التخطي إلى شريط الأدوات

Casablanca – 1942


“Here’s looking at you, kid.”

لقد أنتجت هوليوود في السنوات الستين الماضية عدد هائل من الأفلام الرومانسية السياسية، لكن لا شيء منها يماثل قيمة وشهرة وأهمية فيلم عام 1942 (الدار البيضاء) للمخرج المجري مايكل كورتيز. فيه الغموض والسياسية والتشويق والمفاجأة، والحب بين ريك و إلسا، ألم تكن هذه الأمور لم موجودة من قبل؟ بالطبع كانت موجودة. ثروة الفيلم ليست تقنية أيضاً كما كان مثلاً (المواطن كين)، ولم تكن حتى في التمثيل، هذا الشرف يعود إلى (رصيف الميناء) عام 1954. اكتسب الفيلم شعبية منقطة النظير لدى الثقافة الأمريكية (أكثر فيلم موجود في قوائم النقاد لأفضل عشرة أفلام في التاريخ) وذلك بسبب عنصر التضحية الرومانسي فيه، ومسعى شخصياته للعثور على بر الأمان وحالة سلم من بين أنياب النازيين مع بداية الحرب العالمية الثانية، وكذلك الإخلاص للواجب حتى لو كان على حساب المصالح الشخصية. رجلان يقفان على عتبة حب امرأة لا تعرف أو حتى تريد أن تختار أحداً منهما. يجسد (الدار البيضاء) بشكل أو بآخر الفكرة التي تروجها أمريكا دائماً لكن لا تطبقها… الإنسانية أولاً.

 امرأة: أين كنت ليلة أمس؟

ريك: هذا كان منذ وقت طويل، لا أذكر.

امرأة: سأراك اليوم؟

ريك: لا أضع خططاً للمستقبل.

 مظهر الفيلم وجوه العام يبدو وكأنه تحت تأثير دخان السيجار الذي يستعمله ريك (همفري بوغارت)، مزاج ريك وخصاله القاسية تطغى حتى على شكل تصويره. المخرج مايكل كورتيز المسؤول عن صدور مجموعة من الأفلام امتازت بالأجواء العامة وأهمها (مغامرة روبن هود) و(الحياة مع أبي)، يعرض لنا القصة من وجهة نظر ريك، صحيح أنها تتناول زمن حربي عصيب ومعظم الشخصيات تحارب من أجل الحصول على الفيزا، إلا أن الشخصية التي تروق لنا و نحبها فعلاً، هي شخصية ريك، وهذا الكلام عن رجل شبه فظ يطلق على جنسيته بالـ “سكير”. الخط الذي يفصل بين الأفلام الممتازة عن باقي الأفلام الجيدة أنها تنفرد بكرم السرد وثراء القصة بأحداث وجمل لم تكن موجودة من قبل، وسيناريو (الدار البيضاء) الذي كتبه جوليوس جي. ابستاين وفيليب جي. ابستاين مع هوارد كوتش والمقتبس عن مسرحية موري بيرنت وجوان أليسن يوفر ذلك ويمتلك انضباط مثير في ترتيب الأحداث وتنسيق يمهد لكافة الشخصيات الذكية والقوية والحالمة وحتى البائسة بطريقة متقنة تعبر عن تلك الفترة الحالكة على المهاجرين والفارين والمنعزلين من الحرب العالمية الثانية.

موقع الحكاية في شمال المغرب شيء غير مألوف، إحدى آخر البلدان المحتلة من قبل الفرنسيين التي هي نفسها تحت قبضة النازيين. يفتتح الفيلم على ازدحام مروري بسبب اللاجئين الذين يحاولون الحصول على المال والتصاريح من أجل التوجه إلى لشبونة ومن هناك السفر إلى أمريكا عبر الطائرة. تتاح فرص قليلة للبعض من أجل الحصول على فيزا، والبعض الآخر يقضي أياماً وأسابيع وحتى شهور من دون نتيجة. في خضم كل هذه الفوضى هناك مقهى ريك الأمريكي الأكثر شعبية في الدار البيضاء يديره ريك بلاين (همفري بوغارت)، وهو مصمم على الابتعاد عن الأعمال السياسية. ريك أحد اللاجئين القلائل الذين تطوعوا البقاء في الدار البيضاء، يدير ناديه ويعلن ولائه لنفسه فحسب. بينما ماضيه يبقى مخفي، ثمة بعض التلميحات التي تشير أنه ليس أنانياً كما يبدو، ريك الذي نتعرف عليه في البداية لا يقدم أي خدمة أو معروف إلا إن كان له مصلحة معينة من ورائها، عندما تصل إلسا (انجرد بيرغمان) وزوجها فيكتور لازلو (بول هنريد) زعيم مقاومة تشيكي إلى نادي ريك، عندها فقط تتضح نقطة ضعف ريك وأين يقع ولائه الحقيقي “من بين كل الملاهي في كل مدن العالم… دخلت ملهاي”.

في واحدة من الليالي، يطلب محتال اسمه يوغرتي (بيتير لوري) من ريك الاحتفاظ بتصاريح العبور معه حتى يطلبها منه، وهي مسروقة من ساعيي بريد ألمانيين مغتالين “مع أنك تحتقرني فأنت الشخص الذي أثق فيه”. التصاريح تعد أفضل حتى من تأشيرات الفيزا لأنها تمثل خروجاً سهلاً ومضموناً من الدار البيضاء. يأخذ ريك التصاريح ولا يؤنبه ضميره عندما يرفض مساعدة يوغرتي أثناء قبض النقيب لوس رينو (كلود رانيز) عليه، أو كما يقول “لا أخاطر بحياتي من أجل أحد”. يصل إلى الدار البيضاء أيضاً الرائد ستراسر (كونراد فيت) وهو ضابط نازي مهمته إبقاء لازلو داخل المستعمرة الفرنسية وعدم مغادرتها. على ريك الآن أن يستعمل كل ذكاءه ويتفوق على ستراسر ورينو، وأن يبقي التصاريح بحوزته، ويتعامل مع مشاعره تجاه إلسا إثر عودتها غير المتوقعة، ويقرر إن كان سيستخدم التصاريح ويهرب بها مع حبيبته، أو يقدمها إلى لازلو وبهذا يغير من حياده السياسي في هذا العالم ويأخذ موقفاً جديداً تجاه النازيين.

 صدر الفيلم عام 1942 وعرض في نيويورك أواخر ذلك العام، لكن عرضه الرئيسي في لوس أنجلوس وباقي أرجاء العالم لم يكن إلا بعد بداية عام 43 محققاً أرباح جيدة جداً بالنسبة لميزانية أقل من مليون دولار. شركة الأخوة وارنر كانت معروفة أنها من أولى الشركات السينمائية التي أعلنت موقفها المعادي للنازية، إن كان بالخطابات التي ألقاها رئيسها أو عن طريق هذا الفيلم. وقد صدر (الدار البيضاء) في وقت مناسب يدعم زمن التوتر والفوضى الذي سببته الحرب، وأصبح يشكل للعامة الفيلم “المثالي” بسبب نفره من أفكار الألمان وتوليفه صورة البطل في شخصية لازلو المصممة على دعم المقاومة ضد النازية.

ويأتي هذا من فيلم لم يخطط له أن يكون شيء مميز فعلاً، فقد كان (الدار البيضاء) إنتاجاً عادياً صور في أستوديو معظم الوقت والسيناريو تغير تقريباً كل يوم، عمل أشخاص قلة فيه وكانوا يحملون الجنسية الأمريكية والبقية إما من أوروبا أو من إفريقيا. المنتج هال والس لم يكن يريد اختيار همفري بوغارت في دور البطولة، والممثلين لم يعرفوا المشهد التالي ولم يتمكنوا من حفظ جملهم بأريحية. وهذا بطريقة ما أصبح جزء من سحره، هذه الظروف الغريبة أكسبت القصة شهرة إضافية لما تضمنته تضحية ريك لحب حياته من أجل أن يحظى هذا العالم على فرصة أكبر في معاداة النازية، فظروف الفيلم السياسية توازي ظروف ريك الرومانسية.

الفيلم من النواحي التقنية والفنية ليس مثالي على الإطلاق، ثمة عيوب واضحة تبعده عن ذلك الوصف، إنما هي عيوب لا تخل في الهدف الرئيسي الذي ابتدع من أجله. صور الطائرات تبدو مزيفة، ومن غير المؤكد أن تصاريح العبور تضمن لك السفر إلى أمريكا وهذا معروف عند النازيين، القبض على يوغرتي يفتقد للإقناع ويبدو سهل التنفيذ، لازلو المقاوم يدخل إلى مقهى ريك بدون مراقبة مسبقة ويكاد لا يكترث أو يهاب من القبض عليه أو حتى قتله، تمثيل بول هنريد لا يجاري باقي الطاقم.

في فيلم ملهم مثل (الدار البيضاء) هذه الأخطاء تتلاشى سريعاً، وهو يتناول اثنين من أشهر الشخصيات في تاريخ السينما، جمل تحولت إلى مأثورات يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، ومأساة محركة للمشاعر ما زالت تحافظ على قوتها في إفطار قلب من يشاهدها لأول مرة أو حتى للمرة الخامسة. المنتج هال والس مع المخرج مايكل كيرتيز عملا باجتهاد على بعض المشاهد الأولى كي تعرفنا على الشخصيات الرئيسية، المرة الأولى التي نقابل بها ريك، نشاهد بالترتيب: توقيعه – يده – الشطرنج التي يلعب بها وحيداً – وبعدها تصعد الكاميرا إلى وجهه، يبدو عليه الضجر، لا يحتسي الشراب مع الزبائن، لا يبتسم حتى لو احتاج لذلك. تجمعه علاقة صداقة قديمة نادرة مع عازف البيانو الأسود سام (دولي ويلسن).

هذا التحضير هام جداً من كيرتيز بالنظر إلى الاختلاف الجذري الذي يصيب ريك عندما نعرف تاريخه مع الشخصية الرئيسية الثانية: إلسا. سيناريو التوأمين ابتساين يحضر دخول إلسا مع زوجها لازلو بشكل عفوي وبسيط لدرجة تلفت الانتباه، يلمحها سام فتعبس عيناه لأنه يعرف ما سيحصل لريك عندها يراها. “عزفها سام.. من أجل الماضي” تطلب إلسا من سام أن يعزف أغنية تعيد ذكرياتها مع ريك، يحاول سام التملص لكنها تصر، ريك يسمع الأغنية ويتوجه إلى سام غاضباً ليوقفه فيراها، يبدو مصدوماً، ولبرهة يبدو عاجزاً عن التعبير. هذا الموقف يقول كل شيء عن ما تشكله هذه المرأة إلى ريك، الأيام التي قضاها معها في باريس هي الأسعد في حياته، وجد بها الحب الذي لم يعرفه من قبل، في زمن الحرب وعالم سياسي يمقته. كل هذا يتبخر عندما تهجره إلسا برسالة تقول فيها أنها لن تسافر معه وتطلب منه أن ينساها، ومشاعر الحسرة والغضب والحيرة على وجه ريك. راجع الطريقة التي يبلل بها المطر الحبر من على تلك الرسالة، وكأنه وصف لوجه إلسا وهي تذرف الدموع أثناء كتابتها لرسالة الوداع المضنية.

تكمن القيمة الموجودة في الدار البيضاء بالصورة الرومانسية التي يرسمها كل مشهد يجمع بين ريك وإلسا، التغير الذي طرأ على الأول من رجل صارم غامض مزاجي بارد الأعصاب إلى رجل عاطفي يكثر من الشراب كي ينسى الألم التي سببته إلسا له عندما هجرته. حالة انكسار الرجل القوي هذه أمام امرأة حسناء ضعيفة بعدما رأيناه لا يبالي إلى أي شخص حتى الضابط النازي ستراسر، ينجح الفيلم في إقناعنا حول عمق ومصداقية وتأثير هذه العلاقة لكلا الطرفين. إلسا تركت ريك لسبب مقنع لكنها لا تريد أن تأذيه مرة أخرى، ولا تستطيع أيضاً ترك لازلو لأنها تحبه ولازلو محتاج لها أكثر من أي وقت سبق.

لا يوجد في الفيلم تقريباً سوى شخصية واحدة شريرة، وهو ستراسر النازي. علاقة ريك مع ضابط الشرطة رينو هي مزيج من الكوميديا وصراحة رجلين حول بغضهم للاستعمار الألماني. واحد من المواقف المضحكة الدالة على براعة السيناريو، هو المشهد الذي يغلق به رينو مقهى ريك بحجة وجود غرفة قمار، وأثناء قيامه بذلك يحضر النادل إليه الأموال التي ربحها في غرفة القمار ذاتها. كذلك الطريقة التي نرى بها الخوف والفزع جراء عمليات التفتيش وإلقاء القبض على المحتالين تعد وسيلة أفضل من أن نملأ الشاشة بشخصيات نازية كريهة، الجميع كان وما زال يعرف الأعمال التي قام بها هتلر والسيطرة التي استخدم بها كل أساليب الإجرام.

الانسجام بين الممثلين شيء تستطيع ملاحظته وليس التعبير عنه، همفري بوغارت لم يكن ممثل ذو أدوار بطولة قبل قيامه بدور ريك، ظهر في العديد من أفلام الجريمة والعصابات كممثل ثانوي هام لكن ليس كبطل أول باستثناء عمله مع المخرج جون هيوستن في النوار الغامض (الصقر المالطي). ولا عجب أن يكون هذا الدور هو انطلاقته الحقيقية في هوليوود والذي جعله يتصدر استطلاعات الرأي على لقب أهم نجم سينمائي في التاريخ. والغريب أنه لم يكن صاحب طول فارع أو وسامة صارخة ولا حتى القليل من العضلات، شهرته أتت من ذلك الصوت الثاقب ونظراته الحارقة ومن تدخينه الزائد في معظم أفلامه. يقوم بوغارت بدور ريك بمزج كل هذه العناصر مع تفهم ملحوظ للشخصية التي يلعبها، أداءه يفهمنا أن ريك كان قد حارب لبلاده في السابق إلا أنه فقد ولائه ولم يعد يكترث لترهات السياسية.

وعندما تحين ساعة التضحية وتظهر شجاعته بوضوح على الشاشة يصبح ريك بطل حقيقي كما هو لازلو، يقول لإلسا “ستكون باريس معنا دائماً، أنا لست ماهراً بالنبالة… لكن مشاكل 3 أشخاص ليست شيئاً في هذا العالم المجنون”. وترد إلسا “حفظك الله”. تغادر مع لازلو والدموع في عينيها، والجمهور ولا حتى الشخصيات في الفيلم يعرف من كانت ستختار لو استطاعت ذلك، هل حب المناضل والمقاوم، أم حب القلب والوجدان والأيام السعيدة. لاحظ الطريقة التي تنظر بها الممثلة السويدية انجرد بيرغمان بين هذين الشخصين، لا تريد أن تختار لكن لا تعرف كيف تضبط مشاعرها الجياشة تجاه فروسية ريك أم مبادئ لازلو.

لا تؤثر الإنسانية التي تروج لها أمريكا لكن لا تطبقها كما ذكرت في بداية الحديث على أهمية هذا الفيلم، لأن الدار البيضاء يروج لها ويطبقها فعلاً ضمن إمكانيته وخلال كل ثانية من وقته، من غير المفترض أن نكترث حول التلميحات التي تشير إلى البطولة الأمريكية عند نهاية الفيلم، لأن هذا يخرجنا عن متعته كتجربة سينمائية مجردة. يقول رينو “اقبضوا على المشبوهين المعتادين”، لكن لا تنسى أنه رمى بزجاجة الشراب الفرنسية رافضاً الاستعمار الألماني والفرنسي. يبرهن هذا الأمر اختلاف مضمون أفلام الأربعينيات والخمسينيات عن مضمون معظم الأفلام المعاصرة، السينما الحديثة تمتلك الشكل الذي افتقدته السينما القديمة لكنها نادراً ما تقترب من مضمون تلك الأفلام، وبالأهم تمتلك هدف صريح وبليغ اللسان وراء صناعتها.

 تكمن كلاسيكية (الدار البيضاء) في ثراء كل مشهد بالسخرية وجمل لم تلقى شعبية تنافسها. وتذكر أن مشاهدتك لهذا الفيلم ستكون بداية صداقة جميلة مع أفلام الأبيض و الأسود.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

4 أراء حول “Casablanca – 1942

  1. أهلا عزيزي وليد ..
    الفيلم يعد حجر أساس ومغير في السينما الأمريكية ككل .. من كافة النواحي ..
    وكلامك صحيح حول الممثلة 🙂 ..

    منورني دائماً حضورك العطر .. تحياتي لك ..

    1. نعم ولكن الفيلم اولا واخيرا بوجارت قدم دور تاريخى لاينسى ولو لاحظت مع احترامى الكامل لبراندو فى العراب ستجد ان براندو لم ياتى بجديد إلا بعد ان اصيب هنا تجد براندو اما قبلها تجد ان براندو فقط غير سيجار بوجارت الى قطة

  2. اسف انجريد بريجمان
    ايضا شاهدت لها فيلم Notorious (1946 لا يقل روعه عن فيلم كازابلنكا وايضا شاهدت لها فيلم Anastasia

  3. لو ان الفيلم لم يعجبني لكنت اشاهده كل يوم فقط لارى براءة ملامح انجريد بريدمان
    فيلم لا ينسى ابدا
    ولا لا اخ مهند؟

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: