التخطي إلى شريط الأدوات

Gone With the Wind – 1939

( الغدُ يومٌ جديد )

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

ينظر فيلم (ذهب مع الريح) صوب الحرب الأهلية الأمريكية بعينٍ عاطفية، حيث أنه يفضل اختيار “الجنوب القديم” بدلاً من “السعادة المثلى”، ويرى أن السبب وراء خوض الحرب لم يكن للتغلب على قوات الاتحاد وتحرير العبيد، بل كي تنال الآنسة سكارليت أوهارا الجزاء المنصف عن أعمالها، مع العلم بأن الظروف المحيطة بنا هي التي تشكل ماضينا المرير. وعلى الرغم من احتفال (ذهب مع الريح) بعيد صدوره السبعين، فهو لا يزال فيلماً مهماً وخالداً، لأنه ببساطة، يحكي قصة بديعة، ويقصها بحرفيةٍ مدهشة.

فكرة الفيلم وتوقيت إنتاجه كانا مناسبين لطبيعة القصة التي سيرويها، فشخصية سكارليت أوهارا كسيدة عصرية منفتحة وعنيدة لا تنتمي لحقبة الستينات من القرن التاسع عشر بل لعقد الثلاثينات من القرن العشرين. وقد تم التحضير لظهورها بهذا الشكل تحت تأثير “عصر الجاز” للكاتب فرانسيس سكوت فيتزجرالد الذي حرر النساء من الأعراف الاجتماعية، ومن خلال الممثلات الجريئات اللواتي فرضن أنفسن في تلك الفترة، وعلى إثر واقع الكساد الاقتصادي الذي أرغم النساء للبحث عن العمل خارج المنزل لأول مرة.

(عصر الجاز: ظهر هذا العصر بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وأحد مؤسسيه هو فرانسيس سكوت فيتزجرالد، مستوحياً اسمه من موسيقى الجاز التي شهدت رواجاً شديداً في تلك الفترة، وأطلق عليه “صوت الحداثة” خاصة مع بداية ازدهار الصناعات التكنولوجية ولتشدده على سماع رأي الفرد الآخر واستقلاليته، وقد كان له بعد ذلك تأثير واضح على كافة أنواع الفنون المرئية والمسموعة).

رغبات سكارليت ونزواتها الجامحة لا دخل لهما بأساطير الأزهار الجنوبية الرقيقة بقدر ما هي مرتبطة برموز الممثلات المثيرات في الأفلام، وهن اللواتي شكلن أطباع المرأة التي ألفت شخصية سكارليت (مارغريت ميتشيل) ومنهن: كلارا بو وجين هارلو ولويز بروكس وماي ويست. كانت سكارليت امرأة ترغب بالتحكم بمغامراتها الجنسية، وهو السبب الرئيسي وراء شعبيتها، كما أنها حاولت أن تسيطر على مصيرها الاقتصادي في السنوات التي تلت انهيار المجتمع الجنوبي، بزراعتها القطن أولاً و إداراتها لتجارة خشب ناجحة ثانياً. لقد كانت الرمز التي احتاجته الأمة آنذاك وهي على مشارف الحرب العالمية الثانية؛ وكأنها الشقيقة الروحية لـ”روزي عاملة المصنع”.

(روزي عاملة المصنع: هو مصطلح يُطلق على المرأة الأمريكية العاملة في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، وإحداهن تدعى روزي ويل مونرو، وهي تعد من أوائل النساء اللواتي عملن في مجال المصانع الحربية، وألهمت الكثير منهن للعمل في نفس الحقل، وقد تمكنت من تحقيق حلمها بقيادة الطائرة وهي بعمر الخمسين).

لم يكن من المسموح لسكارليت طبعاً أن تتزوج ثلاثة مرات، أو أن تطمع بالحصول على آشلي اللطيف، زوج ميلاني، أو أن تطلق النار على جندي شمالي اللص، أو أن تمنع زوجها الثالث الاقتراب من سرير الزوجية كي تحافظ على خصرها الأنيق من تبعات إنجاب الأولاد. الشخصية أذهلت الجمهور (وما تزال حتى يومنا هذا) لما كانت تقوم به من تحديات خطرة وهي تعيش في عالم ذكوري بحت، وعليه كان من المحتم في النهاية أن تُعاقب على مثل هذه الأفعال، وهو ما يفسر قيمة الجملة “بصراحة يا عزيزتي، أنا لا آبه إطلاقاً”؛ فلو اختتم الفيلم أحداثه بانتصار سكارليت على الجميع، فلربما لن يكون بنفس النجاح الذي بات يتمتع به حالياً. الجمهور الذي شاهد الفيلم عند صدوره (النساء أكثر من الرجال على ما أظن) كان يريد أن تتلقى سكارليت ضربة موجة، حتى وإن كان غداً، بالطبع، يوم جديد.

كان ريت باتر أنسب شخص لتوجيه هذه الضربة في وجه سكارليت، حيث يقول لها في مشهد مهم سابق “إنكِ بحاجة ماسة للتقبيل، وهذا عيبك، يجب أن يقبلكِ أحدهم دائماً، وشخص بارع في ذلك”. والكلمة التي تفكر بها الآن تحل محل كلمة “تقبيل”. يلامس مثل هذا الحوار شيئاً دفيناً وجوهرياً في أعماق معظم المشاهدين؛ فهو يثير مخيلتهم لا إرادياً لما يرونه من إيحاءات جنسية على الشاشة. سألتني صديقة من فترة قريبة (“هل تعلم لماذا النساء يحببن فيلم هامس الأحصنة؟”) وجوابها (“إذا كان المروض يستطيع فعل ما يفعله مع الأحصنة، فتخيل ما الذي يمكنه فعله معي كامرأة.”) إن حيرة سكارليت تكمن بين تعلقها الوجداني بـ(آشلي ويلكس) “النبيل الجنوبي” الذي لا يبادلها نفس المشاعر، وبين تحرقها غير المهذب بالمغوار (ريت بتلر)؛ وبالتالي فإن الصراع الأكثر إثارة في (ذهب مع الريح) لا يدور بين الشمال والجنوب، إنما بين شهوة سكارليت وخيلاؤها.

الممثلان كلارك غيبل وفيفيان لي كانا اختيارين موائمين جداً للعب دوران هما من أكثر الأدوار شعبية في ذلك العصر، فكلاهما كان مدللاً خلال فترة عملهما داخل نظام الأستوديو الهوليودي الذي نفخ في وجوهنا صور وسير ذاتية مثالية عن الممثلين آنذاك، غير أننا الآن نعلم كم كانت حياتهما فاسدة: غيبل اللعوب السكير تستر بفضائحه تحت مظلة الأستوديو الذين كان يعمل معه، ولي الحسناء مدمنة المخدرات الهستيرية دفعت كل رجل الذين أحبوها إلى حافة اليأس.

 لقد قدم الممثلان في دورهما ما يتمتعان به من خبرة وذوق متكلف وغرور متبجح، والكاميرا بدورها لا تعرف الكذب، وعادةً ما تعرض أكثر من ما تتطلبه القصة، فتلتقط وميض أعينهما وتقرأ انفعالات جسديهما، بوصفها رغبة كل واحد منهما في المضي بهذا التحدي الجنسي تجاه بعضهما. تمعن في أحد المشاهد الأولى للفيلم، حيث تقع عين كل واحد منهما على الآخر خلال حفلة الشواء التي تقام في مزرعة عائلة ويلكس، ويلاحظ الناقد تيم ديركس ذلك “ريت يُبادل سكارليت نظرة تنطوي على الشهوة والتحدي” ويضيف “سكارليت تشعر أنه يُخاطُبها بعينيه بقولها: إنه ينظر إلي وكأنه يعلم كيف أبدو تحت ثوبي”.

إذا كانت الدراما الرئيسية في (ذهب مع الريح) تتمحور حول المغامرة الجنسية التي تدور بين البطلين، فإن الدراما الأخرى المناقضة لها هي نظرة الفيلم الشخصية لكن الشغوفة بخصوص الجنوب القديم. فعلا عكس معظم الملاحم التاريخية، يمتاز هذا الفيلم بحس مؤثر وقوي ومقنع في كيفية مرور أزمان القصة، فهو يعرض لنا أحوال الجنوب أثناء وبعد الحرب، ونشهد صيفها وشتائها من وجهة نظر سكارليت، الفتاة الجنوبية كشأن كاتبها مارغريت ميتشيل. ندرك بأن الفيلم يشير لمرماه وقيمه مستغلاً للتعليق المطبوع على افتتاحية الفيلم، بأسلوب لغوي يبدو مذهلاً بنظرياته المرهفة التي لا تقبل الجدال: 

“كان هناك أرضاً للفرسان ومزارع القطن تسمى الجنوب القديم، وهنا في البقعة الجميلة تلقت البسالة آخر ضربة لها، هنا كانت نهاية الفرسان وسيداتهم الجميلات، نهاية السيد والخادم، فلنبحث عنهم في الكتب فقط لأنهم لم يعودوا أكثر من أحلام تذكر. حضارة ذهبت مع الريح”.

الأمر الأكيد هو أن العبيد لم يروا الموضوع بنفس هذه الشاعرية التي تعرضها الافتتاحية، فالفيلم يتجاهل الحقيقة المرّة بأن السكان حصلوا على هذه الأراضي الزراعية المهذبة بفضل سواعد وعرق العبيد (الفيلم يتعاطف مع إصابة سكارليت بندبة على يديها أكثر من شتى جرائم العبودية). غير أن الفيلم على الأقل يمنح شخصياته الأمريكية ذات الأصل الإفريقي ما تستحقه من عمق وإنسانية. تلعب الممثلة هاني مكدانييل دور المربية (مامي)، وهي أكثر شخصيات القصة عقلانيةً وحكمة (حصلت على أحد أوسكارات الفيلم الثمانية). ومع أن الجملة “لا أعرف شيئاً عن إنجاب الأطفال” ستبقى تلازم الممثلة بترفلاي مكوين بدور (بريسي)، إلا أن الشخصية بشكل عام مثيرة للاهتمام وثورية في روحها.

تذكر أنه عندما تم إنتاج (ذهب مع الريح) كانت التفرقة العنصرية لا تزال الحكم السائد في الجنوب، والواقع الذي يعيش فيه الشمال، الأمر الذي دفع المنتجين إلى حذف تأثير منظمات الـ”كو كلوكس كلان” من أحد المشاهد خوفاً من إهانة بعض من المسؤولين المرشحين الذين كانوا ينتسبون لها. كما أن الفيلم يأتي من عالم يختلف بقيمه ونظرياته عن عالمنا نحن، وهو بالطبع، حال أعظم الكلاسيكيات الأدبية، بدءاً من هومير وشكسبير؛ إذ أن فكرة نقل (ذهب مع الريح) للتاريخ بشكل صحيح وحرفي لن تستحق عناء تصويرها وصناعتها، فضلاً للأكذوبة التي سيحملها في ثناياه.  

كو كلوكس كلان (بالإنجليزية:Ku Klux Klan  واختصاراً تدعى أيضاKKK ): هو اسم يطلق على عدد من المنظمات الأخوية في الولايات المتحدة الأمريكية منها القديم ومنها من لا يزال يعمل حتى اليوم. تؤمن هذه المنظمات بالتفوق الأبيض ومعاداة السامية والعنصرية ومعاداة الكاثوليكية، كراهية المثلية وأخيرا بالأهلانية. تعمد هذه المنظمات عموما لاستخدام العنف والإرهاب وممارسات تعذيبية كالحرق على الصليب لاضطهاد من يكرهونهم مثل الأمريكيين الأفارقة وغيرهم. (حسب موقع ويكيبيديا).

وأبلغ دليل على مهارة التصوير السينمائي في الفيلم، أن (ذهب مع الريح) لا يزال مذهلاً للعين حتى يومنا هذا. كان قد عمل في الفيلم مجموعة من المخرجين، منهم جورج كاكور الذي كرهه الممثل كلارك غيبل، فاستبدل لاحقاً بالمخرج فيكتور فليمنغ، إلا أن انهياره نتيجة الإرهاق العصبي الذي تخلل عملية التصوير تحتم الاستعانة بخدمات المخرجين سام وود وكاميرون مينيز. بيد أن الفنان الحقيقي وراء هذا العمل هو المنتج ديفيد أو. سيلزنيك “سيتفن سبيلبيرغ ذلك العصر”، بتفهمه أن مفتاح الشعبية الهائلة للفيلم سيكون من خلال المزج بين الميلودراما وبين الاستعانة بأحدث المعايير الإنتاجية؛ بضعٌ من لقطات (ذهب مع الريح) لا تزال تحمل نفس القوة التي تأسر الأنفاس في الصدور، ومن بينها مشهد حرق أتلانتا والرحلة إلى تارا ولقطة “طريق الموتى”، وهو دربٌ نرى سكارليت فيه تطوف بين دماء ضحاياه، ومن ثم تحلق بصيرة الكاميرا عالياً وكأن الاتحاد أضحى رجلاً طريح الأرض، ينزف أمامنا من علو شاهق وسحيق.

وثمة سحرٌ مبهج في الحس البصري للفيلم لدرجة أنه يلاقي استحسان الجمهور المعاصر، في حين أن المخرجين هذه الأيام يتلقون تدريبهم من صور التلفزيون التي لا طعم فيها ولا رائحة. راقب المشهد الذي يعرض سكارليت ووالدها وهما يعتنيان بالأرض، حيث تعود الكاميرا إلى الخلف، فنشاهد سواد مثول ظليهما إلى جانب شجرة كبيرة، وكيف تحتويهما طبيعة الأرض الخلابة، أو لاحظ الطريقة التي تصوّر بها ألسنة لهب حريق أتلانتا كالستارة التي تلف عربة سكارليت أثناء رحلتها.

لقد شاهدت (ذهب مع الريح) في إصداراته الأربعة الرئيسة المحسنة في أعوام 1954 و1961 و1967 (نسخة “الشاشة العريضة” الفاشلة) و1989، وأخيراً النسخة المنقحة لعام 1998. سيبقى الفيلم حاضراً في الأذهان لسنين عديدة قادمة، وهو مثال ممتاز على فنية هوليوود وتجسيد تاريخي لتأثير العاطفة على حضارة ذهبت مع الريح، لكنها لن تنسى أبداً.  

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: