التخطي إلى شريط الأدوات

The Dark Knight – 2008

( إنه الحارس الخفي والعين الساهرة وفارس الظلام )

ترجمة مهند الجندي عن جيمس براردنلي.

العواقب. تنجم التشعبات في واقع الحياة جراء أي فعل وكأنها التموج المنبعث عن إلقاء حصوةٍ في بحيرة ما. وعادةً ما تلغى هذه التشعبات في عالم السينما خاصةً في الأفلام التي تحوي شخصياتٍ لا تعترف بالقوانين، غير أن القرارات والأفعال في عالم الرجل الوطواط كما تراها عين المخرج كريستوفر نولان في هذا الفيلم يتبعها بعض العواقب. يشرح فيلم (فارس الظلام) هذا الدرس بأساليب مجفلة ومؤلمة – والذي من المرجح أن يكون أكثر أفلام الأبطال الخارقين كآبةً ونضجاً في تاريخ الشاشة الكبيرة، فهو فيلمٌ قاسٍ ولا يعرف المساومة، بتحديه للفكرة الشائعة حول ما هو متوقع من نمطية فيلم “البطل الخارق” المعتادة. وعلى الرغم من تقدميه لمشاهد حركة ولحظات بطولية كثيرة، فإن مضمون (فارس الظلام) ينطوي على أساسٍ مأساوي كان سيثير فضول شكسبير أو حتى الفلاسفة اليونانيين؛ بطرحه مواضيع السلطة والضعف، العقلانية والجنون، الخيال والواقع، الأنانية والتضحية، ونعم، العواقب.

كثيرة هي الأقاويل التي صرحت بأن رؤية المخرج تيم بيرتن في فيلمه (الرجل الوطواط) عام 1989 هي الصورة الأكثر سوداوية طوال سنوات السينما حول أي بطل خارق، لكنها بالمقارنة مع رؤية المخرج نولان لهذه الشخصية يتضح لنا أن نسخة بيرتن لم تكن أكثر من تمثيل مبسط عنها. وبعد مراجعة عدة مسلسلات طويلة تعرضت لقصة الرجل الوطواط ومن بينها فيلمي المخرج تيم بيرتن، فإن الغلبة هي من نصيب المخرج كريستوفير نولان الذي أتبع ما بدءه في فيلم (بداية الرجل الوطواط) الجريء والناجح بقصة ثانية تعد من أفضل الأجزاء المكملة في التاريخ، ومن المرجح أن تكون أكثر التجارب السينمائية ترفيهاً منذ صدور الجزء الثالث لسلسلة سيد الخواتم (عودة الملك) عام 2003. يتابع جزء (فارس الظلام) سرد الحكاية بنفس المواضيع الرئيسة والقصص التي بناها الجزء الأول عام 2005، ويستغل المخرج نولان المقدمات والجذور التي ولفها في ذاك الجزء ليسترسل في تجسيد شخصية الرجل الوطواط على أنه ذلك البطل المهموم الذي تدفعه قوىً مدفونة في روحه لتجبره على فرض العدالة حسب قانونه الخاص.

لقد تحول الرجل الوطواط (كريستيان بايل) في نظر سكان مدينة غوثام إلى شخصية أسطورية بعيد قهره للشرير المدعو “رأس الغول” مع اختتام أحداث الجزء الأول. فالـ”الحارس الخفي” كما بات يُعرف هو الآن الأمل الذي تعول عليه المدينة، بالرغم من تصاعد الجدال حول هوية هذا المحارب: فهل هو بطل أم خطر على المدينة؟ نجد أيضاً بعض المقلدين لشخصية الرجل الوطواط، وهم أشخاص تطوعوا لحماية المدينة يرتدون زياً مشابهاً للبطل لكن أساليب مكافحتهم للجريمة بسيطة وساذجة. تأخذ الأمور منحناً أكثر جدية عندما تسبب نشاطات الرجل الوطواط الليلية خسائر فادحة على أعضاء الجريمة المنظمة في مدينة غوثام، ومما يزيد الطين بله ويثير ضغينة أفراد هذه المنظمة هو أن المدعي العام الجديد هارفي دينت (آرون إيكهارت) يقرر القبض عليهم بدلاً من تجاهل أعمالهم أو قبول رشوتهم.

وبمساعدة رقيب الشرطة النزيه جيم غرودين (غاري أولدمان)، يجتمع دينت مع الرجل الوطواط ويتوصل الاثنان لاتفاق حول كيفية الاستمرار في الحرب ضد عالم الجريمة. إلا أن هناك خطر جديد يظهر على هيئة رجل مجنون يتمتع بتعذيب الآخرين ملقب بالجوكر (هيث ليدجير)، والذي يعرض خدماته كقاتل تابع للعصابات، وفي نصب عينه تحقيق هدف واحد: الفوضى، الأمر الذي يضعه في صراع مباشر مع حارس المدينة ذو الرداء الأسود. الجوكر لديه طلب وحيد من الرجل الوطواط: أن يكشف عن هويته ويسلم نفسه للسلطات وإلا فإن المدينة ستغرق بدماء ضحاياها، وعندما يرفض بروس وين تنفيذ هذا الطلب، يفي الجوكر بتهديده هذا.

عادةً ما يتولد شعور أثناء مشاهدتنا لأفلام الأبطال الخارقين بأن كل شيء سيؤول على ما يرام عند نهاية الأحداث بغض النظر عن التحدي الذي يتوجب على البطل مواجهته، بيد أن هذا الشعور ليس له أثر في هذا الفيلم، وهو إلى حد كبير أهم إنجاز للمخرج كريستوفر نولان. فنحن نشعر ونرى بأن الرجل الوطواط ليس معصوماً عن الخطأ ويومياته تعج بالمخاطر. الأمان لا يزور أحد من الشخصيات، مهما كان الرجل الوطواط قريباً منها. قد تكون مدينة غوثام التي يقدمها نولان أقل صخباً وهمجية من تلك التي صورها بيرتن، لكنها مع نولان هي مكان أكثر بؤساً وظلماً بنواحٍ عدة. إنها كالمسرح المكدر وبطلنا يتطبع بتصرفاته من أجوائها، فرجل الوطواط هذا هو بطلٌ كالحٌ ومتجهم، نادراً ما يتكلم وهو في زيه الأسود، وعندما يتحدث فإن صوته يجش بالوعيد وكلماته لا تعرف الهزل ولا يستخدم الجمل الصغيرة الطريفة التي اعتاد الجمهور أن يسمعها من أبطال أفلام الحركة.

تعود جميع الشخصيات الناجية من مجريات فيلم (بداية الرجل الوطواط). كريستيان بايل بات أول ممثل يلعب شخصية الوطواط يتمكن من إضافة الأهمية المطلوبة لهوية الممثل الذي يرتدي الرداء الأسود. في حين أن كيتن وكيلمر وكلوني كان يمكن المبادلة بينهم خاصة عند ارتدائهم لسترة البطل. الموضوع يختلف مع بايل، فهو يتفهم الدور من الألف للياء. إن حضوره بزي البطل يمتاز بقوة لم يتمكن أي من زملائه الآخرين تحقيقها أبداً. أداء مايكل كين لشخصية ألفريد هو ليس تمثيلاً لخادم بروس وين فحسب بل هو أيضاً صوت ضميره. ودور لوسيوس فوكس (مورغان فريمان) يبدو بالفعل وكأنه نسخة الفيلم من دور “كيو”، فهناك مشهد في (فارس الظلام) يمكن مشاهدته في العديد من أفلام جيمس بوند. جيمس غوردن الذي يقدمه غاري أولدمان لم يكن مرتاحاً لوجود الرجل الوطواط في معظم فترات الجزء الأول، إلا أن شكوكه هذه انقلبت تماماً وصار موفده الغير رسمي لدى قسم الشرطة. مساعدة المدعي العام رايتشل دويز تبقى تجسد صورة الفتاة التي أهدرها بروس وين على نفسه، وهي في نظره صورة الحياة العادية والسعيدة التي توفر له أمل المستقبل. حلت ماغي غلينهول حلت كايتي هولمز لتلعب هذا الدور، وهي خيار صائب، فهي كممثلة أفضل من هولمز وتستحوذ على الدور في أول إطلاله لها مع الشخصية.

ومن الطاقم الجديد، يبرز الجوكر كأهم إضافة لهذا الجزء. من الطبيعي أن يجزم المرء على استحالة تصوير سلسلة حول رجل الوطواط دون عرض المواجهة بين هذا البطل مع شخصية جوكر في أحد أجزاء المسلسل؛ فقصص الكوميك لم تشهد صراعاً بين أي بطل خارق مع أي شرير كالذي يجمع بين الوطواط والجوكر، ومع هذا فإن نسخة الجوكر التي نراها في هذا الفيلم تخالف مجمل الأنماط التي ظهر عليها هذا الصراع في السابق. فمثلاً ترجمة سيزار روميرو لهذه الشخصية في المسلسل الذي عرض في الستينات صورته بهيئة المجرم كثير المزاح. وأداء جاك نيكلسون المبهرج لهذه الشخصية جعل فيلم (رجل الوطواط) عام 1989 يتمحور كلياً حول هذا الشرير. في حين أن الممثل الراحل هيث ليدجير يقدم لنا شيئاً أكثر عمقاً ودهاءً، بأداءٍ اكسبه صيتاً ألمعياً ليس لأنه كان آخر دور يقدمه بل لأنه كان الأكثر صعوبةً وتعقيداً في مسيرته. فهذا الجوكر المعتوه لا يعتريه شيء من الفكاهة، ولا ينطق بجمل بليغة مثل “هل رقصت يوماً مع الشيطان على ضوء القمر الباهت؟” كما أنه لا يعرف المبالغة؛ فهو وحش مرعب فاسد وحاذق يقف قريناً حقيقاً في وجه البطل.

آرون إيكهارت هو الممثل المهم الآخر المنضم لطاقم ممثلي الفيلم بدور المدعي العام هارفي دينت الجذاب والمحبوب في مدينة غوثام، وهو بمثابة الفارس المغوار لسكانها، وإيكهارت يلعب الشخصية بذات هذه الصفة، رجل عفيف القلب يصنع حظه بنفسه. حتى ذوي المعرفة الضئيلة بحكايات الرجل الوطواط يعلمون المصير الذي سينتهي عليه دينت، وهو مقدم هنا كما يتوقع المشاهد مع أن نولان يضيف بعض اللمسات المغايرة عن التي قدمها جويل شوماخر في فيلم (رجل الوطواط إلى الأبد).

بالإضافة لكل مواضيع صفحات السيناريو الغنية بمناقشتها لمسألة الكينونة وطرحها لأسئلة حول الوجود، يحتوي الفيلم كذلك على العنصر الأساسي لأي فيلم يتحدث عن بطل خارق: مشاهد الحركة. ثمة العديد من مشاهد القتال والمطاردات والتحديات. كما تحظى سيارة ودراجة رجل الوطواط على نصيبهما من الوقت على الشاشة. نشاهد أن بطلنا يتغلب على الأشرار بمفرده وبالمجموعات. وهناك مشهد يسارع خفقات القلب ويحتم على الحارس الخفي أن يسابق الزمن لإنقاذ أحد الأرواح، غير أن تبعات هذا المشهد ستكون مروعة دون شك سواء نجح أو فشل بذلك. إن دليل مهارة نولان الفطرية هنا تتمثل في كيفية تحويل مشهد قتال عادي إلى آخر مشوق، تماماً كما فعل في جزء (بداية الرجل الوطواط)؛ فهو يتجنب التنقلات السريعة ويسمح للحركة أن تقدم بطريقة منطقية مترابطة، وبالتالي يُدخل الجمهور إلى أجواء المشاهد بدلاً من أن يتوه في معرفة ما يجري فيها بالضبط.

يبدو أن سنة 2008 هي سنة نضوج أفلام الأبطال الخارقين، فمثلاً فيلم (الرجل الحديدي) الذي صدر بنفس العام هو أفضل مغامرة تنتجها شركة مارفيل هيرو على الإطلاق. والآن، ترد شركة دي. سي كوميكس على مارفيل هيرو بفيلم (فارس الظلام)، وهو عملٌ مبهرٌ قلباً وقالباً إلى حد يجعل المرء يتعجب عن سبب تطلب وصول هذا النوع من الأفلام إلى هذه الفنية الفريدة كل هذا الوقت. لقد قدم كريستوفر نولان لمحي الأفلام أفضل فيلم بطل خارق حتى الآن، متفوقاً على أفلام سابقة سواءً كانت متوسطة في مستواها أم ممتازة، ومضيفاً جزءًا ثانياً يتغلب على الجزء الأول من هذه السلسلة، كما فعل الجزء الثاني (الإمبراطورية ترد الهجوم) في سلسلة حرب النجوم.

المصدر

 

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: