التخطي إلى شريط الأدوات

Up in the Air – 2009

“I am a parenthesis?”

لقد تتطلب رايان بينغهام الكثير من الوقت ليهبط من منايا السماء إلى خبايا الأرض، وليجد أن اختياره السفر رشيقاً بحقائب خفيفة لم يكن سوى مبرر ثقيل وكبير لافتقاده ما هو فعلاً ذو قيمة ووزن في الحياة؛ على الرغم من ملايين الأميال التي قطعها، فإن رحلته في هذا العالم كانت قصيرة جداً. تتراكم السحب والنجوم فتغمر بصيرته وترهق السلطة كاهله لما يحظى به من مهارات وصلاحيات مهنية إلى حد أنه عندما يطرح السؤال “كم تزن حياتك؟” نلاحظ تهشم طائرة أفكاره لاصطدامها لاحقاً في سفح الإجابة الموجعة لكن الدقيقة حيال هذه المسألة على لسان صديقته “حتى أنت لا تعرف ماذا تريد”. ربما لأن الطريقة الوحيدة التي يحافظ بها رايان على موقعه الوظيفي في شركته هي سليقته التي يجوب بها الولايات المتحدة وهو يقوم بطرد الآخرين من عملهم، مع أنهم على دراية كافية برغباتهم وأهدافهم في الحياة.

استخدم ويليام شكسبير جملة مجازية (أو metaphor – استعارة) في واحدة من مسرحياته الكوميدية بعنوان (As You Like It – كما تحبها) وهي كانت شائعة في القرن السادس عشر، تقول “العالم بأسره كخشبة المسرح، وجميع الرجال والنساء فيه ليسوا إلا ممثلين: لديهم مخارجهم ومداخلهم؛ يلعب الرجل في وقته أدواراً كثيرة، وأعماله تتوزع على سبعة مراحل…” وإن كان شكسبير قد وظف هذه المراحل السبع للتعبير عن الفترات التي مرت فيها شخصية مسرحيته “Jacques – جايكييز” ألا وهي مراحل الرضاعة والطفولة والعشق والجندية والعدالة والشيخوخة والجنون العقلي فالموت على التوالي، فإنها كذلك تعد ميزاناً صحيحاً لقياس حياة رايان بينغهام الذي توهم لأميالٍ طويلة بأنه يعلم فعلاً عند أي مرحلة أو أي مطار قد استقرت حياته الآن.

من هذه النقطة تحديداً يُقلع فيلم (عالياً في الهواء) للمخرج جيسون ريتمان ليوصل رايان من مطار “الطفولة” إلى مطار “العدالة” التي يفيدنا تعريفها بأنها: (المرحلة التي يكتسب بها المرء الحكمة من خلال مروره بتجارب عديدة، وبات يشعر فيها بالنجاح ووصوله لمكانة اجتماعية محترمة، وهو الآن على دراية بحسن مظهره وصار يتمتع بالأمور المميزة في الحياة). بينما تعريف مرحلة الطفولة يقول أنها: (بداية الفترة التعليمية للشخص، حيث يشعر بالتردد قبل مغادرته لبيئته المنزلية المحمية التي يشعر فيها بالأمان، كما يفتقر أيضاً للثقة الكافية ليتصرف بسمتي الرشد والنضوج)، وصفٌ مناسب لشخصية رايان بعجالة من الكلمات.   

يعمل رايان بينغهام (جورج كلوني) كمستشار في التغيير الوظيفي لدى شركة تختص بمساعدة الشركات الأخرى على تنفيذ إجراءات خفض العمالة و”تسريح أو فصل” الموظفين وتوفير التوجيه والإرشاد اللازم لهم حول الفرص والوجهات التالية المتاحة للمفصولين الجدد. يقول رايان الذي يرى أن الترحيب الذي يتلقاه في المطار وروتينه يُشعره بأنه قد وصل إلى منزله “لكي تتعرف علي، يجب أن تسافر معي.” فمع أن عمله يقتضي مواصلة سفره بين الولايات لمعظم أيام السنة، إلا أنه يصف الأيام التي لا يعمل بها وتتحتم عليه المكوث على الأرض “43 يوماً تعيساً في المنزل”. يتشبث بحقيبته وكأنها أعز أصدقائه متباهياً بمجموعة بطاقاته النادرة التي تفتح له عالماً من الأبواب الموصدة، والأشخاص المسافرين من حوله هم المجتمع الذي يناسب نمط الحياة التي تعجبه، ولهذا نجد أن انجذابه لأليكس (فيرا فارمينغا) “مسافرة دائمة أخرى” هو أمرٌ منطقي لأبعد الحدود، فكلاهما نسخة عن الآخر، خاصة أن الجملة الأولى التي تجمعهما تأتي بصيغة سؤال يوضح أنهما يتحدثان نفس اللغة العملية والاجتماعية “هل أنت راضية عن بطاقة مايسترو؟”.

يتلقى رايان مكالمة هاتفية من مديره كريغ غريغوري (جيسون بايتمان) الذي يطلب منه الحضور لاجتماع هام من المفترض أن يُحدث تغيير كبير على سياسية أعمال الشركة. يستهل كريغ مقدمة اجتماعه بوجوب استغلال شركته لأسوء فترة اقتصادية تمر بها الولايات المتحدة “إنها فرصتنا”. ومن ثم يُقدم موظفته الواعدة الجديدة واسمها ناتالي كينر (آنا كيندريك) التي تعرض فكرة ثورية تقوم على الاستغناء عن منهج تسريح الموظفين بالسفر حول أرجاء الدولة بتقنية حديثة ستمكن المستشارين من القيام بعملهم عبر شاشة كمبيوتر واحدة، والتجول بين الولايات دون تكلف عناء السفر. تنفيذ هذه التقنية يعني قضاء غير مباشر على عمل رايان الذي يثور حنقاً على ولوج ناتالي في حياته، ويضطره رئيسه أن يتولى مهام تدريبها بعد إقناعه أن فكرة هذه المستجدة تحتاج لوقت طويل كي يتم تطبيقها بفعالية.

بيتين لهما خلال الأيام التي يمضيانها سوياً بتسريح الموظفين داخل عدد من الولايات أنهما يشتركان بطبيعة العمل فقط ويتناقضان في كل شيء آخر. ناتالي بالطبع تمثل الحياة التي هجرها رايان منذ وقت طويل، وهي تسعى وراء النجاح الأكاديمي والوظيفة المرموقة والصديق الوسيم ذو الابتسامة الجميلة وتحلم بالنهاية الزوجية السعيدة التي ستكمل دائرة حياتها المثالية. لا تتردد ناتالي كذلك من انتقاد أسلوب معيشة رايان، حيث أنها تتعجب من رفضه للزواج وتركيزه على أهدافه المهنية المجردة من طموح أسري مستقر حتى مع وجود أليكس في حياته. تتعقد الأمور أكثر بالنسبة له عندما تطلب منه شقيقته الكبرى كارا (آيمي مورتون) أن يلتقط بعض الصور من بعض الأماكن الجميلة في أمريكا كهدية زفاف لشقيقته الصغيرة جولي (ميلاني لينسكي). بيد أن اجتماع رايان مع هؤلاء الأشخاص وتعرضه لعدة مواقف مفاجأة وقاسية وعاطفية ستكشف له وزن الحياة الذي كان يسأل عنه.

استوحى المخرج جيسون ريتمان وزميله في الكتابة شيلدون تيرنر سيناريو الفيلم عن رواية وولتر كين التي صدرت عام 2001 وتحمل نفس العنوان، لكن مع إجراء بعض التغييرات الثانوية (كرقم الأميال الذي يريد رايان أن يصل إليه، قام جيسون بمضاعفة الرقم الأصلي في الرواية بعشر مرات). الفيلم والراوية بمجملهما كعملين أدبيين يجسدان سرعة الحياة الحالية وفجوة اختلاف الأولويات بين مختلف الطبقات الاجتماعية الأمريكية، بين الفئة العاملة متوسطة الدخل التي تعول كثيراً على الأجر الشهري والحوافز والخدمات المختلفة، وبين الفئة العليا التي تقتات عيشها وتجد متنفسها في الاستمتاع بما لم يفكر أو يحلم بتجربته هؤلاء الموظفين الاعتياديين يوماً من الأيام.

قد لا يملك الفيلم الكثير من التوضيحات حول تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على موجة تسريح الموظفين التي يصورها هنا (وهي ليست رسالته على أية حال)، إلا أنه يركز تماماً وبامتياز على دراسة منهجية عمل ويوميات العيشة العصرية من خلال محاولة إحياء الإنسانية داخل روح رايان بينغهام الذي أتخم غروره بالاستقلال المادي والثقة العمياء قاطعاً عدد لا حصر له من الأميال دون أن يلمس أو يضع هدف يستحق عناء قطع كل هذه المسافة.

في واحد من أفضل مشاهد الفيلم، يصف رايان نفسه لأحد الموظفين الذين قام بتسريحهم للتو واسمه بوب على أنه بمثابة “المنبه”، ويواصل تلقينه تلك الجملة الرنانة حول تحقيق الأحلام وصون العائلة وتفاخر الأبناء بوالدهم، فتصغي ناتالي لحديثه بمزيج من التعجب والاهتمام لمنطقية حواراه والثقة التي ينطق بها تلك المبادئ التي تعلم أنه لا يؤمن بها “كم دفعوا لك في البداية كي تتخلى عن أحلامك؟” و”متى ستعود للقيام بالعمل الذي يُشعرك بالسعادة؟”. تمعن في عيني رايان وهو يلتقط من صندوق أسراره وعقله الباطن تلك الأحرف، تجده يخاطب ذاته والندم الذي يشعر به الآن معاتباً لاعب كرة السلة البارع الذي كان عليه في الثانوية قبل أن يهجر موهبته وحلمه ويسلم مستقبله ويديه لأصفاد ومغريات المادة التي حولته سجيناً في حبس الهواء وبلاستيكية بطاقات الائتمان والخصومات الوظيفية، ويختتم حديثه مع بوب بجملة تتراءى لنا كالعبرة التي ربما تمنى سماعها في شبابه المتسرب “هذه فرصتك يا بوب، إنها ولادة جديدة لك”. يقتنع بوب فوراً بكلامه لأن رايان صادق لا إرادياً بما يقوله.      

تعلو قيمة الفيلم بشكل تدريجي عند حضور رايان برفقة أليكس لتناول العشاء مع عائلته قبل يوم واحد من موعد زفاف شقيقته الصغرى جولي، يجتمعان أولاً بالصدفة مع شقيقته الكبرى كارا المنفصلة مؤخراً عن زوجها، ونلاحظ مباشرةً الاختلاف الجذري في هيئة ومعنويات وأوضاع الأشقاء الثلاث المادية، فمظهر كارا وتجاعيدها يحكيان الكثير عن امرأة أمضت معظم سنين حياتها وهي تهتم بعائلتها وأطفالها على أن تتمتع برفاهية العيشة المستقلة كما فعل رايان، في حين أن جولي الأصغر بينهم والتي تفوح منها رائحة البساطة والبراءة مقتنعة بما حظيت به من زوج طيب متوسط الجمال والدخل وتقبل أن تشاهد شهر عسلها بالصور. دقق في الطريقة التي تتواءم بها أليكس مع هذا التباين الواضح بين رايان وشقيقتيه، فهي لا تبدو غريبة بتاتاً على هذه الأجواء العائلية، وكأنها قد تذوقت من قبل نكهة الحياة العائلية وتشربت شوائبها الروتينية. وحده رايان يشعر بالغربة بينهم، فشقيقتاه يضعانه في خانة “ضيوف” الزفاف لأنه لم يكن له “وجود” فعلي في حياتهما من قبل.     

علاقة رايان بكل من أليكس وناتالي هي بمثابة مفترق طرق يقف أمامه رايان، حيث يعمد (عالياً في الهواء) على توليف الانسجام التلقائي بين رايان وأليكس منذ بداية القصة للإشارة على تفضيل البطل حرية السلوك والعيش دون ارتباطات حقيقية تعفيه من تحمل أي مسؤولية، ومن ثم يُدرج الفيلم شخصية ناتالي لتكون نقيض اختياراته الحياتية هذه ولتعطي الأحداث التوازن الدرامي المطلوب لإبراز المعضلة الرئيسة للفيلم. فعلى الرغم من تسليط الأضواء بشكل ساطع على مشاكل رايان وقلة نضوجه، إلا أن هاتين المرأتين يعانيان كذلك من متاعب بنفس مستوى التعقيد وربما أكثر؛ فبالنظر لحالة أليكس التي تعيش حياة مزدوجة خفية، نلاحظ أنها لا تجد أية صعوبة في وصف ردة فعل رايان القاتمة في اللحظة التي يكتشف بها السر الذي يعكس عالمهما الضال المشترك “إنه شخص تائه لا غير…” وكأن الكاميرا تلتقط صورتهما التراجيدية الحاسمة وتعابير الصدمة تستبدل ابتسامتهما المعهودة. نتفهم عندئذ فحوى الألم النابع من صوت رايان في مكالمته الأخيرة مع أليكس “اعتقدت أنني جزء من حياتك الحقيقية” فتجيبه “أنت لا تتعدى فترة استراحة في حياتي”.   

يوفر الممثل جورج كلوني في دور رايان بينغهام (وطاقم الممثلين بشكل عام) ما يتطلبه من جاذبية وحب للذات بحيث يجعل من أداءه طبيعياً ويتحلى بنسق حيوي بعيد عن المبالغة، فمن السهل أن يترك الفيلم انطباعاً متذاكياً زائداً عن حده عند بعض المشاهدين، خاصة في النصف ساعة الأولى التي لا يفارق بها كلوني الشاشة مستعرضاً تحكمه المميز بهذه الشخصية. أداء كلوني وإخراج جيسون ريتمان (قدم سابقاً فيلمي “جونو” و”شكراً على التدخين”) يتمتعان بفاعلية قصوى تسمح لـ(عالياً في الهواء) أن يُكمل رحلته إلى أبعد من يكون فيلم درامي تهكمي معاصر وحسب، لا بل ينجح دائماً بمفاجأتك ويرفض الأحضان المعهودة الني نشهدها في النهاية الهوليودية التقليدية، كما أنه يلامس بشفافية وبصناعة سينمائية واثقة وممتعة ما كان على رايان بينغهام فعله منذ زمن: تعيين موظف جديد بدلاً من فصله، فأهلاً بعودته.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: