التخطي إلى شريط الأدوات

Collateral – 2004

توم كروز الذي كان!

“Max, I do this for a living!”

بمناسبة صدور فيلم توم كروز الجديد Knight and Day لكن المبتذل، من المناسب تذكر آخر فيلم جيد قدمه، فهو ممثل كفؤ على عكس ما يُعتقد عنه.

بقلم: مهند الجندي (كُتبت بتاريخ 10\9\2004).

يعمد مايكل مان في فيلمه (المرافق) بجمع مجرم محنك مع مواطن بريء لوحدهم في سيارة أجرة، موقف عصيب بالنسبة لسائق التاكسي (الذي يمثل كل مشاهد)، وغير مهم بالنسبة للمجرم، إنهما نقيضين في طرفي لعبة، أحدهما اعتاد لعبها، وآخر لا يريد حتى أن يتعلمها. انتبه إلى مايكل مان وهو يعمل في أحسن حالته، وهو صانع أفلام يفهم روح الجريمة، أعين القاتل، قلب الضحية، والدماء التي تتناثر فوق شوارع ومباني لوس أنجلوس. يصور مايكل مان (كعادته) مع سيناريو متماسك من ستيوارت بيتي عقل مجرم يعمل على خطة محكمة، خلفيته، أفكاره، طموحه، أسبابه، ولماذا هو بارع في عمله. في أفلام مايكل مان المجرم حذر جداً، يمتلك حواس استشعار خطر قادم، وهو ليس كأي مجرم أحس بالفقر فوجد القتل والسرقة وسيلته للحياة، أعماله الإجرامية لديها ماضي وتفاني، رقي وحنكة وعمق في التخطيط تجعلك تحترم دوافعه غير المشروعة هذه.

(المرافق) تفوح منه خبرة مايكل مان، الذي يضيف لمحبي فئة الإثارة والحركة شحنات من الذكاء والتصوير الواقعي فينقل به المشاهد بخفة إلى صلب الموضوع.

يفتتح الفيلم بملاحظتنا لشخصية فينسنت (توم كروز بأداء ثابت مفزع) وكأنه رجل أعمال، يسير في الطريق لينهي بعض الأمور، ثم ننتقل 180 درجة إلى ماكس (جيمي فوكس الكوميدي الطيب) شاب طموح يريد أن يبدأ مشروع صغير، وكمعظم الكادحين، على ماكس أن يعمل وقتاً إضافياً كي يؤمن المال ويوفره لدفع فواتيره، لذلك نراه سائق تاكسي مجتهد ومتحدث لبق. مع بداية ليلة عادية في لوس أنجلوس يأتيه طلب، راكبة اسمها آنا (جادا بينكت سميث)، محامية ذكية وجميلة في طريقها كي تعمل وتستعد لقضية جديدة. تبدأ محادثة بينهم، لا تبدو شخصية لكن المزاح يزيد بينهم رويداً حتى ينسجمان مع بعضهما. تداعبه آنا بإعطائه بطاقة عملها ربما كي يلتقيان في موعد لاحقاً. بعد ذلك ببرهة، يدخل إليه زبون جديد، شخص أنيق، رمادي أشيب الشعر بلحية خفيفة، وهو فينسنت الذي قابلناه في البداية، يعرض على ماكس 700 دولار لينقله إلى بعض الأماكن في البلدة لينهي مهام خاصة به. عرض ماكس لا يستطع رفضه، لكنها أيضاً غلطة ستجعل منه سجين حقيقي بين يدي فينسنت، وهو قاتل مأجور لديه خمس أهداف لينهيها قبل نهاية تلك الليلة. كل هذا والمحقق فاني (مارك روفالو) يحاول أن يحل ألغاز الجرائم التي تحدث.  

الجميل أن مايكل مان يجعل الفيلم عن الشخصيات أكثر من الإثارة أو عن الحبكة، يعود إلى أجواء تحفته الخالصة (الخطر) لعام 1995، أهم أعماله، neo-noir أو ما يعرف بالفيلم الداكن، لكن بلغة وتصوير أكثر عصرية، وهي ملحمة تدور أحداثها أيضاً في لوس أنجلوس عن الحياة الداخلية والشخصية لحامي القانون ومخالفه. يقترح المخرج في ذلك الفيلم أن عالم الإجرام ومكافحته يقبعان على كفتي ميزان متساويتان، إذا أردت الإطاحة بعدوك الشرس والماهر، عليك بنفس الوقت أن تودع راحة بالك وصفاء حياتك كرجل شرطة بارع. المشهد الذي يجمع بين دي نيرو وآل باتشينو (الأول مجرم والثاني شرطي) لديه ذكاء ضليع في تصويره، يفسر لنا ما ذكر، لأن المخرج يضع كلا الممثلان في زاوية ككفتي الميزان، لكن بعدم ترجيح أحدهما، المأساة تكمن في الرعب الذي يعيشه حامي العدالة ومخالفها. في مدينة لا تعرف الهدوء أو الأمان.
 
علاقة ذلك الفيلم الذي كتبه مايكل مان عام 1995 مع فيلمه الجديد هي الدراما التي يعيشها مجرم يختار حياة مضطربة بيده ودخوله عنوةً حياة أناس أبرياء لا يعرفون عن وجود نوعية هذه الجرائم وطرق تنفيذها في المدينة التي ينزلون لها. يتكلم الفيلم عن الفساد الذي يعم المدينة وعن الجرائم التي تحدث من دون هدف سرقة أو سطو بل فقط بدافع التخلص من شخصية ما، وشطب اسمه من اللائحة. همجية نظام الأمن في التحقيق حولها واتكالية طرق البحث وسوء تقديرهم الذي يقودهم إلى فشل مروع ومقتل عدد من الأبرياء. أيضاً الفيلم يعد نظرة خلف كواليس بعض القضايا التي تثير جدلاً كبيراً حول اختفاء المحامين والمحلفين الذي أدلوا بآراء لم ترضي الجهة المشتبه بها.

شخصية فينسنت لا تجد نفسها منجذبة للحياة الروتينية المستقرة التي يعيشها سائق التاكسي، لكنه على الأقل يرى فيه براءة الطموح والإخلاص، الخصلة التي لم يسعفه صبره ليتحلى بها. القاتل يظهر انعكاس مآسي طفولته على حياته وعمله الذي يقوم به الآن، ينصح ماكس أن عمله كسائق تاكسي كل هذه السنين لن يحقق له أحلامه، لكن ماكس يصر على الكفاح بقدر استطاعته ونبل أخلاقه. كذلك مايكل مان يريد التجديد، يصر أن تكون شخصية ماكس مفتاح الفيلم والخيط الذي نتعلق به، الكاتب ستيوارت بيتي يغمر هذا الدور بالإنسانية والحب وعلامات الاستفهام، بأن يكون شاهداً رئيسياً على انهيار مدينته من دون وجود سبب مقنع، وهذه هي الجريمة.

بالطبع ما هو فريد في هذا كله، الأجزاء البسيطة من دراسة شخصية فينسنت، عدا المطاردات على الطريق والتحقيق والاختطاف، هو خروج كروز البطل الطيب الذي اعتدنا عليه ودخول توم كروز جديد. الفيلم يربطنا به لأننا أخيراً نشاهد كروز يلعب دور لم يعتد عليه أبداً، ولم يقدم مثيلاً له في السابق. شخصية فينسنت تتخطى قلة ذوقه في فيلم (رجل المطر). من الواضح أن كروز يتعطش لهذا دور، شرير بنظراته من دون أن يتكلم، بارد الأعصاب في روحه من دون أن يرف له جفن. كروز يناسب ويلائم هذا الدور وهو ما يقوي نقاطه لدي منتقدي أداءه في فيلمه الملحمي الأخير (الساموراي الأخير)، بأنه لم يستطع التعبير عن ألم جندي سابق. كروز يتمتم حوارات طويلة، يتسلى مع ماكس بثقة، شخصية فينسنت ترتاح عندما تحاور شخصية حية مثل سائق التاكسي، الذي يصعب عليه التكهن بأفعاله. أداء ممتع، بعيداً عن الرومانسية أو البطولة المطلقة، مما يؤكد أحقية توم كروز بالشهرة التي بدأ تأسيسها قبل 20 عاماً.

المتتبع لأعمال المخرج مان بالتأكيد يعلم أن (المرافق) يمتلك خصائصه الفنية الشهيرة، وهي بناء وتسلل أحداث متأنِ مناسب، ندرك من اللحظة التي نرى بها ماكس، أنه صاحب قلب كبير وخفة ظل. التصوير مبهر، بمجمعه كاميرا الديجيتال مع الكاميرا المحمولة، والتحرير مشوق. مدينة مايكل مان المفضلة “لوس أنجلوس” دائماً ذات أصوات مألوفة وعامة، الشوارع والسيارات مزدحمة، و السماء معكرة. كل هذه الأغراض تشعرك أنك في مدينتك، تشعر أنك قريب من البيت، والأحداث التي تجري في الفيلم لا تبتعد عن الشارع المقابل. هذا أفضل فيلم لصيف عام 2004، ليس بسبب مقاطع الحركة والمسدسات (لكان فيلم أنا والإنسان الآلي هو الاختيار الأنسب)، بل لأنه متقن ومتفوق على كافة الأصعدة، السيناريو يعمل على مستواه العمري (ما فوق 18 سنة)، فيطالعنا بشخصيات فريدة يندر مصادفتها، يحملون رسالة ودراسة ذات أبعاد تجعلك تفكر وتمضي وقت مسلي. هنا تحديداً تكمن أهمية أعمال مايكل مان.

 

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: