التخطي إلى شريط الأدوات

Do the Right Thing – 1989

“I saw it but didn’t believe it; I didn’t believe what I saw. Are we gonna live together, together are we gonna live?”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 27 آذار 2003.

مشاهدة فيلم (افعل الشيء الصحيح) هي كزيارة حي سيء كنت قد سمعت عنه، ليتضح أنه أسوء مما كنت تتخيل. يقف هذا الفيلم لوحده كأحد الانجازات التي صنعها رجل يحب مدينته “نيويورك” بقدر ما يكرهها، رسالته نحو شعبه وناسه وطبقته من مجتمع يرفض أن ينظر إلى نفسه، شعبه الأسود الهائج المتفجر من غير حجة. قضية سبايك لي قوية لدرجة أن قيمة وذكاء مزجه ما بين الدراما والكوميديا والموسيقى تعصب العينين عن حقيقة أنك تشاهد فيلم سينمائي على الشاشة، فأنت لم تعد حيادي جانب، بل أصبحت أحد هؤلاء الشخصيات، لا يوجد مفر حتى للمشاهد من هذا السيناريو المثير للجدل.

يقول سبايك لي، الذي كتب وأخرج وأنتج الفيلم وهو في الثانية والثلاثين من العمر: “أنا رجل أسود، يجب أن أصنع أفلاماً عن السود”. وبالفعل، هذا الرجل صنع قصة ربما تحرج السود، لكنها لا تجرح كرامتهم، أهمية فيلمه هذا تكمن بقدر الوعي الذي يتمعته به في إيصال الأفكار التي تعاتب و تخاطب كل رجل أسود يغار على شعبه ويقاوم الجهل والصراع العرقي الذي لا ينمي سوى العنف اللامنتهي. الفيلم أيضاً لا يفصّل قضية غضب المواطن الأسود عن مشاركته الحياة لباقي الفئات من الناس عشوائياً، لكنه يمهد نفسه بطريقة غير مباشرة و ظريفة على أن السود لديهم كل العقل والفكر والثقافة، لكن المشكلة تكمن أنهم ينقدون جميع من حولهم إلا أنفسهم، الأمر الذي يحد من تطورهم وتقدمهم في الحياة العملية والإنسانية.

تدور أحداث القصة في مدينة بروكلين “نيويورك”، في أكثر أيام الصيف حرارة. نسير فيه خلال 24 ساعة وحكاية بعض الجيران المحليين مع بعضهم البعض وحياتهم الروتينية المضطربة والغليظة والظريفة. الإيطالي الأمريكي سال (داني اييلو) صاحب مطعم سال الشهير للبيتزا، الرجل بنى مطعمه على يديه ولديه تاريخ مع هذه المهنة لأكثر من 25 عام وفي نفس الحي، لقد عاصر سكان منطقته وشاهد الصغير يكبر والكبير يكهل.

يدير سال مطعمه إلى جانب ولديه الأكبر بينو (جون تورتورو) الغاضب والحانق دوماً، والأصغر الطيب غير الحقود فيتو (ريتشارد إيدسون). الاثنين لديهما أفكار وتطلعات مختلفة نحو بعضهما البعض وتجاه مجتمعهما ومستقبلهما الذي يعيشان فيه وإليه، يحاول بينو باستمرار أن يتزعم فيتو بحجة أنه يعرف مصلحته جيداً، يريد منه أن يبتعد عن السود وأن لا يستمع لأي من هرائهم، كذلك فهو يضع في حسبان والده هجرة هذا الحي الأسود والعودة إلى حيهم الايطالي الأمريكي.

يعمل لدى سال كذلك فتى أسود في العشرين من عمره يدعى موك (سبايك لي)، الفتى محبوب جداً في الحي وبين جيرانه وكافة الناس من الشيوخ والشباب والنساء، كيف لا وهو الفتى الذي يوصل طلبات البيتزا للبيوت. من أصدقاء موك فتى متعصب لعرقه – ينادد كل رجل أبيض يتعرض له حتى بشكل غير مقصود – يدعى باغين آوت (جيناكارلو اسبوسيتو) الذي يشكل معضلة وعقدة لحائط صور المشاهير في مطعم سال الذي لا يشمل أي صورة لرجل أسود “نريد صوراً لبعض الأخوة السود على الحائط”، فكلها صور لممثلين أو شخصيات عامة إيطالية أمريكية مثل “روبيرت دي نيرو” و “آل باتشينو”. صديق موك الآخر هو الضخم – لا يعرف المزاح – راديو رحيم (بيل نان)، الذي يجول شوارع المنطقة وفي أصبعيه خاتمي الحب والكراهية حاملاً جهاز الستيريو خاصته عارضاً للناس موسيقاه الخاصة التي لا يحب أن يسمع سواها.

صديقة موك هي تينا (روزي بيريز) تحمل عاتق ولده التي كانت انجابها له هي المرة الأخيرة التي وثقت بها في موك. من سكان الحي أيضاً، رجل مسن يلقب بـ”رئيس المنطقة” (اوس دايفيس) سكير يسير في الشوراع مراقباً الأرجاء وقاطنيها ويحاول إبعادهم عن الخطر، يعمل جاهداً على استقطاب أنظار امرأة عجوز أخرى تدعى بـ”الخالة” (روبي دي) لا تعيره كثيراً من الاهتمام. يشهد كل هذه العلاقات والأحداث صاحب راديو 108 FM لاف دادي (صامويل إل. جاكسون)، الاذاعة المحلية الوحيدة المتوفرة.

الأمر المبهر في (افعل الشيء الصحيح) أنه يخير المشاهد في طريقة مشاهدته وكيفية مآخذ نواياه: تستطيع أن تشاهده كفيلم ذو رسالة سياسية بحتة تناقش قضيتها بشكل مباشر، أو على أنه قصة درامية بسيطة خفيفة تأخذنا في جولة في أحد أحياء نيويورك الشعبية. أضف إلى ذلك أن الكوميديا الإيحائية في الفيلم – أو ربما الكوميديا السوداء – ممتعة ولها طابع ساخر كي تجعل الضحكة ذات فائدة في وجه الجمهور.

سبايك لي كعادته غير متهاون في كتابة حواراته وتصويرها، وإذا راجعنا أفلامه السياسية الأخرى أو التي ناقشت قضية العنصرية مثل (حمى الغابة) الذي تكلم فيه عن علاقة رجل أسود بامرأة بيضاء، و (مالكولم اكس) وهو سيرة حياة الزعيم المسلم الأسود مالكولم اكس منذ شبابه حتى اغتياله، نلاحظ أن سبايك لي لا يقدم أية حلول أو يثقل بظلاله على المشاهد، إنما هو يطرح الأسئلة ويعد مسرح القضية ويتلفت حول هذه الأمور. الرائع هنا هي جرأة لي اللذيذة في تقديم تقرير غير مباشر حول العنصرية في أمريكا.

وفقاً لأحد الكتب التي قرأتها للناقد العربي القدير محمد رضا: “اسم شركة انتاج سبايك لي تدعى (40 فدان وبغل)، والاسم يعود إلى أنه عندما نشبت الحرب الأمريكية الأهلية قام الاتحاديون (الذين رفعوا لواء تحرير العبيد) بحض السود على المحاربة إلى صفوفهم وذلك بوعدهم اعطاء كل محارب اربعين فداناً وبغلاً، اذا ما عاد سالماً. قلة من السود الذين شاركوا في الحرب وعادوا منها نالوا شيئاً من هذا”.

في كل مرة أشاهد فيها هذا الفيلم يراودني نفس التلميح الذي ربما أراد سبايك لي طرحه مجدداً عبر الجملة “عادوا من الحرب ولم ينالوا شيء من 40 فدان و بغل”، لأنهم هنا في هذا الفيلم اعتقدوا أنهم سيحققون شيئاً جراء ثورتهم الصغيرة هذه، بل هم على العكس، رجعوا إلى الوراء وزادت أضرارهم.

عامل آخر هام للغاية نجح سبايك لي في إبرازه، وهو قدرته على إظهار جميع صفات شخصيات فيلمه بالتفصيل، الحسنة والسيئة منها، لا يوجد أشرار أو أبطال بالمعنى المجرد للكلمة، لا توجد تفرقة ما بين الرجل الأبيض أو الأسود، الكل يبدي وجهة نظره تجاه الآخر، لا يوجد ظلم لأحد في حصوله على الوقت الكافي كي يعبر  عن نفسه، السيناريو الذي يستحق الفوز لا الترشيح للأوسكار فقط منصف جداً في دينامكيته الثرية بالأفكار.

لا أستطيع القول أن ما فعله سبايك لي في سينماه المستقلة وميزانيته الشحيحة غير مسبوق أو لن يكرر، لكن يمكن القول أنه فعل ما لم يستطيع أن يفعله أحد من جيله وعرقه: كتابة وإخراج فيلم يتحدى ويواجه الشعب الأمريكي الملون بواسطة براهين ودلائل واقعية طبيعية مقتبسة عن حياتهم التي يعيشونها وشوارعهم التي يسكنونها وأنفسهم التي يدمرونها. أعتقد أن سبايك لي يحاول القول: “دائماً افعل الشيء الصحيح”.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: