التخطي إلى شريط الأدوات

Hancock – 2008

“Call me crazy one more time.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 10 أغسطس 2008.

 بطل خارق سكير ومخرب وسليط اللسان يلعب دوره ويل سميث بخفته وحرفيته المعهودة. ماذا لو كان هذا البطل الخارق هو أكثر الأشخاص إزعاجاً وفظاظة؟ يعيش في عالمنا كمواطن اعتيادي بماضي تعيس غامض ويتواصل معنا وهو يعاني من حاضر أكثر تعاسة، ولا أحد منا على علم بذلك. يقدم الفيلم فكرة تبدو جديدة في تركيبتها داخل القصة، أن يكون البطل الخارق واعي للحياة اليومية الروتينية للبشر ويمارس مهامه بملل وتذمر رافضاً إلا أن يكون على طبيعته حتى لو كلفه هذا الأمر سمعته ومحبة العامة له. يوعد (هانكوك) للمخرج بيتير بيرغ الجمهور بالكثير في الساعة الأولى، إلا أن بيرغ صاحب كارثة العام 2007 (المملكة) ينهي ويفسد آمالنا بمشاهد حركة محبطة وغير مثيرة وأشرار مضحكين (ليست مديح هنا) بالإضافة إلى نهاية ركيكة الصنع على الرغم من ثراء الفيلم باللمحات ذكية.

 نعم لمحات ذكية، لكنها تبقى لمحات وهنا خيبة الأمل. تشترك ربما جميع قصص الأبطال الخارقين بموضوع ورسالة واحدة: يجب على البطل الخارق أن يتقبل حياته ويعيش معها بسلام حتى يهدئ باله ويجد مكانه الحقيقي بين البشر. يعاني هانكوك كثيراً من هذه المسألة، يعيش جحيم داخلي ويحاول الفرار منه عن طريق الكحول وعدم الاكتراث بآراء الآخرين. الجديد في سيناريو فينسينت نغو وفينس غيليغان (غير مقتبس عن أي قصص مصورة لأبطال خياليين) يكمن في أنه مقنع بساعته الأولى بتصوير شخصية البطل ومراحل اكتشافه وتشبثه بهدف تمتعه بهذه القوى الخارقة ولماذا عليه أن يوظفها بأساليب تخدم الشعب 100%. يتفهم هانكوك شيئاً فشيئاً أن بوضعه كبطل ومنقذ لأهل المدينة، يجب أن يكون قدوة لهم ومصدر أمان وإلهام في تضحية وتفاني الفرد من أجل الجماعة.

 تدور أحداث الفيلم في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، ويحميها البطل الخارق هانكوك (ويل سميث) المدمن على الكحول والذي يعاني من إحباط وكآبة مزمنة لأسباب يجهلها عامة الشعب. يتمتع هانكوك بأسلوب خاص بطريقة تصديه للأشرار والأشخاص الذين يهددون أمن المدينة، يقوم بالتصرف كما يحلو له وكأنه يصب غضبه الداخلي بالتخريب، فلا يتوانى عن تدمير أي شيء أمامه حتى وإن كانت من ممتلكات العامة مثل السيارات والبيوت والمباني والجسور الخ. تثير تصرفات هانكوك ضغينة السكان، خاصة أن لسانه وشخصيته لا يكترثان بمحبة الناس أو التدخل في أسلوب عمله، كما أن الحادث الأخير له تسبب بأضرار مادية قياسية تقدر بملايين الدولارات.

 وعلى الرغم من إنقاذه لراي إيمبري (جيسون بايتمان) من قطار كان سيؤدي بحياته، إلا أن سكان المدينة باتوا يفضلون إبعاده عن أنظارهم وأعماله البطولية التي باتت مصدر إزعاج وخراب لحياتهم. يعرض راي فكرة قد تساعد هانكوك في تغير حياته ونظرة الجميع له بأن يقدم نفسه للشرطة ويقضي بعض الوقت في السجن، كي يقوم بالتخلص من الكحول وكبح جماح غضبه وينتظر الفرصة كي يثبت قيمته وأهميته لهذه المدينة. تأتي هذه الفرصة ومعها مفاجآت لن تخطر على بال أحد من ضمنها سر عند زوجة راي، ماري (تشارليز ثيرن) كانت تحتفظ به منذ مدة طويلة.

 يتضح بعد مرور الساعة الأولى أن هناك فرق واختلاف في النوايا والتطبيق. كتابة شخصية بطل خارق بمثل هذه المواصفات الغير تقليدية، وبناء التنافر ما بينه وبين الناس مع تأكيد صراعه الشخصي الداخلي لا يتماشيان مع الجزء الأخير للفيلم. وكأن منتجين المنفذين خشوا من أن فكرة بطل سوداوي (الخصال وليس البشرة) يعاني من مشاكل نفسية قد تبعد الجمهور إذا ما استمرت طوال الأحداث فقرروا الاستعانة بالتقليدية أفلام الحركة وملأ النهاية بمشاهد تفجير وعراك مبالغ بها كي تفرح محبي الخيال العلمي والمؤثرات الخاصة وبالتالي تحقق الإيرادات المطلوبة. لطالما كان المخرج بيتير بيرغ شخص لا يعتمد عليه، غير كفؤ بكلمات أقل، ببهرجته للصورة على حساب المضمون (ربما يسير على خطى مايكل باي)، وقلة حيلته بابتكار صور مؤثرة عاطفية أو نقل شخصيات حقيقية تشعر أنها تتفوه بكلام يمكن تصديقه.

 إيقاع ويل سميث السينمائي بات يتأرجح بشكل منتظم في السنوات الأخيرة ما بين فيلم صيف حركة ساخن أو كوميديا رومانسية بحته مع فيلم درامي جاد عادة ما يصدر أواخر العام. بطولة مثل هذا الفيلم تمثل الفرصة السنوية لويل سميث كي يترك بصمته على ساحة الحركة، والنجاح الذي يحققه في شباك التذاكر يثبت أن الجمهور يتبع الممثل أينما ذهب وكيفما ظهر، لكن فنياً، سميث كان قد قدم هذه المساحة من التمرد والقوة من أفلام سابقة أكثر جودة. الجيد هو اجتماعه مع جيسون بايتمان، الناجع كوميدياً بتهكمه الظريف تلفزيونياً وسينمائياً. المنعش في المشاهد التي تجمع بين الممثلان أن هناك حاجة مشتركة بين الشخصيتان، يتناولها ويستفيد كل واحد من الآخر بطريقة غير مباشرة. لا تخرج هذه المشاهد بكوميديا تستدر الضحك أو دراما تستخف بالعقل، بل تشعر بعامل إنساني برغبة أن تكون مقبول في عملك وبين الأشخاص الذي يحيطون بك. تتميز تشارليز ثيرون دائماً بإطلالة مشرقة، لجمالها وعبق إيصالها للجمل التي تنطق بها. ربما في النهاية ستشعر بألم وصعوبة المحافظة على سر بأهمية السر التي تحتفظ به خاصة مع اكتشافك سبب كتمانها له.

 أحد الأسباب الرئيسية لإحباط الفيلم هو المؤثرات الخاصة ومشاهد الحركة التي يقدمها. ثمة دائماً الكثير من الضجيج في مثل هذه الأفلام، لكنه عندما يكون ضجيج فارغ وتشعر بتكراره يصبح مصدر للسئوم. تمر بعض الفترات فتشعر أن المخرج قد افتقد للإلهام كي ينوع أكثر في هذه المشاهد، خاصة وأن الفيلم لا يملك شخصية شريرة حقيقية مهمة. عندما ينتهي مشهد حركة ما لا يغرمك اشتياق كبير لمشهد مشابه آخر أو تعجب عن كيفية صنعهم له، بل ربما تتعطش للمواقف الدرامية أو الطريفة التي تجمع بين الشخصيات من حين لآخر. تعتمد مشاهد العراك على ويل سميث كثيراً وعلى حبنا له كي يخلص الموقف، تنجح تعاليم وجه سميث البائسة برفع مستوى الأدرنالين في عروقنا أكثير أحيانا من تصديه لقطار مسرع بقبضة يده.

 إذا استطعت مسامحة أو إغفال العثرات الإنتاجية والتنقية للفيلم، قد تخرج بتجربة مسلية ومنعشة، خاصة أن مدته لا تتجاوز الساعة والنصف (الجزء الأخير يبدو أنه من صنع المحرر وليس المخرج) بالإضافة إلى مفاجأة من العيار الثقيل. من الجيد أن تكتشف أنك تنتمي إلى هذا العالم، وأن تجد مكانتك وهويتك فيه، حتى وإن كنت بطلاً خارقاً لا يقف في وجهك أحد. يقترح الفيلم أن البطولة تظهر وتتجلى وتأخذ شكلها المناسب عندما يتعرف هذا البطل على ماضيه ويقبل بحاضره ويتهيأ لمستقبله وهو يعيش بين البشر مقتنعاً أنه لا يختلف بشيء عنهم، فالجميع يحتاج للقبول من الناس حتى الأبطال الخارقين من نوع المتمرد هانكوك.

IMDB

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: