التخطي إلى شريط الأدوات

Broken Flowers – 2005

“I’m like your mistress, except we’re not even married.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 10 يونيو 2005.

 قلة من الناس يعرفون سينمائي باسم جيم جارمش، وهو صانع أفلام مستقل يكتب ويخرج أفلام بالكاد يشاهدها الجمهور، ليس لأنها ضعيفة – على العكس، جارمش من المخرجين القلائل الذي يتمتعون بخاصية الإبداع، إلا أنه شخص غير تجاري يصنع عوالم غريبة يملئها حزن وجمال، ولسبب ما – أحدها سرده المتمهل – لا تلقى اهتمام لائق من الجمهور الأمريكي. فيلمه الأخير (زهور ممزقة) يضم طاقم مشهور وميزانية أفضل من معظم مشاريعه السابقة، إضافة لحبكة مثيرة للاهتمام، وأولئك القلائل المهتمين بأفلام المخرج سيجدون صفاته السينمائية التقليدية: كوميديا الموقف، شخص مسافر، تصوير ساخر لضواحي الولايات المتحدة، عدا عن العلاقات الحادة والمتشابكة. يقدر جيم جارمش الكوميديا والدراما كما فعل أليكسندر باين العام 2004 في فيلم (أرصفة)، يعلم أن الحياة خليط من هذين العنصرين، ويعلم أن فيلم كهذا يحتاج للممثل على هيئة بيل موري، ليؤدي دور أعزب بارد على وشك خوض أسخن تجربة في حياته.

 حين يستلم دون جونستون (بيل موري) رسالة من إحدى صديقاته السابقات تقول فيها أنها أنجبت منه طفلاً قبل سنوات عديدة، يبدأ رحلة بحث عن هوية المرأة التي بعثت له هذه الرسالة المفاجأة، وليستطيع مقابلة ابنه الذي لم يعلم بوجوده أساساً. أثناء رحلته، يرى أن العديد من النساء اللواتي عرفهن في الماضي قد تغيرن، أما هو فبقى على حاله. يبدأ الفيلم بتمهل ليعد القصة بحذر، نشاهد دون كرجل أعزب متقدم في السن أصبح معتاد على أسلوب حياته البليد والمرهف بعد أن كسب ثروة صغيرة من سوق الكمبيوتر (مع أنه لا يمتلك جهاز واحد في منزله). انفصل للتو عن صديقته شيري (جولي ديلبي) لأنها تعتقد أنه كان يخونها مع امرأة أخرى، إنما هذا الأمر لا يزعج دون الكسول، قبل برهة فقط علم عن وجود ابن في حياته. أعز أصحابه وجاره وينستون (جيفري رايت) العاشق للمحققين السريين، هو عكس شخصية دون في كل شيء، لديه عائلة كاملة، ومتحمس حول هذه الرسالة الغامضة أكثر حتى من دون نفسه، لدرجة أنه يقوم من دون معرفة صديقه بترتيب رحلته كي يزور كل صديقاته السابقات، مع عناوينهن وحجوزاته الفندقية وحتى بعض الأدلة، على أمل أن يحل وينهي هذا الغموض ويجد ابنه.

 من هنا يأخذ الفيلم منعطف آخر، فقبل هذا كان جيم جارمش مصراً على تمضية الكثير من الوقت وهو يراقب دون ببساطة يمضي وقته بالجلوس داخل غرفته وحيداً. هذا لا يعطي لموري فرصة التصرف على الطريقة التي نعرفها عنه، الارتجال والتفاعل مع الوضع من حوله، لكنه يعطيه فرصة اكتشاف الشخصية والتعرف عليها وتفهم طبيعتها، بلغة جسد بيل موري وصمته المعبر، على الرغم من قلة الحوار الممثل، فهو يستطيع تكوين شخصية محببة وممتعة. لأول مرة يقوم فيها جيم جارمش بتغير أسلوبه السوداوي في سرد قصصه، ويضع أسلوب أكثر رقة وشمولية يرينا فيه نضوجه وتوسع آفاقه كسينمائي يبحث عن الجديد، من حسن الحظ أنه اختار بيل موري للعب دور دون وهو مشابه لما قدمه في (تائه في الترجمة) ولدور جاك نيكلسون في (عن شميث). يؤكد موري أيضاً اختلافه كلياً كفنان كوميدي وممثل درامي عميق عن الذي كان عليه طوال سنواته التي شهدناها على الشاشة.

 في الساعة التالية نتعرف على صديقاته بشكل متسلسل، تقدم كل واحدة منهن بسخرية خاصة. أولاً الأرملة لورا (شارون ستون) وابنتها لوليتا (أليكسيس دزينا) التي لا تستحي من الظهور عارية أمام الغرباء (جارمش يستخدمها كعنصر كوميدي وليس إباحي). وهناك سيدة الأعمال التي تعيش حياة غير سعيدة مع زوجها، دورا (فرانسيس كونروي)، ومن ثم كارمن (جيسيكا لانغ) غريبة الأطوار التي تطلق على نفسها “متفهمة الحيوانات” تسعى جاهدة للتخلص منه. أما الأخيرة بيني (تيلدا سوينتون) تنزعج جداً عند مشاهدة دون، فتطلب من صديقها أن يضربه.

 يأسرنا (زهور ممزقة) داخل وحشة السفر، غرف الانتظار في المطار، وجفاف غرف الفنادق التي تشبه بعضها البعض، ومن ثم يقترح أننا إن لم نؤسس بيت خاص بنا ولم نترك ذكرى جيدة في قلوب الناس، فإن حياتنا ستبقى غير مستقرة، مملة وفارغة، تماماً كغرف الفنادق هذه. كان من الممكن أن تتحول كل هذه التصريحات إلى سخافة أو مبالغة ممقوتة لولا أن المخرج جارمش يعرف مادته جيداً ويعرف كي يحكيها بجمال بصري وتمثيل عميق. رجل يمر في أزمة منتصف عمر يواجه ماضي يبدو أنه نادم عليه، في النهاية يتضح أن سبب هذه الرحلة ليس حول اكتشاف غموض ابن دون وهوية أمه، بل توفر سبب مقنع يدفع دون للنهوض من أريكته ويبدأ سفره في دروب ذكرياته المضنية والمضحكة.

 فاز الفيلم عن جدارة بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان. وتصورات وأفكار جيم جارمش عن الحياة وصناعتها في السينما بطريقة هادئة وذكية تحكي الكثير عن سبب فوزه بهذه الجائزة، أفلامه غالباً ما تكون عن شخصيات مصورة بواقعية تلائم الأفلام الوثائقية. (زهور ممزقة) لا يوفر الأجوبة التي شاهدنا أسئلتها، وهو في الواقع ليس عن الأجوبة، بل عن الرحلة التي يكتشف بها دون أن التغيير يجب أن يصيبه كما أصاب الآخرين، وأداء بيل موري المؤثر يجعل هذه الرحلة تغير شيئاً في نفوس المشاهدين كذلك.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: