التخطي إلى شريط الأدوات

Syriana – 2005

“In this town, you’re innocent until you’re investigated.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 25 ديسمبر 2005.

فيلم (سيريانا) للمخرج والكاتب ستيفن غاغن (كتب سابقاً خطوط التهريب Traffic) مستند على مذكرات عميل خبير في المخابرات الأمريكية اسمه روبيرت باير عمل في الشرق الأوسط لمدة ليست قصيرة، وهو فيلم يهدف لأكثر بكثير من أن يكون حكاية مثيرة سياسية جريئة فحسب، ستيفن غاغن الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو عن فيلم خطوط التهريب عام 2000 يجمع استناده على كتاب باير مع أجواء صحفية وتلميحات ودلالات قاسية مرتبطة بأجواء ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول ليشكل قصة معقدة متشابكة مقلقة حول تجارة النفط، العنف، المال والنفوذ الأعمى. تفاصيل الفيلم تحتاج إلى الكثير من التركيز، معظم المعلومات المهمة لا تظهر إلا خلال همسات المحادثات وتكاد لا تسمعها. لكن الجهد الذي تبذله في جمع البراهين، التحقق من صحة كل قصة والذكاء الذي يجب أن تعتمد عليه هو ما يجعل (سيريانا) تجربة سينمائية ثرية ومسلية في آن واحد، خاصة أنه يتكلم عن موضوع يسهل علينا نحن العرب التعرف عليه: برميل النفط.

بوب برانز (جورج كلوني) عميل كبير السن في وكالة المخابرات الأمريكية يعمل في الشرق الأوسط، بعد أن تولى في حياته عدد كبير من المهام العملية سينتقل أخيراً إلى وظيفة مكتبية سهلة في واشنطن. لطالما كان بوب مؤمناً بالعمل الذي يتولاه، يراه كمساهمته الخاصة في الدفاع عن الديمقراطية. مهمته الجديدة هي اغتيال الأمير ناصر (ألكسندر ناصر)، لكن تنفيذ هذه المهمة ينحرف عن المسار المطلوب ويتم عزل بوب من قبل رؤسائه في وكالة المخابرات. ينقلب عالمه رأساً على عقب، والأشياء التي كانت الأهم في حياته مثل تعليم ابنه تقل أهميتها عندما يقرر بوب تصليح الأفعال الخاطئة التي كان يصنعها من غير معرفة مسبقة بخطورتها. الأمير ناصر هو ولي عهد دولة خليجية غنية بالنفط، رجل يفكر لبعيد ويريد استعمال ثروات بلاده ليحسنها ويصنع حياة أفضل لشعبه – بدلاً من أن يبيع النفط الثمين والغاز الطبيعي إلى الشركات الغربية التي تجمع البلايين من الأرباح من خلال تكرير و توزيع النفط. لكن خطة الأمير ناصر هذه ليست في مصلحة والده و الشركات المخادعة التي تجني تلك الأرباح الطائلة. والد الأمير ناصر (نديم صوالحة) يعلن بأن الأخ الأصغر الأمير مشعل (أكبر كيرت) سيعتلي العرش من بعده.

براين وودمان (مات ديمن) محلل طاقة ذكي طموح يعيش مع زوجته جولي (أماندا بيت) وأبنائهم في جنيف. براين لديه بعض الأفكار الجديدة حول صناعة النفط لكنه يفتقر للدعم كي يتقدم بهم إلى السلطات. يُدعا هو وزوجته إلى إحدى حفلات الأمير الفاخرة، لكن مأساة تحدث ويقتل ابن براين الكبير جراء تكهربه في بركة سباحة تحوي على كاميرا أمنية. هذه الحادثة تشقق العائلة وبراين يصبح أكثر بعداً عن جولي. في الوقت نفسه، الكارثة لها نتائج إيجابية، حيث أنها تقرب براين من الأمير ناصر لأنهما يشتركان بنفس الأفكار المستقبلية. المحلل عنده الخبرة ليساعد الأمير في إنجاز مهمته من أجل تطوير بلده، إنما الطريق لن تكون سهلة بالنظر إلى الأوضاع الراهنة.  

بينيت هوليداي (جيفري رايت) محامي جديد في شركة محاماة رفيعة المستوى خصصت للعمل في دمج شركتي طاقة عملاقتين وهما كونيكس و كيلين، ويساعد وزارة العدل في التحقق حول شركة كيلين. مهمة بينيت هي التأكد أن تتم صفقة البلايين هذه بنحاح، كما عليه أن يتعامل مع والده الكحولي (وليام سي. ميتشيل). رئيس بينيت، دين وايتينج (كريستوفر بلومير) يعمل جاهداً لإفساد صفقة رتبها الأمير ناصر مع الصينيين، الذين أصبحوا حالياً منافسين جديين لموارد الطاقة وتحترس وتغار منها الشركات الأمريكية أشد غيرة. في الطرف الثاني هناك اثنان من العمال في شركة كونيكس، سليم أحمد خان (شهيد أحمد) وابنه وسيم (مظهر منير) باكستانيان عينوا للعمل في حقول النفط لرواتبهم الرخيصة. يفقد عمال النفط هؤلاء وظيفتهم فجأة (وهو ميقاتهم الوحيد) عندما تغلق كونيكس أبواب العمل بسبب الصفقة مع الصين. سليم يسلم أمره لله بأن الأمور ستتحسن لكن وسيم غاضب لقسوة المعاملة خاصة بعدما يضرب من قبل الحراس لتجرئه الكلام والتعبير، مما يدفعه للانضمام إلى ثوار أصوليين لديهم علاقة بالعميل بوب عندما كان لديه مهمة في طهران.  

غرابة الفيلم على أية حال، لا تأتي كثيراً من تعقيد حبكاتها، التي بالكاد نستطيع أن نلخصها، لكن الغرابة هي في طريقة المخرج ستيفن غاغن في إبقائنا بعيدين عن معظم الأسرار واستخدام إستراتيجية من تشويش وحجب المعلومات الهامة عنا حتى الوصول إلى النهاية الجميلة. الفيلم يختار دائماً أن يضعنا خلف الأحداث بخطوة واحدة على الأقل، يحرمنا من قدر المعرفة التقليدي الذي نمتلكه عادةً حول قصة أي فيلم. نجد أنفسنا في منتصف موقف أو حالة ما، ندخل الغرف بعد أن يكون الحدث والحديث قد بدأ فيها. والأكثر أهمية أن أغلب الأشخاص القصة مقدمون بطريقة باردة بدون معلومات كثيرة، بدون تلميح واضح عن هوية الشخصية الثانوية عن الرئيسية. يعود الأمر لذكائنا لنستوعب ماذا يحدث تماماً، وعند الختام تكون الصورة الكاملة قد ظهرت ونتمكن عندها فقط أن نتوصل إلى الهدف الخفي من هذا الأسلوب الغير اعتيادي.

 صانعو الفيلم يختارون هذه التقنية كي يجبروا المشاهد التركيز على المعلومات التي يحصل عليها من كل مشهد، غاغن وهو راوي قصص بالفطرة يدعم هذه العملية بمشاهد عاطفية حول العائلة والمال (على الأغلب بين أب وابنه) ليلامس مشاعر إنسانية كما هو عنصر النفط العالمي للإنسانية. والسبب الآخر هو فتح باب مخيلتنا ومساعدتنا تفهم الظروف التي تمر بها كل شخصية، تشعر أنك داخل وبين ترهات هذه المؤامرات، الإنصات السري خلف هذه الأبواب المغلقة. بطبيعة الحال ولأن الفيلمان من كتابة نفس الرجل فإن (سيريانا) و (خطوط التهريب) يتشابهان في أمور كثيرة.

 البناء والسرد وطريقة التصوير الوثائقي تعتمد على الكاميرا المحمولة والألوان المختلفة والتنقل السريع اللماح بين القصص. كلاهما يملك طاقم عمل وتمثيل هائل يتحرك على نفس الرتم ولمحصلة واحدة. التحضير طويل ومتمهل لكن ضروري وفعال. يتعامل الفيلمان مع صفقات فاسدة، وتسيب سياسي، وتجسس واغتيال، وإرهاب وعنف، ومشاكل عائلية لتسليط الضوء على الحياة الاجتماعية في عدة بلدان (من دبي وجنيف إلى لندن وأمريكا). غاغن ليس مخرجاً ممتازاً لكنه يستعير الكثير من أسلوب ستيفن سوديربيرغ (مخرج منفذ للفيلم) الذي أوصله إلى الأوسكار أيضاً عن خطوط التهريب، ألا وهو الكاميرا المحمولة لتوفير إحساس تقارير الأخبار. التمثيل كذلك ممتاز من الجميع، جورج كلوني يبرز لزيادته 15 كيلو غرام وإطلاقه لحية طويلة، يقدم لنا كلوني رجل نزيه لكن منهك من السياسة.

أهمية هذا الفيلم تكمن بأن قلة من أفلام هوليوود تجرأت بالحديث عن هذا الموضوع بهذه الصراحة والتفصيل. ينتقد سياسية الخارجية الأمريكية والإستراتيجية العسكرية التي كرست خدماتها لمصلحة شركات النفط الموجودة في الخليج، شخصية مات ديمن تقول :”النفط ينفذ، و90% من الباقي منه موجود في الشرق الأوسط”. يبين الفيلم أيضاً خطورة وجشاعة العالم الاقتصادي المعاصر، العلاقة بين رئيس العمل الفاسد والموظف الخدوم الغافل. (سيريانا) ليس فيلم درامي سهل على الرغم أنه لا يقدم معلومات جديدة تماماً، معقد في تفاصيله المتشعبة التي تؤدي إلى نقطة رئيسية كبرى، لكن المهم والمفيد أنك مع نهاية الفيلم لن تنظر إلى تجارة النفط كما كنت تفعل قبل مشاهدتك له.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “Syriana – 2005

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: