التخطي إلى شريط الأدوات

Batman Begins – 2005

أفلام باتمان برؤية كريستوفر نولان

 

“It’s not who you are underneath; it’s what you do that defines you.”

بقلم مهند الجندي.

يضيف (رجل الوطواط يبدأ) للمخرج كريستوفر نولان فصلاً مفقوداً ومهماً عن حياة بروس واين الصبي وسلسلة ذلك الرجل الخارق الذي تنقصه الكثير من القوى الخارقة، من هو بروس واين، وكيف أصبح رجل وطواط، وما الذي دفعه إلى تبني مسؤولية الدفاع عن مدينة غوثام. يتضح أن بروس مجرد صبي صغير يملؤه الحزن والحسرة والندم لمقتل والديه. المخرج كريستوفر نولان وكاتبه ديفيد اس. غوير مهتمان بكشف جذور بروس واين وكيفية تحوله إلى رجل غير عادي يستخدم أسلحة بسيطة وسيارة خاصة، صناعة رجل خارق لديه عيوبه ونقاط ضعف يحاول التستر عليها بإنقاذ سكان مدينته، خلف تلك السترة السوداء والصوت الحديدي ليس هناك سوى فتى صغير يحاول أن يجعل والده فخوراً به. على عكس أفلام تيم بيرتن الجيدة وأفلام مايكل شوماخر الرديئة في هذا المسلسل، فإن نولان يركز على باتمان وعقليته ومتاعبه النفسية وإحساسه بالذنب أكثر من تركيز هؤلاء المخرجين الكبير والمبالغ أحياناً على الوحوش والأشرار اللذين يصارعهم، (رجل الوطواط يبدأ) يبدأ بتكوين عالم كئيب أكثر جودة ومصداقية لرجل اضطر للعيش في العتمة كي يوفر لسكان مدينته حياة أكثر إشراقاً من كل هذا الظلام المحزن. 

يفتتح الفيلم بين ذكريات عديدة، نشاهد فيها بروس واين الصغير (غاس لويس) يلعب مع صديقته في الحديقة، يتعثر ويقع في بئر، ينقذه والده الذي يحبه ويهتم به وبمشاعره كثيراً. لكن هذه العلاقة ستنتهي إلى الأبد عندما يطلب واين الصغير من والده مغادره حفل الأوبرا، ويرى مقتل أبويه بأم عينه من قبل لص وضيع بعد لحظات فقط من خروجهم. نتنقل بعد ذلك إلى بروس واين الكبير (كريستيان بايل) الذي يتم إنقاذه من سجن آسيوي مجهول من قبل شخص اسمه هنري دوكارد (ليام نيسين). بروس يعاني كثيراً من ذكرياته عن موت والديه، يقرر أن يرتحل العالم ويخوض منازلات مع أي مجرم يقابله، هذا حتى يجده دوكارد ويعرض عليه بديل مغري عن حياة التشرد التي يعيشها. دوكارد يريد أن يدرب بروس حتى يصبح عضو في إتحاد سري، يرئسه معلم ياباني قدير (كين واتانابي). هذا الاتحاد مكرس لإعادة التوازن إلى عصرنا الذي أصبحت فيه الجريمة تزداد بشكل مستمر.

بعد خضوه لدروس وفنون قتال قاسية، حكم فسلفية عقلية كثيرة، هوسه الطفولي بالوطاويط يجعل منه يندمج معهم بكل حواسه، يصبح بروس واين جاهز كي يتحول إلى شيء شبيه بالأسطورة، كما قال له دوكارد : “غضبك يعطيك قوة عظيمة”. يعود إلى مدينته الأصلية، غوثام، ليواجه موجة الجريمة التي تتصاعد بشكل كبير بعد غياب طويل إلى عرشه وإمبراطوريته، فهو بليونير يملك شركة عملاقة، وشخصية طريفة. نتعرف أكثر على مجموعة من موظفيه وأصدقائه المقربين، كبير خدمه ألفريد (مايكل كين)، يعتني به ويحاول أن يوجه على الطريق الذي كان سيرضي أبيه. لوتشيوس فوكس (مورغان فريمان) عالم ومخترع يقدم إلى بروس “بطريقة غير مباشرة” الأدوات اللازمة لإتمام عملية تحوله إلى رجل وطواط. هناك شرطي المدينة الشريف والجيد، جيم جوردن (غاري أولدمان)، وبالطبع صديقة طفولته، المحامية رايتشل ديوز (كايتي هولمز). من أجل أن يحقق العدالة ويجلب الأمان إلى غوثام عليه في البداية أن يواجه عدوين، زعيم الجريمة في المدينة، كارماين فالكون (توم ويلكينسون)، وطبيب نفساني مختل ملقب بالفزاعة (سيلسان ميرفي).  

الرائع في فيلم رجل الوطواط هذا هي اهتمام وعناية المخرج بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة، كل ما تريد أن تعرفه عن بروس واين موجود في هذا الفيلم، يدخل نولان تحت جلد الرجل لدرجة أنك تشعر بأسطورته القادمة حتى قبل أن يبدأ مغامراته الحقيقية في المدينة ومقارعته للمجرمين فيها. يجعل منه رجل حقيقي بأبعاد وشخصية تحتمل القبول والرفض – الإعجاب والنفور، لأنه يتعرض بروية وإتقان وتفهم لآلام الماضي التي تؤرق يوميات بروس واين، يسير بتدريبه بشكل طبيعي وبسيط (وإن لم يرينا بالضبط كيف تدرب على الطيران) إلا أنها مشاهد توفر الكثير من الإقناع. أيضاً الكاتب ديفيد اس. غوير (كاتب فيلم مدينة الظلام وسلسلة السياف – Blade) يعرف كيف يكتب حوار يجمع بين المفاجأة والطرافة وحتى الفكاهة، مما يجعل الفيلم أكثر شمولية وأكثر إمتاعاً عن مشاهد العراك والحركة الجافة، ولا يجبر الجمهور على قبول رتم واحد من التعاسة والإحباطات الشخصية التي يعاني منها الوطواط، بل يشرك المشاهدين بجمل ومواقف خفيفة بالإضافة إلى الصراع الذي ينتظر بروس واين مع كل عصابة فاسدة يواجهها في مدينته.

عيوب الفيلم ليست كبيرة، لكن المؤسف أن تفاديها يبدو لي سهلاً على تفكير كريستوفر نولان قياساً لما أنجزه في هذا الفيلم. بدايةً، الأشرار في هذه القصة والأعداء لا يعتبروا على المستوى المطلوب أو اللائق من القوة أو الأهداف كي يقفوا أمام الرجل الوطواط، لم أشعر بذلك الخطر أو التهديد الملموس على المدينة من أفعال الفاسد كارماين فالكون، أو من قناع الفزاعة، المخرج والكاتب اهتموا كثيراً بتشكيل أيقونة رجل الوطواط وقواه لدرجة أنهم أخفقوا بصنع عدو على نفس الدرجة من الأهمية والثراء في الشخصية والجمل الرنانة التي اعتدنا أن نسمعها من الأشرار في هذه السلسلة (تذكر مشاهد جاك نيكلسون في جزء عام 1989). أيضاً العوامل التقنية ليست مبهرة كما شاهدنا في معظم أفلام القصص المصورة الأخيرة (مشهد القطار هو الوحيد المدهش)، قد تكون رؤية المخرج بعزل المؤثرات الخاصة بقدر المستطاع حتى تكون الحكاية أكثر مصداقية، مع هذا فمشاهد القتال تبدو عادية ومصنوعة على الطريقة الكلاسيكية، خمس رجال يحاصرون باتمان فيصرعهم بخمس لكمات قوية. شيء غريب آخر، موسيقى هانز زيمر وجيمس نيوتن هوارد لا تبدو موجودة، لا تمتلك توقعيهم الخاص المعهود بوضوح أثره وقيمته في أي فيلم يشتركان فيه.

كريستيان بايل الذي خسر من وزنه 30 كيلو ليلعب دور البطولة في فيلم (الميكانيكي The Machinist) ومن ثم زاد وزنه 40 كيلو ليلعب دور الوطواط الخارق هنا، هو أفضل ممثل شاهدته يؤدي هذا الدور. لطالما شعرت أن مايكل كيتن على سبيل المثال يفتقد لوزن البطولة في أول جزأين وليس له بصمة تذكر. كريستيان بايل لديه نوع من العمق في صوته والجدية في عينيه تجعلانك تتناسى البذلة السوداء وتشاهد بايل من خلفها. وهو أيضاً ممثل ماهر يعبر عن مشاعر حزنه لفقدان والديه بأحاسيس مرهفة وأداء مقنع. الشخصيات الثانوية يلعبها ممثلين ممتازين، مايكل كين مناسب بدور الخادم الحنون والواعظ الدائم لواين، ليام نيسين يكرر نفس الدور المساند وصورة الأب الناصح. مورغان فريمان لطيف بدور المخترع، وغاري أولدمان يغير نمط أدواره في شخصية الشرطي النبيل الساعي للخير. في حين أن كايتي هولمز تعد اختيار غير صائب لدور رايتشل، تبدو صغيرة السن لأن تكون محامية. توم ويلكينسون وسيلسان ميرفي لم يستخدما بشكل كافي لأنهم كما ذكرت يلعبان أدوار الشر لا تمتلك مساحة كبيرة في الفيلم.

يختار كريستوفر نولان مخرج فيلمي (تذكار Memento وأرق Insomnia) دائماً أبطال تعاني من عقدة الانتقام، إن كان لمقتل زوجته أو من مجرم مبتز. هنا بروس واين يعاني من عقدة الخوف والغضب، إن استطاع أن يتخلص من كلاهما سيتمكن من الانتقام لمقتل أهله بطريقة مشرفة ألا وهي بتوفير الأمان للمدينة التي شهدت مقتلهما. أيضاً نولان يرفض في هذا الجزء توليف علاقة رومانسية تقليدية بين البطل ورفيقة دربه، الإعجاب الواضح بينهما، علاقتهما لا تتطور كما كانت بين مايكل كيتن وكيم باسنجر في جزء 89، المخرج يختار ما فعله سام رايمي في الجزء الأول من رجل العنكبوت، أن يرينا هذه العلاقة ومن ثم يطورها في الأجزاء اللاحقة. تحرير الفيلم من لي سميث جيد جداً بجعل كل مشهد ذو أهمية، والتصوير السينمائي من والي فيستر جميل أنيق وسوداوي الخصال. مايكل شوماخر كان قد أفسد السلسلة في جزئي (باتمان إلى الأبد) – (باتمان وروبين) بركاكة طريقة السرد، هزلية السيناريو، ضعف التمثيل، وكرتونية الديكورات والتصاميم، في حين أن (رجل الوطواط يبدأ) يعيد الحياة لسلسلة بتصوير جذاب وحكاية فعالة مؤثرة عن بطل لا يخرج إلا في الظلام، ليحارب أتباع الجشع والفساد… وبالتأكيد أتباع الظلام.

معلومات سريعة:

• قبل اختيار كريستيان بايل للعب دور باتمان كان عدة خيارات مثل غاي بيرس، اشتون كوتشر، جون كوساك.
• منتجو الفيلم عرضوا على عدد من المخرجين الأخرين فرصة صناعة الفيلم، منهم ديفيد فينشر الذي رفض، وولفغانغ بيترسون الذي كان يعد لفيلم طروادة، وحتى كلينت إيستوود.
•  قبل بدء تصوير الفيلم، جمع المخرج كريستوفر نولان الطاقم بأكمله وجعلهم يشاهدون فيلم ريدلي سكوت لعام 1982 (Blade Runner) وقال لهم : “بهذه الطريقة سنقوم بصنع فيلم باتمان الجديد”.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: