التخطي إلى شريط الأدوات

The Godfather Trilogy – 1972-74-90

“A man who doesn’t spend time with his family can never be a real man.”

 

ترجمة مهند الجندي عن مات نولر.

نشاهد تمثال الحرية يحوم فوق أحداث جزئي العراب الأول والثاني، رمزية هذا التمثال ورسمه مصوران في الكثير من اللقطات الخارجية للفيلم، تتأمل العائلات الإيطالية الفقيرة هذا التمثال البرونزي الصغير وتحلم به كوسيلة للخلاص. أكثر من الدم والعنف، وربما أكثر من فك مارلون براندو الضخم، يلازم سراب الحلم الأمريكي ثلثي أحداث ملحمة عصابات المافيا هذه للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، أكثر من أي شيء آخر. الوعد المقطوع للحصول على حياة جديدة لهؤلاء الذين عبروا المحيط كي يحرروا أنفسهم من فقرهم والعنف في أحياهم، ليجدوا أن الضفة الأخرى من المحيط تحمل لهم نفس المعاناة.

إن فيلم (العراب) أسطورة أمريكية دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، وهي مكانة ركز دعائمها قرار كل من كوبولا والمصور السينمائي غوردن ويليس في إظهار الفيلم كصورة قديمة اضمحلت ألوانها، تغمرها دكنة وعتمة اللون البني. تتحدث عصابات كوبولا عن عالمها بشكل يخلو من الأحاسيس، كما يتحدث السياسيون ومدراء الشركاء عن أعمالهم؛ إنه تعبير حقيقي عن مجتمع رأسمالي يقدر المحصلة النهائية للعملية أكثر من أي شيء آخر: الهدف هو الربح، وطرق القتل والخنق هي مجرد وسيلة للوصول إلى هذا الناتج. لا تلعب المشاعر – ولا يحب أن تلعب – دوراً في حياتهم: “المسألة ليست شخصية، بل مجرد عمل”.

تبقى هذه المقولة مطبقة حتى يأتي دور العائلة. عائلة كورليوني هي عشيرة المافيا ونبض حياة مسلسل العراب، وروابط عائلاتهم والتفكك الذي يمرون فيه هي القوة التي تسيّر قصص هذه الثلاثية. يدير فيتو كورليوني (مارلون براندو) عائلته وعمله بيد حازمة وحنونة بنفس الوقت، إلا أن صحته تدهور. ابنه البكر سوني (جيمس كان) هو وريثه الأول في السلطة، لكن طبعه العصبي يجعل منه قائد متهور ومزاجي. نشعر منذ افتتاح الفيلم بحفل زواج ابنة فيتو واسمها كوني (تاليا شير)، أن أهمية العائلة والاقتصاد الرأس مالي هما عاملان مخفيان ضمن ثنايا الفيلم. ترقص العائلة الممتدة وتحتسي الشراب بينما فيتو يعقد جلسة ما في مكتبه. يطلب حانوتي يدعى بوناسيرا (مجهز جنازات) من فيتو أن يقتل شابان قاما باغتصاب وضرب ابنته. يرفض فيتو طلبه، لأن ابنة الحانوني لم تقتل، لكنه يوافق على تلقين الشابان درساً قاسياً. العدالة فوق كل شيء، يقول فيتو “نحن لسنا قتلة” كل إتفاق هو بمثابة صفقة، وحتى الخدمات لها ثمن معين، نقداً كان أم احتراماً أو بتقديم خدمة أخرى بالمقابل.

تُسترد هذه الخدمة عندما يُقتل سوني بعيد توليه إدارة العائلة جراء محاولة فاشلة لقتل فيتو نفسه، حيث يضطر الأخير أن يستجدي من الحانوني إخفاء جروح سوني التي شوهت وجهه. لقد تحول أداء براندو في الفيلم منذ ذلك الوقت إلى مادة تجمع ما بين الأسطورة ومحط للسخرية، لكن في هذا المشهد بالتحديد يتضح لنا أن أداء براندو كان عظيماً فعلاً عند صدور الفيلم. يبكي قائلاً : “انظر ماذا فعلوا بولدي” ربما يشعر لأول مرة أن وزن الحياة التي اختارها لنفسه بدأ يُغرقه. اُنتقد كوبولا في بعض الأحيان على أنه يُجمّل حياة العصابات، غير أن مشهد حاسم، بل مأساوي كهذا، يكذب هذه الشكاوي تماماً. المفارقة كالآتي: قد تولد حياة المافيا عائلات بأكملها، لكنها أيضاً تدمرها في النهاية المطاف.

يدخل بطل الحرب مايكل كورليوني (آل باتشينو) إلى الصورة، وهو أصغر أبناء العائلة، يقسم لصديقته كاي (ديان كيتن) أنه لن يشترك أبداً في عالم والده الإجرامي. إنما روابط الدم أقوى من الوازع الأخلاقي، يُجبر مايكل على التصرف؛ يَقتل زعيم عصابة منافسة وشرطي فاسد في أحد أشهر مشاهد الفيلم. يتم إخفاء مايكل في صقلية نتيجةً لهذه العملية، ويُعامل كوبولا صقلية ويصورها على أنها جنة الخيرات على عكس جحيم نيويورك العفن. يُحتم سير الأحداث على مايكل أن يعود إلى نيويورك، ويضطر أن يتولى إدارة العائلة بعد موت شقيقه الأكبر وتقاعد والده.

قصة صعود وسقوط مايكل أخلاقياً وروحياً هي جوهر ثلاثية العراب، يؤقلم مايكل نفسه للبرود العاطفي الذي تتطلبه وظيفته الجديدة. مع نهاية هذا الجزء، يصل مايكل إلى ذروة قوته بعد أن هندس جرائم قتل أعدائه، ورؤساء المافيا في نيويورك والموظف الخائن (آبي فيغودا) وزوج شقيقته العنيف معها (لم يعد من الضروري أن نذكر العبقرية الخالصة في تصوير مشهد التعميد والقتل). إلا أننا نرى في أسلوب استبعاده القاسي لزوجته كاي، أن السلطة لها تبعات ونتائج مكلفة. يشرح (العراب: الجزء الثاني) هذه التبعات بشكل كامل، يجمع بين عهد مايكل المستمر وأفعال والده (روبيرت دي نيرو) التي حولته من ولد فقير من صقلية إلى رئيس أكبر عصابة مافيا في نيويورك. كان من الممكن أن يصوّر الانقسام بين صعود فيتو وتدهور مايكل بشكل تقليدي ممل، لكن كوبولا يتناول القصتين بثقة وبحس ملحمي محزن مما يضيف عامل مأساوي مؤثر على القصتين.

بعد تقديم مشهد سريع يذكّر المشاهدين عن تسلم مايكل سلطته الجديدة، يفتتح الجزء الثاني فعلياً بتعريفنا على طفولة فيتو. فبعد قتل كل من والده وشقيقه في صقلية على يد رجل مافيا محلي، تضحي والدة فيتو بنفسها ليتمكن ولدها من الهروب إلى أمريكا. يُعيد هذا المشهد تأكيد أهمية الروابط الأسرية في ثلاثية العراب، بالإضافة إلى الأسلوب الذي يتبعه فيتو وهو يعيش حياته في نيويورك، حيث يعمل في وظائف متواضعة ليعيل أسرته. يضطر في النهاية أن يقتل زعيم الحي ليصعد إلى منصبه الجديد “السيد كورليوني”.

يعمل فيتو ليساعد عائلته، بينما يهتم مايكل فقط بتعزيز نفوذه الشخصي (وإن كان يضلل نفسه ويقول عكس ذلك). تدور معظم مجريات الجزء الثاني حول خطة مايكل للسيطرة على أعمال القمار في لاس فيغاس، ومن بينها التعامل مع كبار الأسماء في فيغاس ومحامي يهودي يعيش معزولاً في كوبا. يبدأ مايكل عقب فشل محاولة اغتياله بمهاجمة هؤلاء الذين يشعر ولو لبرهة بأنهم قاموا بخيانته.

يزيد فيتو من قوة روابطه الأسرية مع أفراد عائلته باستمرار، في حين أن علاقة مايكل مع الجميع تدهور بشكل متواصل. تحاول كاي أن تزيد من الفجوة بين مايكل وأولاده، لدرجة أنها تقوم بإجهاض طفلهم الثالث لتتجنب تربيته في بيئة لعصابات المافيا. تكشف تحريات مايكل أن أخوه الحي الوحيد فريدو (جون كازال) قد خانه وعليه الآن أن يتخذ قرار إن كان سيقتل ابن والدته أم لا (لا داعي لذكر المشهد الأسطوري حيث يواجه مايكل شقيقه فريدو، ولا حتى العمل الرائع الذي قدمه الممثلان في ذلك المشهد). إن قرار مايكل النهائي، يقدمه كوبولا بلقطة قريبة هادئة موجعة للقلب، وهي من المرجح أن تكون أفضل لقطة في الثلاثية ككل، وتشكل ذروة أحداث الفيلم: موت روح مايكل.

يصنف أداء آل باتشينو في أول جزأين للعراب، وخاصة في الجزء الثاني، تحت خانة أفضل تمثيل في تاريخ السينما. ظهر تمثيله العظيم هذا في وقت كان الممثل ما يزال على دراية بفوائد استخدام الدقة والتفاصيل، فأدائه مزيج رائع ومتوازن بين القوة والكرامة والشك والانحطاط الأخلاقي، يحقق باتشينو هذا كله بأداء لم نكن قد شهدنا مثيلاً له في تاريخ الأفلام من قبل. الأمر الذي يجعل تمثيله في العراب الثالث خيبة أمل فظيعة. قبل مدة طويلة من البدء بإنتاج الخاتمة المنتظرة لهذه الثلاثية، كان باتشينو قد قرر على ما يبدو أن تمثيل الشخصية من داخل نفسية الفنان هو أمر للضعفاء فقط، وأن أفضل وسيلة للتعبير عن المشاعر هي بالتكشير والصياح. لقد ذهب مع ريح ذلك الممثل الذي قدم أداء مايكل كورليوني المحافظ والمحسوب في العراب الثاني، وحل محله شخص مزعج يبدو أنه يفتقر للمعالجة الأدبية ويركز فقط على التمثيل السطحي.

إن أدائه في العراب الثالث ليس فقط سيء، بل يفقد توازن الفيلم ويسهم في بناء الأجواء المشوشة للجزء الأخير من السلسلة، الأمر الذي يسلب كل شيء مأساوي وعميق من الأجزاء الأولى ليوسع الأحداث ويحولها لشيء غير واقعي. التركيز على حفل الأوبرا في الجزء الثالث كوسيلة استعارة لم يأتي بمحض الصدفة، يضع كوبولا المشهد كله للاستفادة من التأثير العاطفي للأوبرا، كان من الممكن أن ينفع هذا الأسلوب على خشبة المسرح لكنه محرج جداً داخل الفيلم. على نقيض الآراء الشائعة، فإن الأداء الوحيد المؤثر في الفيلم يعود لصوفيا كوبولا التي تلقت نقداً سلبياً لاذعاً لتمثيلها دور ابنة مايكل، قد لا تكون على ثقة كاملة بنفسها كممثلة، إلا أنها على الأقل تعرف كيف تسيطر وتحبس مشاعرها في الداخل.

تدور أحداث الجزء الثالث حول تورط مايكل في فضيحة الفاتيكان الاقتصادية، وهي حبكة لا تعطي مبرراً مقنعاً لكوبولا كي يصور انهيار مايكل الأخير بهذه الطريقة المفتوحة والمكررة في مضمونها. عند نهاية الجزء الثاني، كان مايكل قد وصل إلى نهاية أخلاقية وروحية مسدودة وهو يجلس وحيداً معزولاً عن عائلته، والجزء الثالث لا يقدم شيء جديد لم يشرحه الجزأين السابقين بالتفصيل. يصعب علينا أن نفصل هذا الجزء عن الأجزاء السابقة على الرغم من أن الجزء الثالث يعتبر عمل مقبول مستقل بذاته (الدقائق الثلاثين الأخيرة بالتحديد هي تصوير دقيق وبارع حتى وإن كانت قصة الفيلم بشكل عام بعيدة عن المغزى الأصلي لأفلام العراب). بالمقارنة مع تحفتي 72 و74، فإن الجزء الثالث مخيب للآمال كسمعته تماماً.

 المراجعة الأصلية

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

4 أراء حول “The Godfather Trilogy – 1972-74-90

  1. أهلا عزيزي صالح ..
    ما فهمته من متابعتي لأخبار الممثل أنه مهتم بالأعمال المسرحية جداً هذه الفترة .. وباقتباسات شكسبير ..
    وعدم بروزه في السينما حالياً يعود كما يبدو لعدم توفر سيناريوهات توظف موهبته التمثيلية .. فهوليوود تركز على العنصر الشبابي بشدة في هذا العصر .. وعليه نراه قد توجه إلى التلفاز وخشبة المسرح ..

    شكرا لك ..

  2. مشكوور على القراءة الرائعة..لكن أتمنى منك أن تكتب تقريرا عن ال باتشينو وسبب خروجه من دائرة الضوء في الفترة الاخيرة ورحيله عن السينما الى التلفزيون.. بل ان حتى فيلمه السينمائي الاخير لم يحقق اي نجاح سواءا في شباك التذاكر او حتى على الصعيد الاعلامي..على الرغم من تاريخ ال باتشينو الأسطوري!

  3. العراب هو الكمال السنمائى بالنسبه لى .. خصوصا جزئه الاول لو لم اشاهد الا دور براندو كان يكفينى.
    شكرا استاذ مهند على الترجمه والنقل الراقى.
    تحياتى يا غالى.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: