التخطي إلى شريط الأدوات

The Hours – 2002

“Someone has to die in order that the rest of us should value life more. It’s contrast.

كتبها مهند الجندي بتاريخ 20 فبراير 2003.

يكمن الحزن والعذاب في فيلم المخرج ستيفين دالدري (الساعات) في الساعات التي تتخللها وحدة الغرف وكآبة الشذوذ الجنسي، وتلك التي تسبق الموت وتشير إليه. يستخدم موهبة ثلاثة ممثلات ذات قوة وذكاء مبهر في الأداء والتعبير عن عواطف تدعو للإشمئزاز لكن بطريقة تبدو مقنعة ومفطرة للقلب. أيضاً، قصص النساء الثلاثة هذه ترتبط ببعضها البعض بعدة أشكال. فعند كل امرأة ما تعرضه من المصائب ومصاعب حياتية مستقلة، لكن مع نهاية أحداث الفيلم، يتضح أن اجتماع هذه القصص هو أمر أكثر شمولية للحبكة التي يعتمد عليها الفيلم منذ المشهد الأول، اختيار الانتحار ما بين أكثر من شخصية هي النقطة الرئيسية في الفيلم، لأنه يعبر عن خلاص الشخصيات من عذاب لا مفر منه.

 تجمع الحكاية بين أربعة فترات زمنية، حيث يفتتح الفيلم عام 1943 مع انتحار فيرجينيا وولف (نيكول كيدمان) في انجلترا، وبعدها نعود معها وحياتها بدءً من العام 1923، ومن ثم ننتقل لعام 1951 في لوس أنجيلوس حيث تقطن الزوجة التعيسة الوحيدة لورا براون (جوليان مور)، وأخيراً عام 2001 في مدينة نيويورك مع كلاريس (ميريل ستريب) التي تحاول ارضاء زوجها المريض ريتشارد (إد هاريس) – على وشك الموت – بشتى السبل، حتى وإن كان ذلك بترجيه لحضور حفلة خاصة لتكرم مسيرته الشعرية الحافلة. هذه الشخصيات الثلاثة تجمعها رواية “السيدة دالاواي” التي كتبتها فيرجينيا وولف عام 1925، والسبب يعود أن شخصية دالاواي تبادلهن أحاسيسهن الاجتماعية وأوضاعهن العائلية المغلفة بقلة الحب وانعدام الحظ وعدم الاستقرار العصبي والنفسي.

 النساء الثلاثة يسردن للجمهور رواية السيدة دالاواي خلال تصرفاتهن اليومية، فالأولى تكتبها وهي تعيش مع زوجها الناشر لينارد وولف (ستيفن ديلاني) في لندن وتتعالج من أمراضها، الثانية تقرأها وتتأمل أسطرها وهي تنظر إلى زوجها المحب (جون سي رايلي) وتحاول الانتحار، والثالثة تعيش هذه الرواية يومياً وتواسي زوجها وتقوم بشراء الزهور. ولكن هذا الربط لديه أسبابه، بحيث أنك تراقب اختلاف ركائز ودواعي القيام بالانتحار ما بين ثلاثة نساء بين عقود متباعدة يشتركن بالتفكير حول شخصية واحدة ألا وهي “دالاواي”، فتلاحظ أن كل واحدة منهن أخذت منحنى مختلف في تعاملها مع شذوذها، نظراً لاختلاف الفترات التي يعشن بها.

 المخرج ستيفين دالدري وكتاب السيناريو ديفيد هير المقتبس عن رواية مايكل كونينغهام يبقيان أجواء الفيلم العامة أدبية خالصة، فتشعر أنك بشكل أو بآخر تسير بعملية كتابة ومطالعة وتأثير الرواية على ثلاثة أجيال. كما أن دالدري بمساعدة محرره بيتير بويل يعملان بشكل رائع في قطع وشبك هذه القصص وأوقاتها المختلفة من وجهة نظر رواية دالاواي. لكن المشكلة تكمن بأن هذه الشخصيات كلها غنية جداً، وتحتاج لأكثر من هذا الربط كي نشعر فعلاً بحزنها، فنحن لا نعلم تماماً وبالضبط شيء عن ماضيها وما هي بالتحديد العوامل التي جرتهن لهذا الجنون أو التشاؤم.

 كما أشرت في بداية المراجعة، الفيلم بعد إنجازاً على المستوى التمثيل أكثر من أي شيء آخر. من الصعب اختيار أفضل أداء قدمته الممثلة الاسترالية أميركية الشهرة نيكول كيدمان، لكن أدائها الفائز بالأوسكار هذا هو أكثر أدوارها تفحصاً وتشبثاً بتكنيك التمثيل. الأنف الذي وضعته كيدمان هو كأي زي يرتديه الممثل ليجعله يشعر مع شخصيته ويقترب من مستواها الفكري و محيط حياتها، وبالفعل فإن أدائها ممتاز ويستحق تلك الجائزة. راقب كيف تقوم كيدمان بإنحنائات وجهها، خفض مستوى صوتها وهمساتها الذكية. من الواضح أن كيدمان تريد أن تصبح فيرجينيا وولف على الشاشة، وليس فقط لعب دور جديد آخر. جوليان مور أيضاً رائعة، ليس فقط بتجسيد الدموع وعزلة الحيرة ما بين الغرف، لكن أيضاً بلعبها دور زوجة تساوي بين عدلها مع زوجها وتحديها لنفسها بعدم مغادرة الرجل التي لا تحب. ميريل ستريب تمتلك أخف الأدوار، لكن من العجيب كيف ما زالت هذه الممثلة القديرة قادرة على ابقاء هذا الرتم الرفيع من طاقة وعمق في طريقة سردها للحوار وإسرافها للدموع، فهذه المحررة التي تعيش مع صديقتها منذ عقد من الزمن لم تعرف حتماً أي نوع من السعادة الحقيقية. ولا أستطيع نسيان أداء إد هاريس المبهر بتسلطه وماضيه المرير.

 شيء يدعو للسرور أن تشاهد فيلم مثل (الساعات)، لأن قوة الأداء ورسالة الفيلم المؤثرة تجعل منه قطعة أدبية تنبض بأفكار هامة عن السعادة واليأس، عن أمل ثلاثة النساء بالتوصل للحب الصافي والاستقرار الأبدي. كنت أرغب بمشاهدة المزيد من قصة فيرجينيا وولف وزوجها الذي يعتني بها، لأنها تحتوي على أفضل تمثيل وحبكتها تشد ذكاء المشاهدين، وتبحث أكثر في فترة زمنية نحن نجهلها، عدا عن ديكوراتها وأزيائها فريدة الصنع والتصوير. الفترات الزمنية الأخرى تبقى جيدة لكن الأولى مميزة بكمية من الأصالة والبؤس الكلاسيكي التي يندر مشاهدته في الأفلام هذه الأيام.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: