التخطي إلى شريط الأدوات

Michael Clayton – 2007

“Do I look like I’m negotiating?”

 كتبها مهند الجندي بتاريخ 12 ديسمبر 2007.

بات من الواضح لأي من متتبعي مسيرة الممثل جورج كلوني مؤخراً، أنه أصبح رجل عصره، وبجدارة. مواهبه ونجاحاته أصبحت تزداد سنة تلو أخرى، بعد سطوع اسمه في مسلسل “غرفة الطوارئ” الشهير منذ عام 1994 حتى ساعة رحيله عنه تماماً وتفرغ لعالم السينما. ذكاء كلوني امتد من أقل الأشياء إلى أكبرها، كشهرته كنجم وسيم جذاب تتهافت المجلات عليه، عمله كمخرج لأفلام أحيت مواضيع وشخصيات وفترات هامة مر فيها الشعب الأمريكي، وتعاونه المتواصل والمربح كممثل مع المخرج ستيفن سوديربيرغ، واختياراته لأدوار درامية يتحدى فيها نفسه في أفلام ذات مواضيع ثقيلة تؤكد أنه فنان يعمل بتخطيط ناجح على المستويين التجاري والفني وتقديمهما بطريقته الخاصة ككاتب ومخرج خلف الكاميرا وبفتنته الفريدة كممثل على الشاشة.

 وعندما يدور الحديث حول أفلامه المثيرة الجادة، نجد أن هناك نوعان منها، الإثارة التي تعتمد على أحداث قصة نفسها والحركة لتولد التوتر والتشويق، والإثارة الفكرية التي تصل إلى المشاهد بطريقة أقل سرعة ومباشرة لكنها عادة ما تكون مرضية أكثر في النهاية. فيلم (مايكل كليتون) العمل الإخراجي الأول للكاتب توني غيلروي (كاتب أفلام سلسلة هوية بورن مع مات ديمن) ينتمي إلى الفئة الأخيرة. يكشف الفيلم عن حكايته بأسلوبه الخاص ولا يقوم بأي تنازلات أمام المشاهدين قليلي الصبر أو اللذين لا يعيرون الكثير من الانتباه أثناء مشاهدة الأفلام، على العكس، على المشاهد أن يوظف عقله جيداً أثناء المشاهدة كي يجمع بين الأسئلة والقضايا والشخصيات المختلفة. والجميل أن توني غيلروي في نهاية المطاف يقدم نهاية مرضية ذكية تكافئ كل الجهود التي بذلتها.

 يقوم كلوني بأداء بطولة الفيلم بمظهر مناسب وصحيح، مايكل كليتون يعمل كمفاوض في شركة قانون مهمة. ببذلة محافظة وربطة عنق جميلة وكل شعرة في مكانها (إلا حين تخرج الأمور عن السيطرة، وهو ما يحدث كثيراً). يقود سيارة مرسيدس مؤجرة برسم البيع، وهو رجل مطلق يقوم بإيصال ابنه إلى المدرسة وبراه في العطلة الأسبوعية. لديه جانب خفي من حياته. يبدو عليه الثراء، لكنه في الواقع بحاجة ماسة إلى 75 ألف دولار وإلا سيواجه عواقب وخيمة. ولولا خسارته لنفس هذا المبلغ في لعبة بوكر في الحي الصيني لما كان قد أوقع نفسه في هذه المعمعة كلها. حياته الشخصية الآن في الحضيض.

 يعمل يعمل بشكل مباشر مع مارتي باش (سيدني بولاك) وهو رئيس الشركة. المعضلة تبدأ حين يفقد أحد شركاء باش الكبار عقله، بقيامه بالتعري في ميلووكي أمام جلسة استماع والجري داخل موقف سيارات في الثلج، وهو آرثر إدينز (توم ويلكينسون، الذي يفتتح الفيلم بصوته اليائس مبرراً أفعاله أمام مايكل. شريط الفيديو الذي يعرض جلسة استماع ليست بالشيء الجميل أبداً.  كارين كراودير واحدة من الأشخاص الذين شاهدوا الشريط، وهي المديرة التنفيذية القانونية لأحد أهم عملاء مارتي باش، شركة تواجه دعوى قضائية بتهمة التلوث المسمم.

 لقد عمل مايكل كليتون لأكثر من سبعة عشرة عاماً مع باش بكل وفاء، في أحد أكبر شركات القانون في مانهاتن، إلا أن اسمه لن يظهر في قضايا محكميه لأن وظيفته كمفاوض تتخصص بتعديل أخطاء الأشخاص الآخرين وأعمالهم القذرة. مهمة مايكل الأخيرة هي الأكثر خطورة على الإطلاق: أن يكبح ويوقف تصرفات آرثر إدينز المضرة والغير لائقة ربما بأي وسيلة ممكنة. 

يدور الفيلم حول شخصيات تعيش في المنطقة الفاصلة بين الأخلاق وبين الفجور وقلة الضمير، منطقة كل شخص فيها يملك تعريف مختلف عن أسس المبادئ والأخلاق. كما هي الحياة الواقعية، هؤلاء الأشخاص لا يصنفون تحت فئة “طيب” أو “شرير”، إنهم عبارة عن خلاصة أو محصلة اختيارات، بعضها صائب وبعضها مخطئ. مارتي يعرف أن الكثير من عملائه الكبار يخفون أمور عدة، لكن تسترهم عليها يعود عليهم بربح كبير ويبقي الشركة تعمل بنشاط لا ينضب.

 وظيفة مايكل كمفاوض (أو حلال المشاكل) توجب عليه عادةً أن يعمي عينه أمام مواقف بشعة. وكارين كراودير مستعدة للقيام بأي شيء تقريباً لإخفاء أي عمل مذنب ارتكبته شركتها. أزمة ضمير آرثر هي التي تفتعل كشف كل هذه الأوراق حول الأخلاق والمبادئ في نظام المحاماة وعالم مايكل كليتون. آرثر لم يعد يستطيع تجاهل الأمور التي تحدث من حوله عندما أصبح جزء من نظام يحمي شركة تتسبب بمقتل أشخاص بمرض السرطان. وحينها يقع مايكل في منتصف الأزمة – بين حسه ونواياه الجديدة وغير المكتملة حول التمييز بين الشرعي والباطل والصحيح والخاطئ وبين حاجته للاستقرار المادي.

 الفيلم ممثل بطريقة ممتازة. حيث يقوم جورج كلوني بترك شخصيته الواثقة المغرورة التي يلبسها مع داني أوشين، ليقدم دور شخص يعاني من مشاكل خارجية وداخلية واضحة وشخصية معقدة من باطنها وملامحها. نحن نعلم من خلال القصة أن مايكل مفاوض ناجح، رجل بإمكانه صنع الأعاجيب، لكننا لا نرى هذا، على العكس، فهو يبدو أنه رجل على وشك الانهيار. توم ويلكنسون يلعب دور آرثر على أنه رجل يبدو مجنوناً، أو في مرحلة بين الجنون والثعلبة. يتأرجح بين بعد النظر والحماقة الشديدة، لكن هناك لقاء واحد هام بينه وبين مايكل يشرح الكثير حول حالته العقلية. تيلدا سوينتون كذلك توفر أداء مبهر بدور امرأة تعرف كيف تتأقلم في الظروف العصيبة، أكثر من الظروف التي اعتادت عليها، إلا أن هذا الأمر يوقعها في أخطاء كثيرة، وأحياناً كبيرة، من دون أن تكون مستعدة للعواقب.

 لا يقدم المخرج غيلروي الحبكة إلى الجمهور ككسرة خبز سهلة الهضم، فالفيلم يتطلب القليل من الوقت على المشاهد كي يستوعب وجهات كل الشخصيات وما هي علاقتهم مع بعضهم البعض، هذا يحدث خاصة في النصف ساعة الأولى. وبعد أن تستطيع فهمه وتجمع كل الأدلة، سيكون تحليله العصيب هذا أمراً مجدياً. (مايكل كليتون) يتوقع من جمهوره الكثير من الصبر والتركيز والانتباه أكثر من معظم الأفلام الهوليودية الدرامية المكررة، من دون أن يفقد قدرته على الإمتاع والإثارة.

 IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “Michael Clayton – 2007

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: