التخطي إلى شريط الأدوات

The Curious Case of Benjamin Button – 2008

أحبُكِ جداً !
وأعرفُ منذُ البداية بأني سأفشل
وأني خـلال فصُول الرواية سأقـتل
ويحُمل رأسي إليكِ
وأني سأبقى ثلاثين يوماً
مُسجـى كطفلٍ على رُكبتيكِ
وأفرح جداً بروعة تلك النهاية
وأبقى أحبُكِ
أحبكِ جداً…

– نزار قباني.

“You never know what’s coming for you.”

بقلم مهند الجندي.

 – بنجمن: “كنت أفكر كيف أن لا شيء يدوم، ويا له من أمرٍ مؤسف.”

– دايزي: “بعضُ الأشياءِ تدوم”.

 الطريقة التي تتقلب بها صفحات وعقارب أحداث فيلم (حالة بنجمن بتن الغريبة) للمخرج ديفيد فينشر أمام أعيننا كألبومِ صورٍ صامت ينطق وينقر بتحارب بطله الفريدة، هي الوسيلة الأنسب تعبيراً والأفصح سرداً للحالة الغريبة التي عرفها بنجمن بتن، بين شيخوخة طفولته وأرجحة شبابه وصولاً لتيه نهايته. بيد أن الحياة طبيعةً كانت أم مقلوبة، تبقى الحياة نفسها، متحديةً وقاسية وموجعة، ودوماً، مهما كانت حالة بطلها، غريبة. إنها غرابة توضح كيف سبحت إيلازبيث – وعكست عقارب الساعة – وحققت حلمها بهذا السن، كيف رقصت دايزي – والحياة – على قلب بنجمن بتن، وكيف تمكن ديفيد فينشر – وكاتبه إريك روث – من إخراج هذا العمل بفحوى قصة إف. سكوت فتيسجيرلد القصيرة عن آلام العمر وبهجته ومقياسه الزمني الوهمي بهذا الوزن، وباستخدامٍ غير مسبوق لأدوات الفن.

 يصل هذا الاستخدام السردي المبتكر الذي ينتهجه ديفيد فينشر طوال مدة العرض إلى الأوج في الفترة التي يعود بها بنجمن من الحرب ويلتقي بدايزي – “أجمل امرأة شاهدها في حياته” – المفعمة بذات الحيوية التي تركها بها وهي طفلة، والآن تعمل جاهداً لتصبح راقصة مشهورة، ولا تكل الحديث بشغف عن موهبتها وما يعنيه الرقص لها. لا يمانع بنجمن الإصغاء لكلامها طبعاً، بل في الواقع يستمتع بحديثها عن أمور لا يفقها، يستمتع بالتأمل في دايزي الجريئة “أنا كبيرة لفعل الكثير من الأشياء”. بيد أن المشهد الذي يجمعهما ويرينا صعود ديزي الرشيق داخل مجسم معماري بديع الشكل ينقل موهبة فينشر وأبعادها إلى ذروتها المقصودة. فقد عرف بنجمن سنيناً طويلة بعيداً عنها، ونال قسطه من مفارقات الحياة، قبل أن تجرفه إليها مرة أخرى، لكن الوقت هذه المرة لم يكن في الحسبان.

 تنفرد دايزي بالرقص تحت هذا القوس المزخرف الجميل، فتشرع بنزع حذائها دون علمها بأنها ستخطو فوق ما يعتري بنجمن من أحاسيسٍ مكبوتة تكاد تغافل عينتاه اللتان يعمد فينشر بالتركيز عليهما بحذر، فتتشكل ملامح المكان كأبيات من الحب – بوقع أصداء الموسيقى المجاورة للأجواء والمونتاج الدقيق – على أنه حياة بنجمن قاطبة جامحة برغبة احتضانها، والأرضية التي تهبط عليها قدماها برقة هي قلبه الملهوف، وتموج جسدها وكلماتها ينسلان عنوة بين جوارحه، بينما الدخان الذي يظلل المشهد من الخلف هو أنفاس بنجمن الثائرة الحائرة في صدره. ينتهي المشهد بقول بنجمن: “الفرص تحدد حياتنا، حتى تلك التي تفوتنا.” فهو ليس مستعداً بعد للمرأة التي غيرت حياته من اللحظة الأولى، يريد مقابلتها بالعمر الملائم، ودايزي تعامله بما يمليه عليها فكرها وهي بهذا السن.    

 هذه المعالجة المكبوتة لما يجول فعلاً في خاطر بنجمن هو الأسلوب الذي يثير حماس ديفيد فينشر عادةً في سرد قصصه السينمائية، لا بل أن اختياراته من مواضيع تبرز مفاضلته للنقل القاسي الإيحائي عبر الحوارات والصور أكثر من ذلك النهج المباشر الذي يرضي رغبات المشاهد أو ما اعتاد مشاهدته مراراً في الولايات المتحدة. ومع أن الفيلم ينتمي إعلامياً لإصدارات هوليوود الكبرى، إلا أنه يظهر بخصائص توحي بإحكام رؤية المخرج الخاصة ورحمة قبضته المطلقة، وذلك في كافة مشاهده. يعود هذا لمهارة فينشر أولاً ولارتياحه للمادة التي عمل بها لسنوات طويلة مع الكاتب إريك روث قبل أن ينضج لها تماماً وتخرج لنا بهذه الصورة ثانياً. وذلك المشهد الضيق بخنّاقه على روح بنجمن، ومعالجة فينشر عموماً بطبيعة الحال، هو استمرارية للتقنية التي عمل بها طوال مسيرته؛ بدءً من الجزء الثالث من سلسلة (الكائن الغريب) عام 1993 – أول أفلامه – والذي تعمد به كما سيفعل ضمن مجمل مشاريعه بأن يصور عاملين اثنين: الدخيل المغير القادم من بعيد، ومعالم المجتمع قبل وأثناء وبعد ذلك التغيير.

 فاستهلال فينشر لمسيرته مع الكائن الغريب بعد سلسلة من الإعلانات والأغاني المصورة لمجموعة من أشهر المغنيين الأجانب، لم يكن من محض الصدفة، إنما هو خيط يوصلنا لشغفه بعرض قلب الصورة عن قالبها، فأصر أن يقدم هذا الكائن بين شخصيات ذلك الجزء على أنه مرضٌ خبيث يهتك وينخر بعظام أبطال الفيلم أكثر من ترك الكاميرا تلتقط قوته وفظاعته. وكثيراً ما قام المخرج بذلك، فنحن لا نرى المجرم يقترف أفعاله أبداًَ في فيلم (الخطايا السبع) عام 1995، بل نتأمل بآثارها وحكمتها على الجدران بين أرجاء مدينةٍ يخيم عليها اللون الداكن الممطر المتداعي ربما بنفس العتمة التي تلف جرائم جون دو الذي جاء من بعيد ثائراً مشمئزاً للمجتمع المحيط فيه، حاله من حال المحقق المقبل على التقاعد لذات الأسباب. بينما مثلاً في (اللعبة) عام 1997، نشاهد ذلك الدخيل المغير وهو يطارد قريرة البطل الهارب من مواجهة خصاله وماضيه العائلي المفكك، وكذلك (نادي القتال) عام 1999 الذي يعرض نفسية شخص انفصل عن ذاته بعد أن قتلته الماديات واليوميات منغمساً بما فُرض على الفرد الأمريكي المستهلك والمسير لكل شيء ما عدا اكتشافه لكينونته الضالة.      

 دون إغفال أن اللص الدخيل في (غرفة الهلع) عام 2002 هو أيضاً المنقذ، وأن جُل أحداث (زودياك) عام 2007 تشرح تفصيلاً تدريجياً حول تبعات التحقيق عن مجرم متسلسل في حياة ثلاثة أشخاص دونما اكتراث حقيقي من المخرج بتكتيك القاتل نفسه تجاه ضحاياه. إلا أن أي من تلك الأفلام التي سبق لفينشر إخراجها كان قد وعد متابعيه بما سيحتويه فيلم (حالة بنجمن بتن الغريبة) من تعقيدات بصرية وفلسفة فكرية طموحة؛ بنسجه لمفهوم أدبي خيالي للغاية من الكاتب إف. سكوت فتيسجيرلد ونقله على الشاشة بجدية فائقة، وتحقيق معادلة يصعب غالباً إدراكها: الخيال الجامح يتحول إلى واقع حارق يمكن للمشاهد التعاطي معه وقياسه على نفسه. تمعن جيداً كذلك في ملامح وجوه مجمل شخصيات الكاتب إريك روث الشهيرة من إدي سانغر، السيد جونز، فوريست غمب، ساعي البريد، توم بوكر، جيفري وايغاند، محمد علي كلاي إلى آفنر، تجد أنها صفحات بيضاء – تماماً كتعاليم وجه وأداء براد بيت هنا – كمسوداتٍ خام تخطط بسطور ذلك المجتمع إما الملون أو الغائب أو المتناقض أو الفاسد أو الغريب، وهم دخلاء قادمون بلك التغيير أو متعرضين إليه.

 وإن كان أسلوب ديفيد فينشر يقوم على حل عقدة أبطاله عن طريق الأحاجي والألغاز والألعاب والغموض المفزع، فهو هنا يقفز إلى الضفة الأخرى من خرير شغفه كمخرج ذو مساعي شاهقة التعبير عن ما يجول في قصة الكاتب فتيسجيرلد الكلاسيكية الصادرة في العام 1921، ويتكاتف مع السيناريست إريك روث بخلط قشرة هذه الدنيا ولُبها من حياة وحب واشتياق ولوعة ونضج وفرص وعائلة وأطفال، وذلك الشعور المهيب الحاضر بأن “الموت” هو بحق أقرب عليك من حبل الوريد. كيف لا والفيلم يقول ذلك في كل مشهد. يفتتح مجرياته والأزرار بألوانها وأحجامها تتساقط كأوراق الخريف على علامة شركة الأخوة وورنر، وصوت جهاز مراقبة قلب دايزي (كيت بلانشيت) يستهل المجريات كعد تنازلي وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة على فراش الموت لتستعرض رحلتها العجيبة مع بنجمن بتن (براد بيت) على مسمع ابنتها كارولاين (جوليا أروموند) التي تجيب والدتها عما تنظر إليه: “يقولون أن ثمة إعصارٌ قادم”. الإعصار سيحضر معه الموت لا محالة، أما دايزي فتسأل بفضول: “ماذا بعد ذلك”، ماذا يأتي بعد الموت.  

 تعلُمنا دايزي أنه في العام 1918 قام أمهر ساعاتي موجود ويدعى السيد غاتو بصنع ساعة مدهشة شكلاً ومضموناً، وهو الذي فقد والده في الحرب العالمية الأولى، فقرر صنع ساعة تسير بعقاربها إلى الوراء بأمل يائس منه لعلها تعيد له ولغيره أولادهم اللذين ماتوا في الحرب. وتبدأ كارولاين بسرد حكاية بنجمن بتن من المذكرات التي سجل بها محطاته حول العالم وما تعلمه من أولئك الذين قابلهم. فقد جاء بنجمن من الموت أيضاً، والدته وضعته مفارقةً الحياة، أتى رجلاً “وحيداً ودون شيء.” ولا يملك سوى قصته هذه. لقد اكتسب بنجمن معاني حياته من عطف أمومة كويني (تراجي هنسون) المرأة التي تلقته من أعتاب منزلها بعد أن تخلى عنه والده ثوماس بتن (جيسون فلامنغ). وتلقى أدب شكسبير من تيزي ويذيرز، وفهم حدود الوحدة من السيد أوتي، وتعلم البيانو ومسؤولية الحياة من سيدة لا يتذكر اسمها، وتذوق طعم الرجولة والفن وتسليم أمرك في النهاية إلى القدر من القبطان مايك (جاريد هاريس)، وقيمة التواصل العاطفي وتحقيق الذات من إيلازبيث آبيت (تيلدا سوينتن). غير أن الشخص الذي غير حياته إلى الصميم كانت فتاة صغيرة وضع نظره عليها لأول مرة وهي ترقص بعذوبتها على العشب الأخضر قبل أن تجري باتجاهه بعينيها الزرقاوتين وشعرها الأملس الأحمر. فتشكلت حياته الغريبة من أغرب الناس أيضاً، فأنت “لا تعلم أبداً ما هو آتٍ إليك.”

 المفارقة هي أن بنجمن نفسه، وبحالته الغريبة هذه، قد أدخل التغيير على حياة أبرز هؤلاء وأكثرهم خلطةً معه بطريقة أو بأخرى، فكويني احتوت طفولته لأنها حُرمت من الإنجاب لفترة، فكان لها ابناً وحياة نابضة بين هؤلاء العجائز وكل هذا الموت. وإيلازبيث كانت بروح ذابلة ووحيدة قبل تعرفها على بنجمن وتبادلهما الحديث وممارسة أصغر الأشياء وأكبرها، فتورد وجهها وانبعثت بها الحياة من جديد وحققت حلمها. ومع القبطان مايك كان هو السباق دائماً في التطوع للعمل معه حباً به وباكتشاف المغامرة والحرب بسنه غير الملائم، فدفع غيره من الشبان للصعود على متن سفينته. يشدد الفيلم أيضاً على أن تأثير تجارب المرء وما تصقله فيه تغير أشكال أمكنةٍ وشخوص كان قد حفظها طوال حياته، فلا تعد كما عرفها من قبل، بل تكتسب أبعاداً ومعانٍ أخرى يحضرها معه بنجمن بمنظوره المكتسب عبر تلك المحافل التي مر بها.       

يتكفل ديفيد فينشر بعرض هذه الشروح حول الحياة والموت بين كلام الصورة وتعابير الشخصيات، منها الواضح المدوي ومنها الصغير الخفي الذي يعبر بموضات سريعة قد لا تسترعي انتباهنا إلا بعد محصلة القصة، كشريط ذكريات نتأمل به دون حول لنا ولا قوة. حتى رجوع الأحداث إلى المستشفى يحصل بعفوية مفرطة وحساسة، فالنسق السردي للفيلم برمته يسير بهدوء مريح وذكي يعكس ثقة المخرج بنفسه وكثافة المادة التي يقدمها مما يخدم الموضوع بكل تقنياته الدرامية ومؤثراته الخاصة. راقب مثلاً كيف يجدف السيد غاتو بحياته في الزورق، ونهايته تبدو عند نهاية الصورة، انتبه كيف يتكفل سكون المكان ببدء التعارف بين بنجمن وإيلازبيث، وملامح وجهها توحي ببرودة أيامها، والتأكيد مجدداً على عدم وجود حدودٍ زمنية لتحقق ما تريد، وتلك النظرة الخاطفة التي يرمقها بنجمن إلى إيلازبيث حين تسأله عن سبب أرقه فيجيب: “شيء ما منعني من النوم.” وهي طبعاً السبب. أما بقية الحوار، فصلبه يتمحور كذلك حول الحياة والموت والحب.   

 طالع جيداً كيف نشاهد دايزي تقرأ واحدة من بطاقات بنجمن وترقص سعيدةً لسماع أخباره، وفي اللحظة تنتهي بها وصلتها وننتقل للمشهد التالي، تتلاشى صورة دايزي بروية ويبقى خيالها عالقٌ بأذهاننا في منتصف الصورة بين بنجمن وإيلازبيث. هذه الطريقة يستعملها فينشر ومحرريه مراراً لبقاء ألبوم المجريات هذا على نسق واحد يعطي الفيلم هويته وترابطه المناسبين. لكن مشهد عشائهما يشدد على ذلك مرة إضافية، حيث تقف الكاميرا أمامهما بينما يتوسطهما شمعدان أصفر، وكأنه طيف ثابت في ذهن بنجمن عن دايزي التي لا تفارق مخيلته ويواظب الكتابة لها أينما حط واتجه. ليس من الغريب إذاً أن يعمل محررين اثنين في العمل وهما كيرك باكستر وأنغاس وول، فثمة فصول عديدة لتغطيتها والحكاية تحتاج دائماً لحيوية تعيد شحن الجمهور واستقطاب انتباهه، وتوظيف محررين يوفر تلك الطاقة المزدوجة حتى لا يفقد الفيلم شيئاً من نسقه السردي المقصود.

 مغازلة الفيلم المستمرة لمواضيع الحب والزمن والحياة والموت وما بينهم من قضاء وقدر تحفوها المنطقية والقوة العاطفية رغم أن حالة بطلها الرئيسية مصدرها الخيال، وهو أهم إنجاز يحققه طاقم العمل ككل. مدير التصوير الشاب كلاديو ميراندا، الذي عمل مع فينشر في معظم أعماله السابقة في قسم الإضاءة والتصوير، ينفذ رؤية المخرج بمساعدة قسم المؤثرات الخاصة بجعل الصورة تتجاوز أدوار الممثلين وحواراتهم وتلمس الشخصيات وأحاسيسهم وبالتالي مشاعر المشاهدين مباشرةً، وذلك بمزجه بين الزوايا الكلاسيكية البعيدة العامة وبألوان تارةً ساطعة مخملية، وجافة وحادة تارةً أخرى. لكن بالنظر لفيلم بهذا الحزن ويحتوي على كم عالٍ من التحديات والأوجاع، فإن ألوانه غالباً ما تعد بمصير حتمي قادم، أحلك فترات الفيلم على سبيل المثال، ودايزي ترقد على السرير وتستمع لصوت ابنتها والإعصار يتربص لحياتهما، يغمره لونٌ سماوي باهت، كاضمحلال لون بشرة دايزي وساعاتها القليلة المتبقية. حالها من ألحان الموسيقي الفرنسي أليكساندر ديبلا، والتي تبدي تعليقها على المشاهد من بعيد، تطل حيادية ورقيقة الحضور، وتقص هذه الحكاية على طريقتها الخاصة.

 الأمر المبهج لنا، الفريد كوصف دقيق، هو بساطة وسلاسة عرض ديفيد فينشر لأكثر المشاهد قسوة، كمناقشة بنجمن ودايزي حول طفلهما القادم وقلقه إن كان سيولد بنفس حالته؛ تطلعه دايزي بالخبر وهي تناظره بالمرآة، ويجلسان في مقهى عام صغير لتناول البوظة والحديث عن المسألة. نعلم طبيعياً أن المفترض من مثل هذا المشهد الدرامي على وجه التحديد، هو التضحية وفقدان بنجمن لشعور الأبوة شيئاً فشيئاً، غير أن فينشر يتناوله بعمومية رزينة بدمجه التلقائي لحكاية إيلازبيت وما صنعته بهذا العمر، أو كما تقول: “كل شيء ممكن.” فينشر وكاتبه روث يقدمان الأمل لبنجمن ويختم فصل فقدانه لمآل إيلازبيث في نفس اللحظة، بصرياً وعاطفياً للجمهور. فتسأله دايزي: “هل أنت جاهز.” والجواب “نعم” تنطق به حواس بنجمن جميعها. إنها الصناعة السينمائية بأذكى أشكالها.   

 كما أن علاقة الحب بين بنجمن ودايزي غير اعتيادية أبداً، وليس بسبب حالة بنجمن الغريبة وحسب، بل في الطريقة التي واكبا بها تقدمهما العمري؛ حيث بدء معهما منذ صغر، وانتهى كذلك، وجمع بين كافة تقلباتهما الزمنية. دايزي لا تزال تحبه وتغار عليه حتى بعد رحيله ومن كلامه في البطاقات عن إيلازبيث أو النساء اللواتي عاشرهن. بيد أن أكثر المشاهد ربما تحريكاً للمشاعر، هو ذلك المونتاج للبطاقات التي خصّها بنجمن لابنته التي حُرم منها، وحقيقة أنه قابلها لأول وهو ربما بنفس عمرها:    

 “لم يفت الأوان أبداً كي تحققي ما تريدين. فلا حدود للزمن، يمكنكِ التوقف حينما تشائين. يمكنكِ التغير أو البقاء على حالك، فلا قوانين تتحكم بذلك. يمكننا الاستفادة منها أو هدرها، أتمنى لك الاستفادة منها. أتمنى أن تري أشياءً تفاجئك. الشعور بأشياء لم تعرفيها من قبل. وأن تقابلي أشخاصاً بوجهات نظرٍ مختلفة. أن تعيشي حياةً تفخرين بها، وإن اكتشفت عكس ذلك، أتمنى أن تمتلكِ القوة للبدء من جديد.” – بنجمن بتن.

 بجهود طاقم التمثيل المبهر، وعمل قسمي الديكور والماكياج عموماً، تتمكن نهاية الفيلم من تجسيد قدرته على سلسلت وتخدير تفرقتنا لما هو خيال أو حقيقة، فيندمجان معاً لنتفهم رسالة هذا العمل مفيدةً بأن استحالة الأشياء وغرابتها تكمن في النفوس التي تخوضها وليس ضمن تلك الأشياء نفسها. وحتى ذلك المشهد المضني التي تحمل بها دايزي بنجمن – وحياتها – بين ذراعيها فوق ركبتيها بين أحضانها متأملةً في الحياة التي رقصت عليها في يوم من الأيام وغيرتها كما لم يفعل معه أحد، فإنه حتماً موت لحب لا يمحى من ذاكرة الزمن، حتى تأتي مياه الإعصار وتجرف معها كل شيء، وتستهل بتلك الساعة العكسية القديمة، ليطول في النهاية كل الأشياء. وإلى أن يحدث ذلك، فالحب وحده، لا يفنى ولا يزول، تماماً مثل هذا الفيلم الغريب بقيمته وأسلوبه الفينشري الخاص.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: