التخطي إلى شريط الأدوات

The Elephant Man – 1980

 

“People are frightened by what they don’t understand.”

بقلم مهند الجندي.

مع نهاية فيلم (الرجل الفيل) للمخرج ديفيد لينش نكون قد صافحنا يد جون ميريك الإنسان وليس رجل الفيل، لم نعد تهمنا تشوهاته الخارجية، بل اكترثنا لشخصيته لداخلية، روحه المرهفة وحسه الفني. كل شخصية تقابل جون تراه بعينٍ تعكس طبيعتها الخاصة؛ فبايتس يلقبه بكنزه ولقمة عيشه، فريدي الطبيب تهرب منه دمعته جراء هول حالته الجسدية، الممرضات اليافعات يرونه بشعاً للغاية، أحد موظفي المستشفى الوضيعين يجده وسيلة للتسلية والسخرية، آن ترفض أن يكون مخيباً لآمال والدته، والسيدة كندال تدعوه باسم روميو مخاطبةً رومانسيته. إنها التقنية الحاضرة طوال أحداث الفيلم، بأن نقشع ملامح وخلجات جون عبر وجوه أولئك المحيطين به وخلفيتهم الاجتماعية والفكرية والمادية، من شرفاء وأوغاد، فقراء وأغنياء، بيد أن جون هو دليلنا الأمين إلى ذاته “أنا لست مسخاً، أنا إنسان.”، أما نحن فنردد وراءه قول الشاعر الشاب تميم برغوثي “إن الصفاتَ خياناتٌ لما تصفُ”.

ما يثير للاهتمام في الفيلم هي الطريقة التي لا يبالي بها لتلك الحقائق التي اعتدنا قراءتها وبخطوط عريضة في مثل هذه القصص وطريقة سردها سينمائياً؛ فالمرة الأولى التي نشاهد بها جون تكاد لا تزيد عن ثواني معدودة، لا بل أنها تقدم ببساطة متعمدة، ها هو بكامل هيئته وبوضوح. كذلك فإننا لا نشاهد دراسةً طبيبة أو تشريحاً علمياً مفصلاً لحالته الاستثنائية هذه، نكتفي بوصف مقتضب مباشر عن جنسيته واسمه وعمره وشكله. أضف إلى ذلك مروره عن سؤال جون حول استحالة شفائه بكل اعتيادية وسهولة. يعمد ديفيد لينش في (الرجل الفيل) بأن لا يخصص الكثير من الوقت للتقليدية الدرامية أو في تعريفنا على شخصياته الرئيسة، فالفيلم ليس عن سبب نبالة الطبيب فريدي أو سعة قلب الممثلة كاندال تجاه جون أو قسوة تعامل المجتمع معه، بقدر ما هو عن قدرة البشر “المشاهدين” في تكوين تلك المشاعر الصادقة الخالصة وبشكلٍ فوري تجاه من يستحقها ودون شروط أو مقدمات، وذلك يأتي في التخلص من مأساة شكله ودون أن نتعرف على تاريخه أو يومياته المضنية الفائتة، ليست شفقة محضة، إنما تفهم يعبر مخيلتنا ويجسد ملكتنا الفطرية لأن بديهتنا تعلم بأن الإنسانية هي لغةٌ بشرية واحدة، ومن عجز عن نطقها فهو لا يفهمها، أو كما يلخصها جون: “الناس يخشون ما لا يفهمونه.”.  

تدور القصة في لندن القرن التاسع عشر، خلال العصر الفيكتوري، حيث نلاحظ أن الطبيب فريدي ترفيز (أنثوني هوبكينز) يبحث عن شيء ما مجهول في أحد الاستعراضات. ينقله له أحد الصبية الخبر اليقين بأنه قد وجد ذلك “الشيء – it” فيتوجه إلى الشخص الذي يحتفظ به واسمه بايتس (فريدي جونز) الذي يستخدمه كحيوان استعراضي. يتبين لفريدي أن هذا الشيء هو رجل يُدعى جون ميريك (جون هيرت) يُعاني من تشوهات جسدية خلقية مريبة للعين المجردة لدرجة تُحتم عليه تغطية جميع أجزاء جسمه بارتداء عباءة سوداء طويلة وغطاء للوجه وقبعة للرأس. يطلب فريدي من بايتس أن يرسل جون إلى المستشفى الذي يعمل فيه مقابل مبلغ من المال. وعندما يصل هناك، وبعد تجاوز طاقم المستشفى صدمة مشاهدة ملامح هذا الرجل الموجعة، يبدأ فريدي مهمة من نوع خاص في التعرف بشكل مقرب على شخصية جون وحالته النفسية والعقلية، فيقوم رويداً رويداً ببلورة كيانه من الصفر، فيكتشف أنه إنسان قادر على استيعاب ما يدور من حوله، يجيد الكتابة والقراءة، محب للدين، وذو إحساس فني عالي تجاه التصميم والمسرح. وعلى الرغم من كل الصعاب التي تواجه فريدي، إلا أنه يجد الوسائل المثلى كي يعيد إلى جون كرامته المستحقة وحقه بالعيش كإنسان بأبسط حقوقه.

 قام كل ديفيد لينش وإريك بيرغن وكريستوفر دي فور باقتباس السيناريو عن كتابي “الرجل الفيل وذكريات أخرى” بقلم السير فريدريك تريفز و”الرجل الفيل: دراسة حول كرامة الإنسان” بقلم آشلي مونتاغو، وبإجراء بعض التغييرات، كما تقول بعض المصادر، على القصة الحقيقية التي حدثت مع “جوزيف ميريك” وليس جون. حيث تُفيد بأن بايتس هو شخصية خيالية، وأن منسق استعراضاته كان بواقع الأمر صديقاً مقرباً من جوزيف على نقيض ما جاء في الفيلم، وأن جوزيف قام بنفسه بمراسلة الطبيب فريدي طلباً للمساعدة العلاجية. ونظراً لضيق فتحة فمه جراء التشوه، فإن جوزيف لم يكن بمقدوره أن يتكلم بالطريقة التي عُرضت في الفيلم، وكان على فريدي أن يُترجم كلامه للآخرين في الكثير من الأحيان.

بيد أن لينش ومعاونيه في الكتابة يستخدمون هذه التغييرات لنقل رؤيتهما السينمائية الخاصة حول حياة ميريك من نواحي مختلفة بعض الشيء عن حياته الحقيقية، لزيادة أثرها من النواحي القصصية. وأهم مثال على ذلك هو أن مشهد سكة الحديد الذي تعرض به جون إلى سخرية سليطة من الأطفال والعامة كان قد حدث قبل دخوله للمستشفى تحت إشراف فريدي، لكن إدراجه في الفيلم بعد دخوله للمستشفى ومروره في الكثير من المجريات والتحولات الهامة يوفر لنا تأثيراً مزدوجاً عن وقع حياته السابقة وصعوبة تقبل وجوده بين الناس في الحياة الحالية.  

ليس فقط أن تشوهات جون “مستعصية” ولا علاج لها، لكن حالته الاجتماعية أيضاً ستبقى مستعصية التقبل بنظر عامة الشعب. من هنا يذهب ديفيد لينش في توطيد هذه النقطة في الطريقة التي ينتقل بها جون من حبسه تحت طائلة بايتس إلى حبس آخر في غرفة الحجر الصحي تحت يد الطبيب فريدي. الفرق بين هاذين الزنزانتين يكمن بأن الزنزانة الأولى كانت تستخدم جون كمخلوق عجيب دون أية أحاسيس أو اعتبارات بأنه يملك حق المعاملة كإنسان، يؤدي واجبه المطلوب ويتناول البطاطس فحسب، ويخشى من الضرب إن عبر عن ذاته أو حتى قدرته على الكلام، بينما الزنزانة الثانية في الغرفة المعزولة هي الأداة التي يوظفها فريدي لتكون “النافذة” التي ستُعرف جون على العالم، والإطلالة التي ستجمع العالم به، فهناك يتلقى المعاملة والغذاء والاحترام التي افتقدها لسنوات طويلة، ويمارس حقوقه الأبجدية في التفاعل مع الدين والبشر والحياة والفن، وأن يُطلق العنان لمخيلته ومواهبه الخاصة المدفونة. ولذا نلاحظ الاختلاف الجذري الذي يطرأ على حال جون بعد أن عرف طعم الحب والخير والصداقة، الأمر الذي شحن في نفسه قدرة التعبير أخيراً ووقف مدافعاً عن ذاته بتلك الصرخة في مشهد محطة سكة الحديد، قبل انهياره من شدة التعب ومكابدته المستمرة مع أولئك المحيطين به من جهلة وسلبيين.    

اُتهم الفيلم باستدرار دموع المشاهدين والتحايل على مشاعرهم بتغييرات السيناريو تلك، أو باستخدام الموسيقى القوية المؤلمة حين يحلو له، وعليه من منا لن يحزن لما يراه على الشاشة؟ إلا أن هذا الأمر يبدو بعيداً عن الغاية التي ابتدع من أجلها الفيلم، بحيث أننا لا نشاهد خلال ساعتي الفيلم قاطبةً أية لقطة تعرض جون يندب حظه وخلقته، أو ينفر من حقيقته ويلقي بأية شكاوي ولوم تجاه أحد أو لأي شخص يذكر، على النقيض من ذلك، فهو يواظب على قراءة الإنجيل، يحتفظ بصورة والدته بالقرب من فؤاده، يتلقط العلب الفارغة من القمامة ليبني تصميمه عن الكاتدرائية. تلك المعطيات لا تهدف تصويراً ملائكياً لشخصه، بل هي خاصية تحترم بطل القصة بغرض البحث عن مشاعرنا الخام والأصلية، فإذ تعاطفنا معه، نكون قد فعلنا ذلك لأننا لا نحتمل التواجد في مكانه أو خوض تجربته هذه، جون محزن فعلاً لأن الفيلم يتعامل مع وضعه دون رثاء أو تذمر، راجع كيف يعتذر من أمه لأنه ليس جميلاً مثلها. وبالتالي، فإن حكاية الفيلم تتطلب مثل هذه التغييرات، فلغة السينما تختلف عن لغة الكتب، والموسيقى هي العزاء الوحيد الذي يتلقاه جون، تعبيرٌ ضمني عن تفهمنا لحاله وليس إكراهاً لمشاعرنا كي نأسف عليه. 

ثمة العديد من المشاهد المؤثرة في الفيلم، كمشاهدة فريدي الأولى لجون، وإلقاء جون المفاجئ لما يحفظه من الإنجيل بعد خروج فريدي وكروجل من الغرفة، وارتدائه لبدلته الرسمية عند زيارته منزل فريدي وملاقاته زوجته آن، واجتماعه مع كندال الممثلة المسرحية وتأديتهما لذلك المشهد الشكسبيري الصغير، والطريقة التي يهرع بها فريدي لرؤية جون بعد العثور عليه ويضمه إلى صدره. هذه الصداقة التي تجمع بين فريدي وجون هي عصب القصة والعلاقة التي تشدنا طوال مدة عرض الفيلم، فإن كانت قد حررت جون من أكبال الخوف ليتمكن من التعبير عن نفسه، فهي تُعرض فريدي وجميع شخصيات الفيلم الذي يمثلوننا على الشاشة للمُسائلة عن نزاهتهم الذاتية، حيث أن لينش يستخدم شخصيته ليُقدم لنا هذا العالم وفضولنا يزداد مشهد تلو الآخر حيال اكتشاف خصال جون ميريك والمصير الذي سيؤول إليه في النهاية. لا يوجد تشويق أو إثارة فعلية تدفع بنا لنواصل تتبع مشاهد (الرجل الفيل)، بل هو المزج بين نبل الإنسان وقسوته وتقديمها في السؤال “هل أنا رجل صالح أم طالح؟” الذي يطرحه فريدي على زوجته وهو يجلس وحيداً في غرفة المعيشة؛ فهو يخشى، كحال الجمهور، بأن يكون السبب وراء اهتمامه في مساعدة جون هو حالته النادرة والسمعة الحسنة التي حصل عليها، على الرغم أنك ستلاحظ الطريقة التي بات عليها ديكور غرفة جون، خاصة في جهتها اليسرى، كموقد النار وترتيب الصور وتوزيع الكتب، لقد تحولت الحجرة المعزولة إلى غرفة معيشة دافئة تعكس الازدهار الفني والرخاء للحقبة الفكتورية، وتصف روح جون الجميلة ورغبة فريدي الملحة لتوطيد حبال صداقتهما.

 المظهر العام للفيلم والتصوير بالأبيض والأسود (المصور هو الإنجليزي فريدي فرانسس، المسؤول عن تصوير أعمال مثل “أبناء وعشاق” و”المجد” و”رأس الخوف”) يجمع بين شكل أفلام الوحوش الكلاسيكية وبين الاقتباسات السينمائية الأمريكية للمسرحيات الأدبية البريطانية، حيث رهبتها العميقة وجمالياتها البصرية. أضف إلى ذلك أن براعة الماكياج في الفيلم شجعت أكاديمية الأوسكار لإنشاء فئة مستقلة من جوائزها تختص فقط بالماكياج منذ العام 1981. لكن جميع هذه العوامل الدرامية والتقنية كانت ستذهب دون جدوى لولا الأداء الباهر من البطلين الرئيسين؛ جون هيرت الذي يُعد دون أدنى شك أحد أفضل “متقمصي الأدوار الثانوية المختلفة” أو ما يُعرف بالإنجليزية بالـCharacter Actors، يُفصح عن حقيقة قلب جون ميريك، ويُعرفنا على شخصه وبكافة أبعاده رغم تلك التشوهات الفظيعة التي تغطي 90% من جسمه وطريقة نطقه الصعبة. الصدق هنا في أداء هيرت أنه يجسد دوره دون الاكتراث بهذه العيوب الجسمانية، بل يعمل كأنها غير موجودة، ويوظف صوته وغريزته البشرية وإدراكه الواعي فنتواصل معه ونتقرب من شخصيته جراء تفهمه لأوجاع جون ميريك الدفينة، ومع وصول خاتمة الأحداث نبدأ برؤية سماته الداخلية وقد حلت مكان تشوهاته الخلقية، نوع من العلاج بالصفاء الروحي والمصالحة من النفس. في حين أن أنثوني هوبكينز يؤدي شخصية فريدي كطبيب نبيل تقليدي من الطبقة اللندنية المثقفة ضمن الفترة الفيكتورية، غير أن ممثلاً أقل ذكاءً وموهبةً عن هوبكينز، لوجدنا تجسيده إما مبالغاً في العاطفة أو متحجراً في الرتابة الإنجليزية، هوبكينز ينقل لنا ضميرنا الحي بالمعيار الرزين والصحيح كما هي عادته.   

إضافةً لمواضيع الكرامة والنزاهة التي يضخها فيلم (الرجل الفيلم) للجمهور بحرفية، وحقيقة أن الحقبة الفيكتورية التي عاش بها جون ميريك شهدت ظهور القاتل المجهول “جاك السفاح”، نلاحظ تركيز ديفيد لينش أيضاً على الصناعة والحداثة، من خلال استخدام الآلات الطبية في علاج أحد مصابي المصانع، والفوارق الجلية بين رفعة وسمو مجتمع المستشفى والمسرح ومنزل فريدي وبين الأزقة المعتمة والسيرك الفاسد ومواطنيهم الفقراء البائسين. ديفيد لينش من المخرجين الأمريكيين القلائل الذين استلهموا هذه الميزة في تقديم صور مجازية خفية من السينما الأوروبية، خاصةً الروسية منها، حتى لو اختلفت الآراء حول قيمة أفلامه طوال مسيرته المنوعة التي بدئها هاوياً شغوفاً في أوائل السبعينيات، متسلحاً بثقافته السريالية العالية وبصيرته ورؤيته لاذعة النقد للأشياء وفضاء هوليوود، وعودتها إلى الجذور الأرضية التي تكون العناصر الحياتية والشهوات الإنسانية سواءً بأساليبه الغامضة والمشوقة أو بتلك الدرامية البحتة (ثمة لمحات غير مباشرة عن رغبة جون ميريك بالتقرب من النساء طوال الفيلم).

لكن الأفلام عندما تكون ممتازة، يُمكن لها أن تعبر عن ذاتنا دون توقعنا ذلك، وأن نعيد بواسطتها التفكير بحياتنا وقيّمنا ونطبقها على أنفسنا، وديفيد لينش هنا يُكرس ساعتين كاملتين لينفض الغبار عن الكرامة البشرية وينصفها حقها، هذا هو هدف (الرجل الفيل)، فنحن ننجذب عادةً للأفلام التي تحسن سرد قصصها، كحال جون ميريك الذي وقف له المجتمع الإنجليزي وقفة القبول، وتمكن أخيراً أن ينام كما يطيب له، أنهى بناء تصميمه، أُعيدت له إنسانيته، عندها فقط، تسنى له مقابلة والدته بكل فخر، ولا شيء من ذلك سيموت.   

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “The Elephant Man – 1980

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: