التخطي إلى شريط الأدوات

Scarface – 1983

“In this country, you gotta make the money first. Then when you get the money, you get the power. Then when you get the power, then you get the women.”

ترجمة: مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

 أريد ما هو آتٍ إلي،” “وما هو هذا؟” … “إنه العالم يا شيكو، وكلٌ شيء فيه”.

— توني مونتانا في (ذو الندبة).

 إن أداء آل باتشينو في فيلم (ذو الندبة) للمخرج بريان دي بالما هو العنصر الأساسي لنجاح أو فشل قصته، أداء يصفه البعض أنه يجمع بين العدوانية والمبالغة والعبقرية، بصرير أسنانه وتلويح يديه وشمه للمخدرات وأكله للكلام. بينما يصفه آخرون بأنه أداء مبهرج دون مبرر. ما الذي كان يتأمله المتذمرين من أداء باتشينو؟ أداء داخلي وواقعي؟ متحفظ؟ كيف ذلك وتوني مونتانا فنان في التمثيل أكثر من أي شيء آخر، وهدفه في الحياة هو أن يرضي عنفوان شخصيته. منذ اللقطة الافتتاحية الأولى للفيلم، نرى مجرماً كوبياً آخر لا حاجة له يتم تحقيق معه في سجن فلوريدا، يضع في نصب عينيه شيء واحد ألا وهو أن يفرض شخصيته وإرادته على الآخرين. يشق طريقه في البداية دون أية علاقات أو أسلحة، معتمداً على تبجحه وتظاهره بالشجاعة، ويحاول التصرف كأصحاب النفوذ فقط بلعب دور الرجل الخطير واسع الحيلة. وبما أن تمثيل توني هذا مجرد خدعة؛ إذن فلا داعي لآل باتشينو أن يلعب شخصيته بطريقة متحفظة.

 إن توني مونتانا أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في الأفلام الأمريكية المعاصرة، فقد ألهم عدد لا محدود من الشخصيات. وإذا كان كلام خبير قسم الجرائم جاي روبيرت ناش صحيحاً، وأن رجال العصابات الأمريكيين قد تعلموا كيف يتكلموا ويتصرفوا من خلال دراسة أفلام الجريمة الهوليودية القديمة؛ فمن المرجح أن يكون فيلم (ذو الندبة) قد ألهم أيضاً أساليب تصرف وسلوك بعض الأشخاص. حتى أن الـDVD الجديد للفيلم يحتوي على مقطع وثائقي يتحدث حول تأثير الفيلم على حركات وأفعال مغنيين الهيب هوب. لقد تمت الاستعارة من هذا الفيلم بكثرة، لدرجة أنه بات من الصعب علينا فهم أو تقدير إلى أي حد كان (ذو الندبة) فيلماً مبتكراً عندما صدر عام 1983، حينما كان وجود الأبطال اللاتينيون شيء نادر في السينما، وفكرة الكوكايين لم تكن مبتذلة، والمشاهد التي تصور سجال معركة سلاح ختامية كانت شيئاً جديداً بحق. تماماً كما هو حال الجيل الذي نشأ على مشاهدة مسلسل (عائلة السوبرانو) الذي ربما لن يفهم أبداً كيف كان فيلم (العراب) مبتدعاً في كل شيء عند صدوره؛ فإن (ذو الندبة) أيضاً قد تشرّب وتغلغل في عروق مقلديه المعاصرين.

 تأخذ هذه النسخة الاسم وبعض الأوجه العامة من فيلم المخرج هوارد هوكس لعام 1932 الذي كان ينفس العنوان، وقد لعب بطولته آنذاك الممثل بول موني مستلهماً أحداثه عن حياة رجل المافيا آل كابون. الفيلمان تعرضا للهجوم لما يحتويانه من عنف، وكلاهما يدور حول صعود وسقوط رجل أعمال مجرم، مهووس بشقيقته، ويلقى حتفه حين ينقلب السحر على الساحر – المخدرات في قصة توني مونتانا، وبائعات الهوى في قصة آل كابون. غير أن فيلم دي بالما ليس إعادة بالمعنى التقليدي للكلمة؛ حيث أنه يأخذ خط روائي مألوف عن قصة يبدو أنها تحاكي مسرحية “ماكبيث” لوليام شكسبير، ويستخدمها لإلقاء نظرة على شخصية جديدة في معلم جغرافي جديد: مدينة فلوريدا في أوائل الثمانينيات، بعد فترة وجيزة من سماح فيديل كاسترو للهجرة الواسعة من جزيرته، مرسلاً لنا قوارب مليئة بأعداد هائلة من شعبه البائس والوضيع، وليستغل في نفس الوقت فرصة إفراغ السجون في بلاده.

 بعض المشاهد الأولى في الفيلم مستمدة من مقاطع وثائقية تستعرض التغطية الإخبارية لوصول اللاجئين وخطابات كاسترو التي توضح حجم سعادته في التخلص من العناصر المناهضة للثورة. توني مونتانا المجرم المفلس، على استعداد للقيام بأي شيء لفتح صفحة جديدة في هذه الأرض؛ فلا يتوانى بقتل إحدى زملائه في السجن، بأمر من رجل كوبي أمريكي فاحش الثراء يكره هذا السجين. المقابل هو حصوله على الجنسية. ” سأقتلُ شيوعياً لمجرد التسلية ” يقول توني ” لكن مقابل تأشيرة دخول، فسأتلذذ وأنا أقطعه إرباً “. بعيد ذلك بفترة وجيزة، يبدأ عمله كمساعد لملك تجارة المخدرات في جنوب فلوريدا، فرانك لوبيز (روبيرت لوغيا). يتضح من هذه النقطة أن صعوده للسلطة بات أمراً حتمياً. المثير للاهتمام أن الفيلم كان قد كتبه أوليفر ستون، مخرج الفيلم الوثائقي (ثمن السلطة) عام 2003 حول محادثته مع كاسترو على مدار ثلاثة أيام، والذي شطح فيه بمدح الرئيس الكوبي.

 لطالما شعر ستون بالراحة والقوة وهو يعمل في ثنايا قصص تطالع الرجال والمخدرات والجنس والعنف، أعماله تمتاز بطاقة رهيبة؛ ومن المرجح أن يكون مونتانا تجسيد لدافع أوليفر ستون نفسه في سعيه للوصول إلى النجاح. إن السيناريو الذي كتبه كما هو الحال في نص “بين هيشت” في الفيلم الأول، مليء بالجمل الشهيرة: ” شيئان أملكهما في حياتي: خصيتاي وكلمتي، ولا أكسر أياً منهما لأي شخص “. هناك قوة جلية في النص الذي خطه ستون لأنه لا يحاول تليين شخصية مونتانا، بل يبقى محافظاً على صورته كأفعى من البداية حتى النهاية؛ عندما يقدم لوالدته ألف دولار، تسأله أمه : “من الذي قتلته لتحصل على هذا المال ؟”.

 الدور كان فرصة سانحة لآل باتشينو للغوص في أعماق حياة زعيم جريمة يناقض كلياً أدائه لشخصية مايكل كورليوني في فيلم (العراب) للمخرج فرانسيس فورد كوبولا. كورليوني شخصية ماكرة وهادئة، ذكية وإستراتيجية؛ بينما مونتانا فهو شخص طائش ومندفع ويعتمد على حدسه. صدر فيلم (العراب) عام 1972، و(الرجل ذو الندبة) عام 1983، عمل باتشينو ودي بالما سوياً بعد عشر سنوات في فيلم (طريقة كارليتو) عام 1993، وفيه لعب باتشينو دور مجرم من بورتاريكو يحاول ولو لمرة أن يسلك الصراط المستقيم في حياته.

 تساعدنا شخصية كارليتو الحزينة والأكثر حكمة والمصورة بواقعية في تفهم عدد الأدوار التي تعمد آل باتشينو اختيارها كي يستطيع تأدية شخصية توني مونتانا. أذكر قول الناقد الراحل فينسينت كانبي في صحيفة نيويورك تايمز عند صور الفيلم: “على الرغم من أنه أداء جامح (وحشي) للغاية، إلا أنه مقصود، بمعنى أنه أداء يسيطر عليه الممثل بشكل كامل”.

 يصور لنا فيلم (ذو الندبة) رجل يريد امتلاك العالم، لدرجة أنه في إحدى اللحظات يرى جملة “العالم ملكك” تغمز له عينها من على منطاد غوديير يحلق في السماء. العالم في نظره يحتم عليه امتلاك امرأة جذابة، ومنذ اللحظة التي يرى فيها تلك الشقراء النحيلة واسمها إلفيرا (ميشيل بفايفر)، يقرر أنها يجب أن تصبح من ممتلكاته. إنها عشيقة فرانك، لكن فرانك سيموت في أي لحظة، وتنتقل عشيقته وتجارته إلى جيب توني. إن رغبته بالحصول على هذه المرأة الفاتنة جلية، لكن ما الذي يريد فعله بها هو أمر مجهول؛ لا يوجد بينهما أية رومانسية، ولا سعادة. يملكها توني في مشهدين، الأول يكون فيه داخل بركة سباحة والثاني وهو يستمتع داخل حوض حمام كبير –  وفي المشهدين يكون الضجر كعين الشمس في كل إيماءة تقوم بها، لأن شمسها تشرق وتغرب تدور حول المخدرات. توني من جهته مهتم أكثر بشقيقته جينا (ماري إليزابيث ماسترانتونيو)، ومع هذا فإن شهوته المحرمة هذه لا تصور إلا بتصميمه على منع أي رجل من الاقتراب منها. الأمر الذي يقوده في النهاية لقتل مانولو (ستيفن باور) أعز أصدقائه. ردة فعل جينا على غيرته هذه مرعبة في سرعتها ومباشرتها (” أهذا ما تريده يا توني؟ “) إنها تعلم تماماً ما هي طبيعته وما هي الأمور التي تستفزه وتوقد شروره.

 الفيلم يعد مثال على عمل براين دي بالما وهو في قمة الحماس. فهو كتوني مونتانا لا يكتفي أو يهتم بالإيماءات الصغيرة والمشاعر الداخلية. أفلامه الممتازة عادةً ما تكون ذات تكلفة عالية وتتمتع بشغف واضح وتحمل أسلوبه المسلي جداً، ومع هذا فهو لم يستسلم أبداً خلال مسيرته لما يطلبه المنتجون من روتينية في أفلام الإثارة الحركة الروتينية. حتى أفلامه الأقل نجاحاً مثل (عيون الأفعى) كانت طموحة على الأقل. هناك عقل يعمل وغاية بعيدة فيما يوقع عليه من أفلام، وفكرة وراء أسلوبه، ولا نشعر بتاتاً بأن السوقية في أفلامه موجودة من دون مرام. أحد أفلامه الأخيرة كان (المرأة القاتلة) عام 2002، أحد أفضل أعماله، قصة مخادعة رائعة تدور حول سرقة فستان مصنوع من الألماس، تسرقه امرأة كانت ترتديه خلال ليلة افتتاح مهرجان كان السينمائي. إن تواضع نجاح الفيلم هو اتهام مباشر لقلة صبر الجمهور المعاصر، إنه جيل يفضل أن تهاجم السينما عيونه لا أن تغوي عقوله.

 فيلم على شاكلة (ذو الندبة) يناسب أذواقهم أكثر، الأمر الذي يُحسب للشعبية الهائلة للفيلم، حتى مع النسخة المعدة خصيصاً للعرض التلفزيوني التي تفسد محتواه في نقل حياة توني بحذافيرها. الفيلم يتمتع بطاقة جارفة، تهرع مسرعة للوصول إلى خاتمته المسرحية الكبرى. التصوير السينمائي من قبل جون ألونزو يمجد بحرفية معالم حياة توني – القصر واللهو وأسلوب الحياة – ومن ثم تنتهي بتراكيب صغيرة ضيقة مع تلاشي وتبخر عالمه.

 من أفضل مشاهد الفيلم هي عندما يكون توني في نادي ليلي، ثملاً مخدراً متعباً ومفطور القلب، نشعر الآن بعد أن بات العالم بين يديه، أنه لم يفقد روحه فقط، بل ربما بات يعلم أنه شخص بلا روح من الأساس. الموسيقى التي ألفها جيورجيو مورودور بنوعية التيكنو-بوب تقدم النغمة الصحيحة لأسلوب حياة توحي بالكثير من الرفاهية والنعيم لكن بدون أي راحة بال للذين يعيشونها.

  كل الفضل لهذا يعود لآل باتشينو، يا له من ممثل متكامل؛ بمقدوره أن يلعب شخصيات شديدة أو ضعيفة، صاخبة أو هادئة، قوية أو متعبة، ويقدمها دائماً على حدا وبتركيز وكأنه الدور الوحيد الذي يبرع فيه. لاحظ تمثيله في دور الصحافي الحزين والمخدر في فيلم (أشخاص أعرفهم) عام 2003، وهو يحاول بعند أن يركز على قضية مهمة من خلال ضباب انغماسه في شهواته الخاص، ولاحظ كم هي هذه شخصية مختلفة عن توني مدمن المخدرات في (ذو الندبة). أو ارجع إلى أدائه في بداية مسيرته بدور محتال يتجول في الشوارع في فيلم (ذعر في حديقة نيدل) عام 1971.

 باتشينو يمتلك مجموعة غير عادية من أشكال التمثيل، وقدرة حساسة ودقيقة في التعبير عنها. لا يوجد شيء اسمه “أداء آل باتشينو المعتاد” لأن هناك أنواع كثيرة لأساليب هذا الفنان. يلعب في هذا الفيلم شخصية توني مونتانا بمدى لا يعرف أية حدود، شخصية لا تكف البحث عن المزيد والمزيد من الملذات حتى أن تصرعه هذه الشهوات في النهاية. في المشهد الأخير، نرى كومة من الكوكايين على مكتبه، فيغطس بأنفه داخلها وإذ كأنه يتجرع الحياة نفسها وبشهيق واحد. لقد مثل باتشينو هذا المشهد ومسحوق الكوكايين يغطي أنفه، هذه التفاصيل تعرضت للكثير من التقليد والسخرية من البعض، إلا أنه خيار تمثيلي صحيح؛ فهو تجسيد لإنسان بات لا يبالي بشيء سوى إرضاء رغباته. إذا كان باتشينو مفرط أو مبالغ بأدائه في (ذو الندبة)، وهو فعلاً كذلك، فلأن الشخصية تضطره لفعل ذلك؛ توني مونتانا يختال “فوق القمة”.

المصدر

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

رأيان حول “Scarface – 1983

  1. الفيلم جميل جدا لكن المشاهد العنيفة غطت عليه
    الفيلم يحمل عنوان فيلم في الثلاثينيات
    تسلم استذ مهند على التقرير

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: