التخطي إلى شريط الأدوات

Mystic River – 2003

“Sometimes I think, I think all three of us got in that car…”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 25 ديسمبر 2003.

في الفيلم الرابع والعشرين إخراجاً بين أفلامه التسعة والخمسين عبر مشواره السينمائي طوال 50 عاماً، بكل بساطة، فيلم (النهر الغامض) للمخرج كلينت إيستوود، هو أكثر تجاربه مأساويةً. مشاهدة هذه القصة القاسية، المفطرة للقلب، توقد النار في عظامك وتدع روحك حزينة ومهملة، وربما مشققة أو حتى مدمرة. كما فعل في (غير مسامح) يحكي إيستوود قصة تلامس مشاعر عميقة في الإنسان، يوضح أن ما يتأثر به الطفل من أذى وظلم ينعكس على حياته في الكبر، وكيف ستجري حياته معها من بعدها، البراءة التي تخدش لا تلتئم. الماضي يطارد ثلاثة أصدقاء ويقودهم لارتكاب جرائم تعبر عن عذابهم من عقد كبرت معهم ولم يستطيعوا التخلص منها، ثلاثتهم يفتقدون للسعادة الحقيقية، يتشاطرون الذنوب ويحاولون الهروب منها، ولكن العقوبة تلامس كل واحد منهم بطريقة لا تنسى.

 يفتتح الفيلم في بوسطن، صبية يلعبون الهوكي، حيث نعود إلى بداية السبعينات من القرن الماضي، ثلاثة أولاد في الحادية عشرة من العمر تربط بينهم صداقة حميمة. عندما تقع الكرة في المصرف وتتعطل لعبتهم يحاولون إشغال أنفسهم بهواية أخرى خطرة وهي تشغيل السيارات المصطفة لكن دون سرقتها. وحتى يقنع أحدهم الآخر يبدأ كل واحد منهم كتابة أسمه على رصيف الشارع، الأمر الذي لم يعجب أحد الرجال بحجة أنه تخريب لمنطقته، فيقوم بخطف أحد هؤلاء الصبية اسمه دايف، يحبسه في قبو مظلم لمدة أربعة أيام ويعتدي عليه جنسياً قبل أن يهرب للغابة مسرعاً خائفاً من أن يتبعه أحد. يترك هذا الحادث أثراً مجحفاً يعيش معهم صداه حتى أن ينضجوا ويكبروا وينجبوا أطفالاً بأعمارهم عندما تعرضوا له. الصبية أصبحوا رجالاً في الأربعينات من العمر، لكن الماضي ما زال صغيراً ومجسداً كما كان.

 يسير دايف (تيم روبينز) في حيه القديم وهو يمسك يد ابنه ويخبره عن ذكرياته الجميلة فيه، أما ذكرياته الحزينة فيحتفظ بها لنفسه و زوجته سيليست (مارشا غاي هاردين). الرجل لا يعمل ولا يعتني بمظهره ومهدامه ويتضح عليه التعب والتحطم النفسي حتى بعد مرور كل هذه السنين على الحادثة. جيمي (شون بين) الصديق الثاني هو رجل قوي، حكم عليه سابقاً بالسجن سنتين لاتهامه بالسرقة. يملك محل بقالة يقتات منه وعائلته المكونة من زوجته الثانية آنبيث (لورا ليني) وطفلتين. من زواجه الأول جيمي لديه بنت اسمها كايتي يعشقها ويحبها حباً لا يوصف، لدرجة أنه يرى نور حياته من خلالها. شون (كيفين بيكن) الصديق الثالث بات رقيب في قسم المباحث لشرطة بوسطن، هجرته زوجته الحامل. يتأمل دائماً منطقته القديمة وصوره مع رفيقيه الذين لم يكلمهم لسنوات عدة، ومع صعوبة مواجهته لهم في الوقت الحاضر إلا أنه مضطر لتأدية واجبه من دون أية عاطفة.

 اجتماع هؤلاء الرفقة بعد مضي 25 سنين، هو أمر مفجع أيضاً، حيث تقتل ابنة جيمي وهي شابة تبلغ من العمر تسعة عشرة عاماً. الحادث المأساوي هذا يغلي البركان الذي انطفئ في روح جيمي، فيصمم بمعاونة بعض المرتزقة من معارفه القدامى أن ينتقم شر انتقام من القاتل أو الوحش الذي قتل ابنته، مع أنه كان قد شاهد نتيجة عنفه في الماضي. توكل إلى شون التحقيق بهذه الجريمة بالتعاون مع زميله المتبجح والقاسي وايتي (لورانس فيشبيرن). دايف المنطوي على نفسه والذي يعاني من مشاكل لا تنتهي هو من آخر الأشخاص الذين شاهدوا المجني عليها في أحد البارات قبل وفاتها، وبنفس تلك الليلة يعود لمنزله في الثالثة صباحاً ويداه ملطختان بدماء مجهولة والتي يبررها أمام زوجته أنها بسبب شجار وقع مع أحد المعتدين. من هذه النقطة يبدأ التحقيق وتدور الشبهات حول عدة شخصيات، منها دايف، وصديق كايتي الذي كان سيغادر معها من أجل الزواج بسبب كره والده له.

 كاتب فيلم (لوس أنجلوس سري) براين هيلغلاند هو الآن من أفضل من يعملون بهذا المجال في هوليوود، السيناريو المقتبس عن رواية دينيس ليهان الأكثر مبيعاً ممتاز في تدفق الحزن والأسى داخل نفسية الإنسان، الماضي المرير والطفولة الرهيبة مفصل بشكل تراجيدي يسهل تقديره لأنه يشرح نفسه من خلال تعبير الممثلين والمواقف المضطربة التي تحاول الشخصيات تفسيرها لبعضها البعض. يقول جيمي “My own little daughter, and I can’t even cry for her”. هذه الرحلة المظلمة لم يقصد بصناعتها حتى تحمل لنا حلول كي نخرج من الفيلم كأنه محاضرة عن عقد الأطفال، بل هي مثال عن شعور مرارة وظلم الحياة، الاشتياق للعدل البسيط والإنصاف البشري الذي تطالب به تلك الشخصيات. وقع الماضي على الحاضر يتجلى في انهيار حياة هؤلاء الأصدقاء جراء ذكرياتهم الحزينة وهوس التفكير في تعويض ما تعرضوا له من ذنوب وخطايا سابقة.

 كان من الممكن أن يخرج (النهر الغامض) كفيلم جريمة عادي، لكن كلينت إيستوود يصور الكتاب في بوسطن بسلاسة جمة تعطي أحداث الفيلم إثارة جادة وعميقة الأهداف. يحاول المخرج تحليل هذا مجتمع المريض بما يعرفه من أساليب غامضة ومشوقة، يمتلكك شعور أن الفيلم ضبابي الملامح كما هي أبطاله، الكاميرا طوال الوقت تستخدم الوجوه مباشرةً حتى تنطق. ولأن إيستوود يبحث عن شيء أكثر من معرفة القاتل وأسباب ارتكابه للجريمة، فهو يعمل على اختيار مواضيع شخصية تترابط بالحياة الروتينية التي تعيشها هذه الرموز الإنسانية، العنف يتولد نتيجة لقلة الصبر وضعف النظام في توفير الأمن لحياتهم في صغرهم. الدمار هذا ينتقل عبر الأجيال بشكل غير مباشر، يتطبع الأطفال بذويهم لكن من دون أن ينوي الآباء ذلك، والعاقبة ستكون أكثر ضرراً وعنفاً من السابق.

 منذ عدة سنين لم يجتمع مثل هذا الطاقم التمثيلي في فيلم واحد. شون بين يعتبر من أفضل الممثلين المعاصرين وربما أفضل من في جيله، ويظهر بدور هو الأقوى له بعد (الرجل الميت يمشي)، يجسد الألم والعذاب والحزن بطريقة حقيقية جداً وتبعث كل المصداقية لهذه القصة حتى تجعلك مرتبطاً لمشاهدة ختمتها. إن  أداءه يلهم الشخصية ويوحي لنا بتاريخها الإجرامي. تيم روبينز أيضاً لديه كل البراعة بتأدية دور منغلق ومعتم النفسية، الممثل الذي اشتهر بفيلم (إصلاحية شوشانك) يجعلنا نشفق على ما يمر به من إحباط ويأس لحالته التي يبدو أنها أفلت عن سيطرته. كيفين بيكن ربما هو الأقل تميزاً لكنه جدير بالذكر، هذا الشرطي الجيد يصبر على مشاكله الزوجية مع محاولته الدقيقة بأن لا يتخذ أي خطوة تؤدي لمضايقة رفاقه القدامى. النساء في الفيلم تحظى على ميزان متناقض، من جهة مارشا غاي هاردين فهي لم تعد تستطع السكوت على حال زوجها، فقدت الثقة به وبصحة أفعاله الغامضة. على عكسها هي لورا ليني، التي تلازم زوجها وتعده بالبقاء معه حتى النهاية ومساعدته بتنفيذ أي شيء حتى عملية انتقامه.

 اللقطات التي تصور الممثل شون بين يبكي من غير أن يستطيع، أو يعلق لنفسه عن موت ابنته: “أنا أعرف في قرارة نفسي أنني ساهمت في موتك، لكنني لا أعرف كيف” تبرهن عن حب إيستوود لكلاسيكية التمثيل والمواضيع، مثل هذه المشاهد، وهذا الفيلم ككل، تعيد رونق التمثيل الحقيقي، وتعزز أهميته كمهنة صعبة وسامية بنفس الوقت.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: