التخطي إلى شريط الأدوات

Open Range – 2003

Boss Spearman: We come for justice, not vengeance. Now them is two different things.
Charley Waite: Not today they ain’t.

كتبها مهند الجندي بتاريخ 5 نوفمبر 2003.

كما فعل كلينت إيستوود قبل 11 عاماً في تحفته الغربية التي لا تنسى (غير مسامح) بإعادة إحياء نوع سينمائي قديم، فقد حان دور كيفن كوسنر ليعيد الكرة. (مراعي واسعة) هي الكلاسيكية الغربية في أفضل حالتها، هذا الفيلم لديه نفس الطاقة، الثقة بالنفس، وجمال تصوير فيلم كلينت إيستوود، ذكرى لمن نسوا القيم التي تحملها الأفلام الغربية وحياة رعاة البقر. مهما كانت إخفاقات كوسنر باختيار أفلامه وأدواره في الأعوام القليلة الماضية، إلا أنه دائماً بأفضل حالاته أمام وخلف الكاميراً في أكثر فئات الأفلام التي يعشق، مع أفلام البيسبول بالطبع.

 بوس سبيرمان (روبيرت دوفال) وتشارلي وايت (كيفين كوسنر) رفيقي درب منذ 10 سنوات، ولكن السنين بينهم تبدو أكثر من ذلك بكثير. فهما رعاة بقر في الروح و محاربان شديدين في قلبهما. تشارلي ينظر إلى بوس على أنه المعلم الذي حافظ عليه وحرص على أن يبقيه بعيداً أية متاعب، في حين أن بوس يرى في تشارلي شريك وفي يعتمد عليه، يعرف الصواب ويفعل ما يجب أن يفعله لكي ينجو هو وقطيعه من أي تهجم غير مبرر. يرافقهم ويعمل لديهم في الرعي وإعداد الطعام وأمور أخرى كل من العملاق الطيب موز (أبرهام بينروبي) والأجنبي المشاغب باتون (دييغو لونا)، ومع أنهم في الكثير من الأحيان يثيران متاعب لا داعي لها، إلا أنهم ذو فائدة كبيرة.

 تشارلي كان أحد الذين تطوعوا للحرب الأهلية، هرباً من القتل وسفك الدماء الذي عرفه منذ صغره. لهذا الأمر فهو لا يحب المدن ويفضل البقاء حراً في الغابات والمراعي، لكن الفترة الحالية ليست أفضل حالاً “1882”. عندما تنفذ منهم المؤن، يطلبان من موز أن يتوجه مسرعاً إلى المدينة لإحضار الشراب وخلافه، وكما حسبها له تشارلي، فهو يحتاج يوم وآخر ذهاباً وإياباً بشرط أن لا يبطئه شيء في طريقه. لكن للأسف، لقد أبطئه التآمر، ففي هذه البلدة هناك صاحب أملاك بغيض يدعى دنتون باكستر (مايكل غامبون) لا يسمح لأيٍ كان أن يرعى قطيعه في أراضيه أو حتى الدخول إليها من دون إذنه، باختصار الرعي المجاني ممنوع. ساعده الأيمن وعميله هو المأمور المحلي الخسيس بول (جيمس روسو). وعندما يتعرض رجاله إلى موز ويحصل اشتباك كبير بينهم ويتأخر على بوس وتشارلي يقرران تحري أمره.

 يستكشفان المشكلة التي أخرت موز ويواجهان باكستر، يتضح لهما أن المسألة قد لامست النزاهة والمنطق، فهذا الايرلندي البغيض يريد السيطرة على قطيع بوس أو أن لا يدعه بسلام، وحتى قتله. محاولته لم تنجح، بيد أنها خلفت بعض النتائج المؤلمة والغير متوقعة، مقتل موز وجرح باتون بشكل وحشي. فيقرر بوس وتشارلي حينها بدعم من العجوز الجريء النبيه بيرسي (مايكل جيتير) تحقيق العدالة، أو الانتقام. ولمعالجة باتون يذهب بوس وتشارلي إلى منزل الطبيب وشقيقته التي تعتني به، وكما يصفهم بوس: “الطبيب يبدو رجلاً جدياً في عمله، وهذه سيدة حقيقة كما يقولون، امرأة تجعل الإنسان يفكر بالاستقرار”، ولكن تشارلي يراها أكثر من ذلك، ربما المرأة التي كان ينتظرها طوال حياته.

 علينا في البداية أن نتفهم طبيعة هذه الشخصيات التي تتمحور حولها القصة، ما هي ظروفها، وما هي أفكارها ومبادئها، وعلى ماذا ترتكز عاداتها وتقاليدها. ثم النظر إلى المنطلق والسلالة التي ينحدرون منها، من هم أسلافهم ولماذا ماضيهم يرقد فوق أكتافهم. شيء آخر شديد الأهمية على المشاهد استيعابه، وهي بعض العناصر القديمة التي يقوم عليها الغرب العتيق، من كرامة، شهامة، شجاعة، لباقة، شرف، ومحاربة الاضطهاد أو العنصرية الطبقية. ربما سيقول البعض “أنا مسؤول عن ما هو أمام في الشاشة، وليس تاريخ الشخصيات”. غير أن الأفلام مثل (مراعي واسعة) ليست فقط للمشاهدة، بل كذلك للمعايشة.

 الفلم لديه نسق تقليدي صارم، لدرجة أن بطيء، إنما ليس البطء الممل بل البناء وتمهيد لما هو قادم. يصنع كوسنر فيلماً غربياً يمتلك خصائصه التي تستطيع الإمتاع والتشويق والإبهار كأي فيلم غربي ممتاز. فإخراجه ذو عين صبورة، تدرك أنك إذا أردت أن تنقل حياة الغرب إلى الجمهور عليك أولاً أن تنقل نفسك إليها. إلى جانب التصوير السينمائي والفوتوغرافي (يبدو في بعض الأحيان كأنه يلتقط صور طبيعية فتانة) الديكور وتصميم الملابس يضيفان للغرب حقه التراثي، إلى جانب كل هذه الأساسيات السينمائية الغربية، كيفين كوسنر يعطي كل مشهد نوع من الارتجال التمثيلي والقوة في توليف الحبكة وحركات كاميرا لا أذكر أني رأيتها في أفلام غربية مسبقة، حتى الشهيرة منها.

 يخطف روبيرت دوفال الأنظار بسهولة من الجميع، يبدو أنه كلما تقدم في السن تقدم في براعته. بوس شخصية ليست معقدة بل عرفت تجاربها في الحياة، لديه كل الخصال الهامة في راعي البقر الثائر، من قوة وذكاء، طبية وشهامة. أما تشارلي فهو دائماً يقف خلف بوس، يعلم أنه سريع توتر على عكس بوس الحكيم النابغ دائماً في اختيار الكلمات وإلقاء الخطب. لكن وضع خطط القتال واستخدام المسدسات فهي من تخصص تشارلي، كيفن كوسنر يشرح في أداءه الحزين المتكتم لهذه الشخصية أنه ممثل جيد، لا يدع أبداً شخصيته أن تقع في بحر البرود وأن تظل فاترة، غير صريحة لكن صادقة. أنينت بينيغ هي الممثلة الوحيدة في الفيلم، وهي بالفعل تملأ الشاشة أنوثة ورحمة، فعلاقتها مع تشارلي ليست علاقة حب من أول نظرة بقدر ما هي استجابة دعاء لكل منهما، هبة سماوية تجمع ما بينهما، على الأقل في عد مشاهد بسيطة، رقيقة. أدوار أخرى صغيرة ممتعة ليس أكثر تؤدي مهامها على أفضل شكل من مايكل غامبون، مايكل جيتير، جيمس روسو.

 (مراعي واسعة) ربما لا يكون أحد أفضل الأفلام الغربية على الإطلاق، ولكنه الأفضل بعد (غير مسامح). فمهمة القتل التي أوكلت إلى تشارلي وبوس بسبب قضية نصب وطمع وتبجح أعادتهما إلى أماكن اعتقدا أنها باتت في طي النسيان، تعطلت رغبتهما بالاستقرار والعيش بأمن وسلام. الأمور السيئة التي فعلها تشارلي في حياته كثيرة، وسو التي رأت حقيقة هذا الرجل الصافية العطوفة، والتي تخلو من أية شوائب روحية، تعمل على تغيير فكره في التفريق ما بين القتل لوجود سبب عن عدمه.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: