التخطي إلى شريط الأدوات

The Quiet American – 2002

“Sooner or later, Mr. Fowler, one has to take sides, if one is to remain human.”

 كتبها مهند الجندي بتاريخ 23 يناير 2003.

إن بداية فلم (الأمريكي الهادئ) بطيئة وهادئة تماماً كما هي شخصية توماس فاولر، رجل أكبر صفاته وأصعبها هي الحسرة، حسرة مفطرة للقلب: “لا أستطيع أن أقول ما الذي جعلني أقع في حب فيتنام” يقول الرجل الإنجليزي توماس (مايكل كين) مراسل جريدة لندن تايمز في فيتنام – سايغون: “هل هو سحر النساء الذي يجذبك؟ أم كل شيء فيها الذي لا يشبه مطر لندن الوسخ”. منذ مدة طويلة لم أشاهد فلم صريح في جمع ما بين قضية وطنية وعلاقة غرامية مع القليل من السمات الشخصية الغامضة لكي يثير دوافعه الإنسانية: “يقولون مهما كان الشيء الذي تريده، ستجده هنا في سايغون فيتنام، يقولون أنك تأتي إلى فيتنام وتفهم الكثير خلال دقائق قليلة، ولكن لتفهم الباقي عليك أن تعيشه”.

 بالفعل، هذا الرجل يعني ما يقول. فأقاويله تعبر عن أحاسيس تجاه ما تمر به فيتنام في فترة الخمسينات، والمآسي التي يشاهدها توماس تحدد شخصيته التي أصبح عليها، رجل إنجليزي يجرد إنجليزيته هذه بسبب ما يشعر به من قذارة نحو بلده، وبالتالي نستطيع القول أنه إنسان هادئ محافظ وناضج ولكنه ليس ضعيف على الإطلاق، يستطيع أن يكون لاذع وفعال حتى لو كانت هذه الحركات غير فعالة بشكل مباشر. والفضل بذلك يعود لفيتنام التي تسعى وراء تحررها من الفرنسيين.

 ومع هذا فإن (الأمريكي الهادئ) ليس فيلماً شخصياً بل دراما للكبار. توماس يحب ويعيش مع راقصة سابقة فيتنامية تصغره بعشرين عام، والقضية الرومانسية تنتعش بظهور بايل (بريندان فريزر) عميل مساعد لدى الاستخبارات الأمريكية في فيتنام يقع في حب الفتاة من أول نظرة، لتبدأ بينهما صراع واسع وحر ومفتوح حول نيل رضا هذه الفتاة، فالقانون الفيتنامي لا يسمح لهما بالزواج منها. فتكتفي بالعيش مع أحدهما، وزوجة توماس في لندن ترفض أن تطلقه لأن كثلوكيتها لا تسمح، الأمور معقدة جداً.

 الفيلم مقتبس عن إحدى روايات الكاتب الشهير “غراهام غرين” من قبل كريستوفر هامبتون الذي كتب أيضاً رواية فلم (نهاية علاقة)، من جهة هو إيحاء حول المؤامرات الإرهابية الرخيصة التي لعتبها الاستخبارات الأمريكية في فترة الخمسينات لكي تنفذ ما تراه من مناسب لتلك الحرب ونظرتها حول طرق سير الأمور نحو مصالحها، ومن جهة أخرى هو رؤية توماس حول إنقاذ فيتنام من هذا الخراب بالرجوع للطبيعة الإنسانية والشعور بالحزن والعطف والشفقة نحو ما يتعرض له هذا الشعب أثر القواعد العسكرية الفرنسية.

 يحمل مايكل كين مجمل قيمة الفلم على عاتقه، بأداء هو من أفضل ما شاهدت له على الإطلاق. بتعليقه المؤجج بنبرات من العتق والحكمة، ووجه المسن المحزن، يجعل من توماس شخصية صادقة وجديرة بالثقة، ليس فقط لأننا سنحكم على أفكاره وآرائه تارةً تلو الأخرى، بل أيضاً لأن الحزن والخوف عنده يبرره عدم الاستقرار وفشله على الناحتين العملية والشخصية. فريزير الذي عرفناه كثيراً في أفلام كوميدية هزلية متعددة ينجح هنا بإثبات أن الاستخبارات الأمريكية هي أداة خبيثة للمساعي الأمريكية الغامضة في حرب فيتنام.

 أخرج الفلم الأسترالي فيليب نويس، وقد عرف من قبل بتعاونه مع هاريسون فورد في فلم سياسي حركي أيضاً، وهنا يصب تركيزه على الدراما العميقة التي تصب في الروح والمشاعر الأساسية للنفس الأصيلة والبسيطة. ولصنع كل هذه الأمور كان عليه أن يسير بكميراته تماماً كما تسير شخصية توماس، بتأملها وهدوئها وصبرها، حتى يخرج الفلم بصورة عامة مرآة لوجهة نظره تجاه هذه الحرب وتجاه هذا الحب.

 أمر آخر يجعل من فيلم ينطوي على بعد آخر، وهو أن مايكل تشين و شخصيته الصحفية المحنكة هذه يشكلان انسجاماً رائعاً في وصف حالته المتوترة، فهو يرى عشيقته “فونغ” كأنها الدواء الذي يشفيه والطوق الذي يحميه: “إن خسرتها، فستكون بداية نهايتي”، وهو أيضاً الأمر الذي يفسر لباقة تعامله مع محاولة بايل بخطفها منه، لأنه سيشعر بحقيقة فقدانها والأسباب التي اضطرته لذلك، عندها ربما سيتحرك، أو لن يستطيع الحراك أبداً.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “The Quiet American – 2002

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: