التخطي إلى شريط الأدوات

The Wrestler – 2008

“إني كقطعة لحمٍ بالية ومهملة.”

“.The world don’t give a shit about me” 

 بقلم مهند الجندي.  

أتمنى أن يسايرني القارئ بفعل الآتي: قم بإعادة تشغيل فيلم (المصارع) للمخرج دارين أرنوفسكي بعد الانتهاء من مشاهدته الأولى، واستخدم هذه المرة سماعة الأذن وأطفئ الإنارة، وابدأ مشاهدتك من اللحظة التي تنزل بها ستيفاني من الحافلة وترى بأن والدها ينتظرها أمام شقتها؛ ستجد أن الدقائق الست القادمة هي التي صارع من أجلها راندي طوال حياته. هذه اللحظات التي تجمع بينهما على انفراد، بالقرب من بعضهما، تبدو وكأنها من فيلم آخر كلياً عن ما رأيناه من أحداث سابقة، وهي بذات الوقت، الفيلم كله.

 باستعارة الحلم ومجازية التمني: يستهل المشهد بتقديم راندي هديته “اللامعة” لابنته، لكنه فعل حسناً واشترى هدية ثانية احتياطية في حال لم تعجبها الأولى، وبعد تقبّلها للهدايا ولمرافقته إلى مكانهما “المفضل” القديم، نشاهد سيرهما بعيداً في بؤرةٍ لا يزورها سواهما، قبالة أوتار البحر والطيور تهمس في آذاننا لحن براءة المشهد، يجلسان وجهاً لوجه، على حافة السور، وهي بنحوٍ ما، بداية الفيلم الحقيقية، فراندي والمشهد بمجمله على حافة الانزلاق والاعتراف: “إنني كقطعة لحم بالية ومهملة.” فلا تكرهيني.

يدخلنا المخرج أرنوفسكي من وسط هذه الجلسة، ويبدو من ملامحهما أنهما قد تبادلا أطراف الحديث من لوم وعتاب وندم وذكريات مضنية ومفرحة، لكن المخرج يصبو لما هو أبعد وأصعب من ذلك. نسمع موج البحر يضرب الصخور من خلفهما، ويجرف معه ما يشعران به تجاه بعضهما من حاضر مفكك، فهذه الخلفية التي تجاور وجهيهما تنقل لنا مراد وأعماق نفسية راندي. كالبحر دون نهاية، يتأمل في وجه طفلته ويطلب مسامحتها، يُخاطب الطفلة الصغيرة التي كان قد عرفها وهجرها دون أن ينتظر ردها، بل يدمع ويبتسم لإيماءة تحكي له كل شيء عن حبٍ غير مشروط، وتعكس سعة قلبها الكبير بحجم ذلك البحر. وفور انتهاءهما، يتوجهان إلى مبنى لكازينو مهجور، فتهرع ستيفاني باللحاق بوالدها، مع أوتارٍ الغيتار، وتتشبث به كما عرفت في صغرها، وتداعبه بركلها لأحد الأبواب كما يفعل هو عند دخوله لحلبة المصارعة، فيكتشفان أنها غرفة احتفالات قديمة، ليرقصان سوياً على نفس أنغام الغيتار. نلحظ أن راندي لا يشيح بنظره عنها، بينما ستيفاني تُعلن عن حضور والدها في حياتها من جديد: “يمكنك أن تقود الرقصة، فلا يعيبك شيء…”. شكراً ستيفاني.

 كتب الدكتور إبراهيم الفقي في أحد كتبه: لولا وجود عكس المعنى لما كان لمعنى معنى؛ فهذا يعني أنه لو كان هناك أمور لا يوجد عكسها فلن يكن فهمها ممكناً، وإن لم يكن هناك تحديات لا يمكن أن تشعر بالخير، وإن لم يكن هناك مرض لما شعرت بالصحة، وإن لم هناك فشل فلن تشعر بطعم النجاح. وهذه الدقائق الست، هي أكثر المشاهد التي صورها المخرج دارين أرنوفسكي عمقاً وشاعرية، دون أن يكون بالضرورة شاعري الأسلوب أو مستدراً للأحاسيس العميقة، ليس فقط لصدق تعبيرها وبساطة تنفيذها، لأنها أيضاً تعاكس ما شهدناه قبلها لأكثر من ساعة وعشر دقائق من عنف وتعري وألم ومعاناة. أما ستيفاني فهي الحافة التي تفصل بين راندي وبين الفشل المطبق الذي يحوم فوق رأسه طيلة الوقت، سواء في رياضته التي كادت أن تودي بحياته أو في علاقته البائسة مع امرأة تربي ابنها باستغلالها لميزاتها الجسدية كما يفعل هو تماماً.

 كان راندي “الضارب” روبنسون (ميكي رورك) في يوم من الأيام، في ثمانينات القرن الماضي على وجه الخصوص، أشهر وأهم مصارع في العالم، أما الآن فقد تغيرت أحواله المهنية والجسدية، على الرغم أن لا يزال يقف على أطلال تلك الحقبة الذهبية لمسيرته الاحترافية. ويتضح من استمراره في مزاولة لهذه الحرفة أنه لا يجني ما يكفيه من المال للمواظبة على دفع إيجار مقطورته البسيطة، وجمهوره الكبير قد تلاشى منذ زمن، وبدنه لم يعد يقوى على تحمل الضربات كما كان في السابق، فيعمد على ضخ الأدوية والعقاقير في جسمه ليتناسى الآلام. ومن أجل الحصول على المزيد من المال، يعمل راندي بحمل وتخزين البضائع في أيام الأسبوع، ويصارع في عطلته. والاتصال الوحيد الذي يملكه مع العالم الخارجي يجمعه براقصة تعري بأحد النوادي الليلية اسمها كاسيدي (ماريسا توماي)، حيث يزورها بين فينة والأخرى، بيد أن علاقتهما هي أكثر مما يفصحان عنه لبعضهما. وتقنعه كاسيدي بعد تعرضه لأزمة قلبيه حادة جراء خوضه لمباراة عنيفة شاقة أن يزور ابنته ستيفاني (إيفان رايتشل وود) وعقد مصالحته معها، لكن الأمر لن يكون سهلاً عليهما أبداً. 

   بالطبع، في جوهر الفيلم رسالة تدور حول عالم المصارعة والمصارعين، ومدى مصداقية وتفاني محترفيها؛ فعلى الرغم أن الشخص منهم يتتبع سيناريو محضر مسبقاً إلا أن واقعها وتطبيقها يتحتم عليه بذل مجهود جسدي كبير، ومن الممكن أن يعرض المصارعين لأذى شديد وإصابات بالغة. ولمعرفة أهمية هذا الموضوع الذي عمد أرنوفسكي على اختياره كفكرة لم يُطرق بابها فعلياً بهذا التفصيل والتشريح من قبل، يجدر بنا أن ندرك أساساً الثورة التي شهدها عالم المصارعة المحترف وعالم موسيقى الروك في أوائل فترة الثمانينات، واندماجهما في الثقافة الأمريكية بشكل عام؛ فهما مرتبطان وجدانياً بطرق مباشرة وغير مباشرة (يشتري راندي لابنته هدية تذكره بمغنيي الروك).

كلاهما يعتمد على أشخاص ذوي قدرات إما تعبيرية أو جسدية هائلة، وأشكال وأزياء متشابهه، من طول ولون الشعر، وأنماط الملابس والإكسسوارات، والحركات الخاصة؛ فلا عجب أن يستخدم المصارعين موسيقى الروك لتقديم ولوجهم إلى المباراة. والجمهور كذلك يتأثر بهم ويُلهم هؤلاء الأفراد لتقديم المزيد والاستمرار بأعمالهم، فتتمحور حياتهم مع مرور السنوات حول زيادة شعبيتهم بين جمهور والحفاظ على صورتهم المميزة وبالتالي استمرار جني لقمة العيش. لدرجة أن راندي يكاد لا يتقبل أن يناديه أحد إلى باسمه الذي يطرب على وقعه “راندي”، ويتخيل عمله في المبيعات كالحلبة والزبائن هم مشجعيه، وقبل بدء مناوبته يتخايل له سماع صوت هتاف الجمهور يرددون اسمه ليدخل عليهم. 

وتماماً كما دخل عالمي المصارعة وموسيقى الروك حالياً إلى عصر تجاري جديد، مختلف عن التغيرات الجذرية التي عرفناها في الثمانينات، يعرج النص الأصلي الذي كتبه روبيرت دي. سيغل أيضاً على الاختلاف باختياره أن يعرفنا على ذلك المصارع في فترة الهبوط بعد أن عرف الصعود، فلطالما كنا نشاهد مثل هذه الحكاية بحلقتها الدائرية كاملةً، الصعود والهبوط وما بينهما، كيف صعد بطلها وكيف هبط، لكن (المصارع) هنا ينحدر منذ البداية، من هبوط إلى آخر، بيد أن الصعود الذي يرمي إليه الكاتب والمخرج في نهاية الأحداث هو صعود وصفاء ورضا روحي ونفسي وشخصي، وبعدها لا يهبط (المصارع) أبداً، إنما يستمر في الصعود الفني، خاصةً مع اكتشافنا لمزاياه السردية حتى بعد مرور حفنة من السنوات على صدوره من عام 2008 فحسب.

هذه الازدواجية التي يعمل وفقها الكاتب تباعاً وفي كل لقطة، هي أفضل إنجاز توصل له المخرج الموهوب في التعبير عن أي سيناريو بكاميراته المحمولة حتى الآن، فالفيلم لا ينضب عن تقديم المزيد من حرفية الإخراج لمن يبحث في انعكاسات المواقف التي يصورها أرنوفسكي، ولا يتوقف عن سرد المعاني السينمائية العميقة، والتي ابتدع لها الفن السابع أساساً (الفنون حسب التصنيف اليوناني القديم هي: العمارة والموسيقى والرسم والنحت والشعر والرقص). يمكن النظر لهذه الازدواجية من خلال المفارقات التي تُثري الفيلم بصرياً ونصياً، بدءًا من سير الكاميرا من وراء راندي مع افتتاحية الفيلم كإشارة على الماضي الذي يدلي بأمجاده بعيداً جداً عن حاضره، ولرفض الكاميرا أن تواجه مرارته الراهنة وملامح وجهه الرثة.

 لا يقدم لنا فيلم (المصارع) بطلاً يلطم نفسه لخسارة انتصاراته، إنما على العكس، نُطالع رجلاً يعمل بجد، ينام مرهقاً كالطفل، ويرفض النواح في عزلته عن أيامٍ غابرة عرف فيها ملذات برع في إهدارها، وربما يكون هذا هو مآل ونهاية جميع المصارعين، في عالم لا يعرف سوى الشبان والأقوياء (راقب المشهد الذي يروج به راندي لمباراته الأخيرة، وتأمله في الوضع الصحي للمصارعين القدامى). نرى أن المرة الوحيدة التي يذرف بها راندي دمعته، لا تكون إلا أمام ابنته التي يكتشف بمقدرتها البقاء نقية وجميلة وذكية على عاتقها وحفاظها على الدراسة، أنها مقاتلة في روحها مثله، الفرق بينهما أن راندي قاتل لمجد مؤقت، في حين أن سيتفاني تقاتل لمجد آخر دائم. لاحظ كذلك أن اجتماعهما في الفيلم قصير جداً، كتلميح بارز للدور الصغير الذي لعبه راندي في حياة ابنته، ولمرارة الأيام التي قضتها ستيفاني يتيمة الأب (دون وجود أي شرح عن سبب غياب أمها).

يجدر الحديث أيضاً عن المهنة الإضافية التي يعمل بها راندي مضطراً في بيع اللحوم (أحد معاني اسمه The Ram يعني ذكر الخروف)، المصارع الذي أمضى حياته يشوه بجسده وشكله من أجل متعة الجمهور، عليه الآن أن يعتني باللحوم الذي يبيعها للزبائن، فيقليها ويغلفها وينصح بأنواعها لهم، دون امتلاكه فعلاً أي معلومات عنها، وهذا ما يبدو واضحاً في يوم عمله الأول. وخاصية الجسد هذه هي التي تجمع بين راندي وكاسيدي، أوجاع راندي الظاهرة جلياً عليه وتملأ معظم أجزاء جسمه هي التي تبقيه على صلة مع مرارة كاسيدي وأوجاعها الداخلية، فهو يهين جسده ويحافظ على كرامته، بينما هي تفعل النقيض، واللقطة التي تعرض بخدماتها على مجموعة من الزبائن ويرفضونها، تبين جرح كرامتها، فيتراشق دمها على الأرض؛ لكن ليست كل الدماء دماءُ.  

 كل شيء في الفيلم يتمحور بالطبع حول أداء ميكي رورك لشخصيته، وهو بكلمات أخرى يلعب نفسه على الشاشة، في حكاية تجسد مسيرته التمثيلية الواعدة في صغره والبالية في كبره (الممثلة إيفان وود كانت كذلك تمر ببعض المشاكل مع والدها في الحقيقة). نلاحظ أن راندي يعاني من ضعف في السمع والبصر وآلام في الظهر، ويتناول أي شيء من الأدوية ليحافظ على ما تبقى له من طاقة في جسمه الواهن، ورورك بحياته أقحم نفسه في العديد من المتاعب، فأسرف بالشرب والتعاطي وخرق القانون وعرف قضبان السجن في عدة مناسبات، فأنحى عن نفسه مواصلة اشتراكه في الأفلام الجيدة التي بدءها عام 1980 في (بوابة النعيم)، بالتالي يسهل القول أن رورك يملك كافة المفاتيح الأساسية للعب هذا الدور، لكن تأديتها علناً والإفصاح عنها للمشاهدين فنياً ليس بنفس السهولة كما قد يعتقد البعض، فنحن لا نهتف لشخصيته لأنه يعاني من الفقر أو الضعف الجسدي، بل لأن الفيلم يرفض أن يحوله إلى بطل أمريكي تقليدي بتدرج الأحداث، إنما لأننا نعجب بنزاهته ونصدق رغبته بالتغير ونلمس أوجاعه الداخلية عن فرص ضائعة وأمجاد فائتة، ونكاد نجد صعوبة في فصل الممثل عن راندي، فهما ينبضان من قلبٍ دفينٍ واحد، وثمة راندي في كل واحدٍ فينا.  

تزداد هذه الخصائص وضوحاً عند حلول المشهد الأخير للفيلم، ونسمع قوله “العالم لا يهتم بأمري.”، إلا أنه لا ينطق بها هرباً من ذاك العالم لجبنٍ معين في مواجهته، إذ بسماعنا للموسيقى الخاصة التي تؤذن بدخول شخصيته “الضارب” إلى حلبة المصارعة، وهو المكان الذي “ينتمي” إليه، نتفهم أنه قد اتخذ قراره بتحمل مسؤولية تخليه عن ابنته ورحيله عنها في صغرها، فبات على اليقين أن نمط الحياة الذي اعتاد عليه طيلة هذه السنوات لن يرحل عنه بتاتاً، خاصةً بعد فشله في الحفاظ على وعده للقاء ابنته مرة أخرى. وأهمية فيلم (المصارع) تزداد هنا لأنه لا يُساوم في واقعية تصوير أبعاد البطل الذي يعرضه لنا، فيحترم عقل المشاهد ولا يصبو نحو مشاعر من الشفقة أو التعاطف البشري البديهي، بل يسعى لأن نتفهم دوافع المرء مهما كان عمله، الأسباب والذرائع والبراهين، ويُعلمنا أن المرء “ينال جزاء أعماله” دائماً. فتتصاعد حينها أنغام الغيتار، مع صعود “الضارب” لتأدية قفزته الشهيرة، وربما الأخيرة، مناظراً الجميع من حوله، وهتاف محبيه يحيط به، لا يجد كاسيدي، ولا يعجب لذلك، يستمر في صعود الحلبات، وتعلو معه الموسيقى، ونلمحه من بعيد، ليصبح أعلى من في الشاشة شأناً، نراه يجاهد لالتقاط أنفاسه، ويتجشأ الدموع في صدره، ربما يتمنى أن تراه سيتفاني الآن، ربما يريد أن يودعها، قبل أن يقفز مصارعاً إلى النهاية… أو ربما، ليست سوى البداية، القرار لك.

IMDB

 

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: