة) عنصر الكفاح والصراع الداخلي للملاكم المبتدئ الذي يسعى لتحقيق خطواته الأولى في طريق رياضي صعب ويحتاج للوفاء والصبر. ليس أن (طفلة بمليون دولار) يسرق الأفكار من هذه الأفلام، على العكس هو يقتبس أفكار كلاسيكية عن الروح الإنسانية ويضيف عليها الأسباب الاجتماعية الطبقية الرديئة التي تعيشها مجموعة من البشر ولا تجد الصوت الذي يعبر عنها بإنصاف وواقعية.

مورغان فريمان لا يرفع الفيلم بصوته الآسر فحسب، بل أيضاً بحضوره الملهم. وهو ممثل ممتاز تعتمد عليه في الأدوار المساندة ذات ملكة الحكمة التي تقرأ عنها في الكتب فقط، أداء مورغان فريمان الرائع غير مستغرب خاصة أنه أفضل من يلعب الأدوار الثانوية الهادئة. يعرف كلينت إيستوود ما لديه من إمكانيات تمثيلية في هذا السن، وهنا يستخدمها بشكل ذكي ومفيد للغاية، إيستوود لديه فطرة إحضار تاريخ كامل لأي شخصية مسنة يلعبها، تعرف ولا تشعر فقط أن هذا الرجل يعيش آلامه الماضية في حاضره. وبعد فوز هيلاري سوانك بعد بأوسكار أفضل ممثلة عام 1999 عن فيلم (الأولاد لا يبكون) لم تقدم ما يستحق الذكر من أدوار أو أفلام. لكنها تثبت قدرتها مجدداً في هذا الفيلم تحت عين مخرج قدير مثل إيستوود. الحزن والسأم من المعاملة الحقيرة يومية مفصل على أعين سوانك، شخصيات ملموسة يسهل التواصل معها.

يقال أحياناً، أننا إذا لم نحصل على الحب من أفراد عائلتنا، فبإمكاننا أن نتوجه إلى مكان آخر للحصول على هذا الشعور القوي والثمين. في المقطع الأخير من (طفلة بمليون دولار)، يكشف كلينت إيستوود القوة التي يمنحها الحب كتعويض، يقدم شخص ما مصلحة الآخرين على مصلحته الشخصية. إن كنت لا تحب أفلام الملاكمة، عليك أن تشاهد هذا الفيلم لجمال العلاقات فيه وجموح قوته بالمشاعر والقيم الإنسانية. إيستوود العجوز “74 سنة” لا يقل شيء عن إيستوود الشاب، بل يزيده إحساساً وخبرة وعاطفة.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “Million Dollar Baby – 2004

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: