التخطي إلى شريط الأدوات

No Country for Old Men – 2007

“O.K., I’ll be part of this world.”

“أشعر أنني هُزمت.” نتفهم أثناء مشاهدتنا لفيلم (شيوخ بلا وطن) للأخوين كوين، والحائز على جائزتي أوسكار أفضل فيلم وإخراج لعام 2007، أن الرجال الثلاثة الرئيسيين فيه لا ينتمون للعالم الذي يعيشونه في هذه الآونة، بل يقتاتون على ذكرياتٍ وصرخاتٍ فائتة تؤازر سعيهم اليومي صوب غدٍ أقلُ عنفاً وأكثرُ سكينةً مما سبقه من دماء ومن ترهات. نلحظ ذلك في الآلام التي ترويها عيون الشخصيات، أو في تجرد الفيلم من أي موسيقى كتجرد صحراء الحكاية من أي نبتة تبعث لأبطالها أدنى بوادر التغيير. نعم، ليس من الغريب على كبش الفداء أن ينفض عن كتف ماضيه قسوة الشرور، أو أن يسطر حاضره فوق أضلاع شقوق الصخور، ربما لثقته أنه أخيراً سيحتضن مستقبله مدفوناً بين أذرع القبور.

يترك الصراع الداخلي للشخصيات وقع خطواته على رمال هذه البادية بوضوح، فمأمور البلدة يناجي الماضي مخاطباً شبحي جده ووالده اللذان يطاردان أيامه وأحلامه، والقاتل المريب تأخر في رؤية الجنون الذي يغذي أفعاله، وإقدام جندي فيتنام السابق الأرعن في رعايته لعائلته يُعزى إلى حاجته الماسة للمال، وبالتالي فإن هذه الشخصيات لا تكترث فعلاً بمأواها الأخير، والحوار السوداوي للفيلم يغمز إلينا بذلك:

– لويلين: إذا لم أعد، أخبري أمي أنني أحبها.
– كارلا: أمك ميتة يا لويلين.
– لويلين: سأخبرها بنفسي إذن.

لكن أثمة أحدٌ حقاً لا يكترث بمأواه الأخير؟ يمتلكك الشعور بأن أرواح هذه الشخصيات قد تآكلت وثَقُل ميزان ذنوبها حتى اضمحلت كتآكل المعدن بثِقلِ سنين الصدأ عليه، وكأن هؤلاء الرجال سبق لهم أن قضوا حتفهم وعرفوا جحيمهم على الأرض، فما عادوا يأبهون بفظاعة مصيرهم الدنيوي مهما كانت ضراوته. راجع المشهد الذي يعرض شخصية القاتل أنتون شيغور وهو يجري على نفسه عملية جراحية في غرفة أحد الفنادق، السيناريو المقتبس على يدي الأخوين كوين من راوية كورماك مكارثي بنفس العنوان يقدم شيخ السفاحين هذا دون تعريفنا بأصله أو مصدر لكنته (ماضيه الأسود يزيد من رهبة وكحل جرائمه)، فهما لا يصوران تفاصيل تطبيب أنتون لنفسه بصدد إبراز دموية وجدية هذا الرجل وحسب، بل كذلك لتوضيح فكرة أن مثل هذه الحوادث هي جزء من العملية، وأنها فلذة كبد حياته العنيفة؛ من ممكن أن تعطله أو تضيع وقته لكنها لن تردعه عن بلوغ غايته، فهو لم يؤل ينتظر أن تهرع الحياة له كي تنقذ جراحه، كان ذلك في دنيا تلاشت صار يتيماً فيها.

يبدأ الفيلم بصوت إد توم بيل (تومي لي جونز) مأمور مقاطعة “تيريل” التي تقع بين الحدود الأمريكية المكسيكية في بداية ثمانينات غرب تكساس، حيث يطلعنا أنه كان قد استلم مهام الدفاع عن هذه المقاطعة بسن الخامسة والعشرين، أيام الخوالي، أيام جده ووالده “رجلا القانون” قدوتاه ومنبع فخره. حينها كان لمأمور المقاطعة الحضور والهيبة المبجلة المناسبة لدرجة أنهم لم يكونوا بحاجة لأن يرتدوا مسدساتهم في أوقات الخدمة. يُبدي إد فضوله، كيف ستكون طريقة عمل هؤلاء القدامى والمقربين إلى قلبه لو تسنى لهم أن يكونوا في هذا الزمن الذي يعيش به حالياً؟ إذ أنه لم يعد يتفهم أصل الخطيئة وعقلية مرتكبيها في صحرائه، وكيف له ذلك وهو يقر أنه “من الصعب أن تضبط الجريمة في هذا الزمان”. لقد توصل الضابط الذي بات على مشارف التقاعد من مهنته كحامي لهذه المقاطعة إلى الخاتمة المنطقية الأخيرة التي تفتتح أحداث الفيلم ومقبرة الرواية السحيقة، وهي أن ترضى وتقول “حسناً، سأكون جزءاً من هذا العالم”.

بُعيد هذه المقدمة التي تصف ضيق صدر العدالة من أساليب الجريمة الحالية، نقترب أكثر من مصدر هذه المتاعب عندما نتعرف على أنتون شيغور (خافيير باردم) القاتل المأجور، ولويلين موس (جوش برولين) جندي فيتنام السابق واللحام المعدني المتقاعد على التوالي، الأول بارتكابه جريمتي قتل تنذران بالمزيد والثاني بمحاولة صيد خائبة لحيوان الظبي تعكس وضعه المادي المتواضع كالمرآة. نشهد جريان سيل الدماء بعد اكتشاف لويلين جثث لمجموعة من الرجال متناثرة أرضاً ويبدو أنها قد بدأت بالتحلل. يستمر لويلين بالتنقيب بحثاً عن تفسير لهذا المشهد، فيجد كمية كبيرة من المخدرات في صندوق إحدى الشاحنات، ويتضح له أن هؤلاء الرجال قد فارقوا الحياة على إثر معمعة صفقة مخدرات فاشلة (باستثناء شخص واحد ينازع بطلب الماء)، فلا يهدأ له بال حتى يجد ثمن هذه المخدرات، ليعثر عليه في حقيبة ملقاة إلى جانب أحد القتلى فيعود بها إلى مقطورته المنزلية.

تستقبله هناك زوجته كارلا (كيلي مكدانولد) بالسؤال عوضاً عن التحية “ماذا يوجد في الحقيقة؟” يرد لويلين “إنها مليئة بالنقود” فتهمس كارلا لنفسها بتهكم “وكأن هذا ممكن”. لويلين لا يعلم طبعاً أن مهمة تحصيل ذلك المبلغ كانت من مسؤوليات القاتل شيغور، الذي يتعقب أثر الحقيبة عبر جهاز لاسلكي يستقبل الإشارة التي يرسلها له جهاز صغير آخر مخفي بين دولارات الحقيبة، فلن يتطلبه الأمر سوى بضعة أيام حتى يجد الشخص الذي استولى على المال، وبالتالي فإن الرجلان على وشك خوض حرب لا هوادة فيها. الأكيد أن لويلين ليس بالشخص الساذج، يعلم أن أحد ما سيبحث عن المال لا محالة، فيطلب من كارلا التوجه إلى منزل والدتها صعبة المراس في “أوديسا” من أجل حماية نفسها (دون أن يفصح لها عن الورطة التي أقحم نفسه بها)، ويختار الدخول في هذا المعترك وحيداً إلى أن يتأكد أن مستقبله ومستقبل زوجته يسمح لهما التمتع بالمال، والعزاء الوحيد الذي يقدمه لزوجته الآن هو أن “هذه الأمور تحدث، ولا يمكنه التراجع عنها”.

المثير للاهتمام في أجواء الرواية التي كتبها مكارثي أنك تشعر بتاريخ وأبعاد شخصياتها دون حاجتها لأن تتحدث عن نفسها كثيراً أو تسرد لنا صولات حياتها الغابرة، وسيناريو الأخوين كوين يستغل هذه الإضافة ويقوم بدوره بالتركيز على البيئة المحيطة بالشخصيات لتحضير أجواء القصة ومساعي الأفراد فيها. يتضح هذا الأمر في طريقة تقديمهما للأبطال الثلاثة الرئيسيين، وخاصة أنتون شيغور الذي تتبين لا محدودية عنفه في الطريقة التي يُسقط بها أولى ضحاياه (الجريمة الأولى في الفيلم هي الأشد فظاعة)، بيد أن المخرجين كذلك يوضحان أن في آلية كل واحد منهم فسحة صغيرة للمساومة؛ فهذا القاتل يستعين بالقدر عند حاجته للجزم في اتخاذ القليل من قراراته، باستخدامه لقطعة نقدية تحدد مآل بعض الأشخاص الذين يعترضوا طريقه أو أحياناً يعكروا صفو مزاجه فقط.

الفيلم يعد مثال حي على شغف الأخوين كوين للتصوير السينمائي والبناء الدرامي الكلاسيكي المربك (الرصاص يخدش عين الجمهور عنوةً كما يخدش الأبطال)، فهما يصبان جُل اهتمامهما على تلك البصمات المتأنية المعلمة واللمسات الصغيرة، إما في المشاهد المثيرة التي تنخر العظم، أو تلك الغريبة بفكاهتها أو الحزينة بدفئها. تأمل في مدى تأثير الصمت الذي يسود دجنة مراحل وضواحي المطاردات بين شيغور وموس، أو بروز دور الأصوات المقلقة كصوت جهاز الإرسال أو خطى الأقدام، وراقب وحشية أساليب القتل أو قسوة العقلية التي يعملان بها، وغرابة آلة القتل التي يستخدمها شيغور؛ ولأن موقع القصة الصحراوي المفتوح يترك فرص إصابة أو مصرع أي شخصية وفي أي لحظة كبيرة جداً، فإن الخطر يقف متربصاً كخلسة الدجال خلف أقرب الزاوية.

الأخوان كوين كذلك يعشقان تلك اللحظات الحميمة التي تصف مشاعر وعلاقة الأشخاص بأسلوبهما الخاص، انتبه للنظرة التي يُبادل بها لويلين زوجته كارلا عند عودته بالمال إلى المقطورة، أو سؤالها له عندما يتصل بها في منزل والدتها، وفي صوتها تنهيدة الاشتياق “أنت مصاب، ألست كذلك؟” يرد لويلين “لماذا تقولين هذا؟” فتلمس جراحه بالقول “أشعر بذلك من صوتك”.  تذكر أيضاً أرق نومه ليعود بالماء ويروي ظمأ الناجي الوحيد من القتلى الذين وجدهم في الجريمة الأولى من الفيلم، وهي المحاولة الشريفة التي كانت ستودي بحياته، تأمل أيضاً في البساطة والخوف اللذين نراهما في عيني كارلا وشكوكها التي تقشعر بدنها قبل أن نكتشف معدنها الحقيقي الأصيل، عدا عن تسريحة شعر شيغور وجلوسه لشرب الحليب أمام التلفاز المغلق، والنظرة الخرقاء التي تلف سؤاله المتكرر للسيدة السمينة “أين يعمل موس؟”.

يطفو على سطح صفحات الراوية ومشاهد الفيلم عموماً موضوع القضاء والقدر بشكل ضمني ماكر الذكاء، فثمة شخصيات أساسية ملتحمة فيما بينها ضمن أحداث الحكاية لم تتسنى لها الفرصة بأن تجتمع مع بعضها وجهاً لوجه، أو حتى أن تخطف نظرة واحدة واضحة سريعة عنها. كما أن مصيرهم الأخير المفاجئ يصفعُ جبروت كل واحد منهم شاء أم أبى ذلك، ليدخله في نفقه الحتمي المرير الدامس الظلمة الذي لا رجعة فيه، وليرسم لهم الخطوط الحمراء التي ستفتح أعينهم بالإكراه على مواجهة الذنوب التي ارتكبوها، فلكل خطيئة كفّارة.

يعرض الفيلم المفارقة التي تدور في أرجاء بؤرةٍ ألقت بفأس البأس إلى الهاوية وباتت تتدلى من على حافة شقاء البؤس؛ فالمأمور الذي يمثل القانون يتأمل في صحرائه مفكراً بشتى طرق الجرائم العجيبة التي باتت تودي بروح القانون حتى في عقر دار ذلك النظام، ويُقر أخيراً بطريقة أو بأخرى بعد تقاعده (بصوت يجمع بين الارتياع والمرارة) أنه أضحى يحلم باللعب إلى جوار والده الميت، وكأن العدالة ستجاورهما عاجلاً أم آجلاً، أو أنها قد سبقتهما إلى ذلك بالفعل، قبل أن يستيقظ من النوم شيخاً بلا عمل… بلا وطن.

كان الأخوان جويل وإيثان كوين قد تناولا مواضيع القدر والجريمة والفقر والانحطاط الأخلاقي وغيرها من سوداويات درامية في أفلامهما السابقة على غرار (عينة الدم) لعام 1984، وهو باكورة أعمالهما، وفي (فارغو) لعام 1996، لكن (شيوخ بلا وطن) يمثل اقتباسهما الأدبي الأول لأن جميع أفلامهما الأخرى كانت من حبر قلميهما. لا تكمن ميزة هذا الاقتباس في مدى قوة رواية مكارثي على وجه الضرورة، فعلى الرغم من درجة الغموض الشديدة التي تحيط بالشخصيات بتنوع واختلاف توجهاتها، وثراء تفاصيلها بتقنيات خبيثة حول القتل والمطاردة، إلا أن الترجمة السينمائية والعين الفنية التي تشرح حرفية الأخوين كوين هي التي تعطي الفيلم أهميته وفصاحته الشعرية، والصور التي يلتقطها الإخراج من فحوى الرواية تبرز الإطار العام عن حياة حانت ساعة انقراضها.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

3 أراء حول “No Country for Old Men – 2007

  1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
    أنا بألف صحة أخي الكريم وليد الحمد لله ..

    يسرني جداً أن أضيف شيئاً بسيطاً لمشاهدتك لهذا الفيلم المهم ..
    وكل عام وحضرتك بخير 🙂 ..

  2. السلام عليكم…
    كيف الصحة استاذ مهند؟
    لي بالظبط عشر دفائق انتهيت من مشاهدة هذا الفيلم العظيم وكان لا بد لي ان اراجع مقالتك هذه كلمة كلمة لاكتشف المزيد من هذهِ التحفة السينمائية المميزة وبصراحة افادتني مراجعتك كثيرا…
    سُلمت يداك على هذه المراجعة الدقيقة لاحد اهم افلام الالفيات
    وشكرا جزيلا لك وبالتوفيق

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: