التخطي إلى شريط الأدوات

Secret Window – 2004

“I’m sure that in time, every bit of her will be gone and her death will be a mystery… even to me.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 14 أبريل 2004.

(النافذة السرية) للمخرج ديفيد كويب هو من أفصل مفاجآت عام 2004 سروراً، كما كان فيلم (الهوية) للعام 2003، مثير وذكي الصنع. اقتبسه كويب عن رواية لستيفين كينغ بعنوان “النافذة السرية، الحديقة السرية” وهذا الاقتباس هو من أفضل ما شاهدت له، والأفضل منذ فيلم (الميل الأخضر). وذلك يعود لأنه لا يهتم فقط ببناء الخوف والتوتر ومشاهد الهلع، بل أيضاً لأنه يعرفنا بشكل رزين ومتمهل لشخصية معزولة ومثيرة للاهتمام، يتفادى صانعو الفيلم اختيار المبالغة في تصوير ووصف أجواء الرعب التي اعتدنا عليها في اقتباسات ستيفين كينغ الأخيرة مثل (صائد الأحلام)، بل نطل معه عبر نافذة جوني ديب السرية ونحقق بقضيته الغامضة هذه بشكل أكثر عقلاني.

يبدأ الفيلم بتعريفنا على بطله، الكاتب المعروف مورت رايني (جوني ديب) يجلس داخل سيارته في ليلة يبدو أنها لن تكون عادية، ومن ثم نفاجأ به يقتحم أحد غرف الفنادق ليجد زوجته تخونه مع شخص غريب، ولا أحد من الجمهور لدي أي فكرة عن ما سيفعله مورت تالياً. بعد ستة أشهر، ندخل عالم الكاتب الذي يعمل على مجريات طلاقه من إيمي (ماريا بيلو) في كوخه المعزول داخل إحدى الغابات، فمنذ اللحظة التي نطل بها إليه عبر نافذته يتضح أن خصال هذا الكاتب ليست طبيعية. نراه غافياً على أريكته، شعره غير مرتب، روب نومه غريب، وعندما يحاول الكتابة يعمل بشكل بائس. لم يبدي أي نية بالاستيقاظ قبل أن يدخل على حياته رجل يدعى جون شوتر (جون تورتورو)، يطرق بابه مرتدياً قبعة غربية ويتكلم بلهجة رجل من تكساس، وتبدو عليه الرغبة بالانفجار في وجه مورت.

يدعي هذا الرجل أن السيد رايني سرق منه أحد القصص التي كتبها ونشرها وحظيت على انتشار واسع، يحاول مورت أن يتخلص من الرجل ويؤكد له أنه لم يسرق ولا يعرف شيء عن قصته التي يدعي سرقتها، لكن جون لا يرتدع عن التهجم وينوه مورتي بأنه سيعود، وفي كل مرة يعود بها مصيبة جديدة تقع على رأسه. يقرر رايني أن يثبت لهذا الرجل المخيف أنه لا يعلم شيء عن قصته بأن يحضر له المجلة التي نشرت قصته عام 1995 قبل أن يقوم جون شوتر بنشرها بسنتين، لكن كلما يحاول الوصول لنسخة المجلة الموجودة في منزل مطلقته، يعرقل طريقه عقبة غير متوقعة، ويقف أمام مبتغيه أفعال جون شوتر الغامضة والمريبة.

ومع أن الفيلم يستخدم أساليب تقليدية لصنع الإثارة (سماع أصوات مجهولة، صعود الدرج ببطء، التهرب من ارتكاب جريمة)، إلا أن (النافذة السرية) فيلم جيد جداً، ديفيد كويب المخرج والكاتب وصانع سيناريوهات أفلام مثل (طريقة كارليتو) ومؤخراً (غرفة الهلع)، يعتمد على التمثيل الخلاّق ويوفر التشويق بدرجة جيدة والرعب بدرجة أقل، مساحة الإثارة تتصاعد تدريجياً في هذا الفيلم ليس لأنها عادة سينمائية بل لأن الفيلم يتمحور حول شخصية فريدة، يحيط بها ظروف نفسية واجتماعية صعبة. في الواقع، الفيلم يعتريه بعض الجوانب من البؤس؛ فنحن نشاهد هذا الكاتب بتلك النظارات وأفكاره المتخبطة التي تعيقه عن الكتابة، بطريقة أو بأخرى نفهم أن هذا الرجل لديه مشكلة مع نفسه (لا عجب أن هذه الرواية من كتابة ستيفين كينغ، في بعض الأحيان تخيلت أنني أرقب كينغ بدلاً من جوني ديب، فانظر إلى براعة وتمكن كينغ بوصف شخصياته وحالاتهم العصبية).

أمر مهم في (النافذة السرية) يميزه عن أفلام الإثارة ذات التقلبات، أن عدد الشخصيات قليل، مما يصعّب على المشاهد تخمين الفاعل أو اكتشاف الغموض، لا يستخدم هذه المنعطفات الجديدة في القصة لزيادة حدة ومستوى الإثارة فيه وحسب، بل لتفسير مقصد رئيسي للقصة وطرح فكرة يصعب تقديمها إلا بهذه الطريقة، لكي نراها أمام ناظرنا على غفلة، تماماً كما يراها بطل الفيلم. ومع هذا، القصة في النهاية لا تفسر نفسها بشكل مباشر وهذا ما أعجبني، تبقى قابلة للتفكير وتوجيه الأسئلة، إعادة طرح وجهات النظر حول الأسباب التي أدت إلى مثل هذه التقلبات غير متوقعة. الشخصيات جميعهاً في هذا الفيلم تتعرض إلى ما هو فظيع أو أقل و أكثر بمراحل، لكن الفاعل هو الأهم وكيف ستتمحور حوله كل علامات الاستفهام.

الأكيد أن (النافذة السرية) ما كان لينجح من دون جوني ديب، المنوع إجمالاً باختياراته. وهو عادةً يستمتع في لعب الأدوار التي تلائم موهبته الحقيقية. مورت رايني رجل كسول، ينتابك شعور أنه لا يود الاستيقاظ من أريكته المهترئة ويعاني من الرد على مكالمات هاتفه الكلاسيكي. يمكن لديب أن يقدم التوتر القلق في آن، وأن يبتسم بشكل مريب في آن آخر، يأخذ هذه الشخصية بشكل كامل ولا يوفر عنها أي مجهود لأنها موجودة على ورق فيلم إثارة.

فد لا يوفر هذا الفيلم الإثارة الواضحة المباشرة التي اعتادها الجمهور في أفلام مثل (كشك الهاتف)، لكن لمحبي هيتشكوك بأبسط حالاته لديك هذه النافذة لتطل منها.

IMDB 

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: