التخطي إلى شريط الأدوات

49 دقيقة مع آل باتشينو

 

تحت شجرةٍ في حديقة، يحكي عن شايلوك، وتجربة تاجر البندقية الشاقة ودوره في لعب تلك الشخصية.   

 

  •  ترجمة مهند الجندي عن مارك جيكبسِن.

 خلال مسيرته الطويلة الغفيرة بالإنجازات والتي جعلته على الأرجح أفضل ممثل سينمائي أمريكي بعد مرحلة براندو، نطق لسان باتشينو بالكثير من الجمل التي لا تنسى. بدور مايكل كورليوني في الجزء الثاني من “العراب”، وضح لنا أن المرء عندما يملك السلطة المطلقة بين يديه، من الجيد أن: “تقترب من أصدقائك، لكن اقترب أكثر من أعدائك.” وعند تأديته لشخصية أغرب سارق بنك في فيلم “ظهيرة حارة”، صرخ قائلاً: “أتيكا! أتيكا!” لكنه الآن، وهو يحضر نفسه ليؤدي دور شايلوك في “تاجر البندقية”، بجمله التي ربما تكون أشهر حتى من جملة توني مونتانا في وجهه الندبة: “رحبوا بصديقي الصغير.” نشاهد هذا الممثل المسرحي القدير وهو يجلس بظل شجرةِ في حديقة سنترال، لكن هذه المرة، معقود اللسان.

السؤال كان يتمحور حول إن كانت من مسؤولية الممثل أن يراعي التبعات الخارجية للدور، ومثال ذلك هو المداولة الطويلة التي طرأت أثناء لعبه لدور مرابي البندقية الشهير بخصوص إن كان شكسبير قد تعمد أم لا في ابتكار أيقونة شر يهودية ظلت لقرون عديدة تعمل كنموذج هجوم لمعاداة اليهودية. باتشينو الذي لعب شخصية شايلوك لأول مرة في النسخة السينمائية للمسرحية عام 2004 والآن يعيد زيارة الدور في حديقة شكسبير التابعة للمسرح العام، يتعامل مع هذه المسألة وفقاً لمراحلها الزمنية. فأولاً يبدو أنه يرفض فكرة “مساعي شايلوك الخفية”، ويشكك حتى إن كانت هذه الشخصية مثيرة للجدل أساساً. ويقول كذلك، بطريقة دفاعية نوعاً ما، “علينا أن نفهم بأن الأزمان تتغير، ما كان صحيحاً للكثير من البشر قبل 400 سنة لم يعد كذلك الآن.”     

ينغمس الممثل بعد ذلك في صراع أكثر عمقاً مع هذه الفكرة، يحفر في الصميم بإسهاب أكبر، يبحث عن جواب أشفى. إنها عملية مبهرة للمشاهدة، فامتداداً للدقة المتجمدة لمايكل كورليوني (أو لخبث حياة الأحلام المبالغة التي عرفها في وجهة الندبة)، لطالما بدا باتشينو مستغرقاً في التفكير. مع باتشينو، ثمة وقت لأخذ الأمور بعين الاعتبار، وآخر لفهم الأمور؛ قلة هم الممثلون الذي يفكرون على الشاشة بهذا الإقناع. عجزه عن الإفصاح في البداية، يتلوها انفجار مفاجئ بما يفكر فيه، وبما يشعر به، وهو عنصر كان ولا يزال لمسة باتشينو الخاصة، ووسيلته للتعبير عن الحقيقة.

سرعان ما يأتي الجواب، يصل كلطمةٍ يسارية خاطفة قادمة من زاوية غير متوقعة. تارةً يجلس الممثل هناك، مركزاً لدرجة تكاد لا تشعر بوجوده، بشعره المبعثر وكتفيه المنحنيين مرتدياً معطفه الكتاني الرياضي الأسود الفخم والمجعلك جداً بنفس الوقت، ووشاحه الأحمر المعقود حول عنقه. حينها يكون – دون منازع – آل باتشينو.    

يقول: “اسمع”، تتثبت يده على خصري فجأة ليوضح نقطته “إنه رجلٌ نُهبت منه ابنته. خُطفت! وهي عائلته الوحيدة. لقد تعرض للمضايقة والبصق. سيحصل على فرصته للانتقام، وفي تلك اللحظة سيتصرف بطيش. هذه هي الشخصية. إنها الشخصية التي أستطيع تأديتها”.

ليس أن باتشينو كان جاهلاً للمواضيع التي تثيرها شخصية شايلوك على المسرح، (فقد أرسل لاحقاً رسالةً إلكترونية ليضمن عدم تجاهله لهذه النقطة). ولد الممثل في إيست هارلم، ونشأ أيام شمال برونكس، عمل بوظائف وضيعة في كافة أرجاء المدينة، وعليه، فإن مصطلح “شايلوك” ليس غريباً على مسمعه. ويعلم أيضاً، أن هارولد بلوم قال أنه كان من الأفضل لليهود لو أن شكسبير لم يكتب هذه المسرحية على وجه التحديد. يقول باتشينو “بلوم حر برأيه، لكن هذا لا يغير أهمية خطاباته الشخصية، وهي من أفضل ما كاتبه شكسبير.” يمكن ترجمة هذه الشخصية إلى ما لانهاية، لكنها بنظر باتشينو: “صرخة احتجاج ضد الإجحاف.” وأكثر من أي شيء آخر، هو دور يستحق أن يُمثله ويضخ به الحياة.

حقيقية وصول آل باتشينو لسن السبعين هو أمر مفاجأئ قليلاً. ومع أنه ليس سعيداً كثيراً للأمر، فهو يجد الراحة بتأدية أعمال شكسبير. يقول وهو يجلس في مسرح ديلاكورتي: “أتعلم، أنا لم أُمثل هنا أبداً، لكنها كالعودة للوطن لأنه المكان الذي بدأت منه، الأفلام أتت بعده. الأفلام مهمة، لكن في مسيرة الممثل – وخصوصاً إن كانت بنفس طول مسيرتي – ارتكاب الأخطاء شيء وارد، قد تختار الدور غير المناسب بدافع المادة. غير أن هذا المكان هو الذي بدأت فيه مع إبسن وستريندبرغ وشكسبير، لا يمكن أن يتغير. من المؤكد أنهم عرضوا مسرحية لستريندبرغ، تدعى “الدائنون” في أكاديمية بروكلين للموسيقى. لقد مثلت بها وأنا بعمر الـ21، لكن شكسبير هو الأفضل بالنسبة لي لأنه يحتوي على فكرة أعمق مما قد تستوعب، فكرة أبعد من الإدراك. عليك فقط أن تعاود قراءتها، ستجد دائماً مكاناً أعمق لتصل إليه”.  

يسترجع باتشينو بعد ذلك واحدة من لحظاته المفضلة خلال مسيرته التمثيلية: “ظهرت في مسرحية لديفيد ماميت اسمها “الثور الأمريكي”، ومثلتها لفترة طويلة وصلت لأربع سنوات. سمعت أنني أحياناً أبدو كممثل مسعور، وهذا ما كنت أفعله في بداية الثور الأمريكي: القفز عالياً وأسفلاً. في إحدى الليالي، أدركت أنني ما أزال أقف في نفس المكان منذ 40 دقيقة، وهي مدة طويلة للغاية في المسرح، لكنني كنت أؤدي دوري بطريقة جيدة، وكان الجمهور مسروراً به، والمخرج كذلك، وأنا بطبيعة الحال. أعتقد أنها الليلة عينها التي فهمت بها الشخصية كلياً، وشعرت نفسي بداخلها كالقفاز. قد يكون الأمر مشابهاً في الحياة؛ يوماً ما تتوقف عن الجري، وتكتشف أنك وصلت إلى مكانك الصحيح.”  

 المصدر:

 http://nymag.com/news/intelligencer/encounter/66748/

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

لا تعليقات بعد على “49 دقيقة مع آل باتشينو

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: