التخطي إلى شريط الأدوات

Inglourious Basterds – 2009

 “I think this might just be my masterpiece.”

 من قال أن الرسم لا تفنه إلا ريشة رسام؟ ومن أجزم أن ما يمنيه القلب لا نناظره إلا في الأحلام؟ ومن ذا الذي لم يثلج ظمأه الانتقام؟ هؤلاء المسؤولون عن هذه التكهنات لم يتسن لهم بالتأكيد التعرف على أعمال المخرج كوينتن ترانتينو. إن شهية هذا الرجل في صناعة الأفلام تلهم مصطلحاً جديداً في القاموس السينمائي وهو: (لغة ترانتينو). وحسب قاموس (thefreedictionary.com)، فإن من تعريفات كلمة اللغة “أسلوب شخصي في الخطابة أو الكتابة”. وهذا تحديداً ما ينطبق على الفيلم السادس للمخرج ترانتينو (أوغاد مغمورون)، فهو أشبه باحتفاء بما يملكه من اهتمام وهيام بعلم اللغة بشكلٍ عام، وما يمكن أن تضفيه على سير الأحداث عندما يوظفها كوسيلة هجوم أو دفاع تتسلح بها مختلف جنسيات فيلمه بشكلٍ خاص. يرفع كوينتن ترانتينو هنا يد الانتقام ويحقق المنايا، آبياً أن يدنو من ريشة رسام أو أن يغط في أحلام؛ بل مستعيناً بلغته ليرسم قصته بالكلمات، وهي ليست كمعظم الكلمات التي ترسمها باقي الأقلام.

أحد الأدوار التي كتبها كوينتن في هذا الفيلم هي شخصية الكولونيل الألماني هانس لاندا، الذي يشبّه الألمان بالصقور واليهود بالفئران، ويطرب على أنغام لقبه “صائد اليهود” لأنه “يفكر كاليهود أنفسهم” وهو يقوم بمطاردتهم. وثمة جملة موجودة فقط في المقاطع الدعائية للفيلم قام ترانتينو بتجزئتها بطريقة مختلفة في المشهد الأول، إذ لا يحدث عادة أن يفتتح فيلم حربي بحوار بسيط، وهي تلخص وجهة نظر الكولونيل هذه حول اليهود بشكل أدق، حيث يقول فيها: “على الرغم من قسوة هذا العالم الموحش الذي يخنع الفأر إلى تحمله، فهو لا يكتفي بالنجاة منه فحسب، لا بل يتكاثر فيه أيضاً. إن عدونا الصغير هذا يتمتع بغريزتي البقاء والصمود، أكثر من أي عدو آخر… وهذه هي الخصلة المشتركة بين اليهودي والفأر”. ومباشرة، بعيد أن نتفهم فحوى هذه المحادثة التي جمعت بين لاندا وأحد المواطنين الفرنسيين، يطلب الكولونيل الإذن منه كي يدخن غليونه كما يفعل مضيفه، وعندما يُخرج لاندا غليونه من جيبه، نلحظ أن حجمه أكبر بخمس مرات من غليون المواطن الفرنسي، ورسالة ترانتينو المجازية تصوغ نفسها (“الصقر سيصيد الفأر”).

يستخدم ترانتينو و/أو لاندا العبارة الاصطلاحية الإنجليزية (Second to none – أفضل من أي شيء آخر) لوصف جلادة هذا الفأر اليهودي. 

غير أن استساغة ترانتينو ونبضه بهذه العموميات أو الخصوصيات اللغوية والبصرية على حدٍ سواء لا تنضب أبداً، فالكلمات التي يرسمها لا تنقب عن تقليدية السيناريو السينمائي المعتاد، بل تزخرف ما هو أعمق وأكثر ندرة؛ إن حذلقة ترانتينو في إيثاره لحواراته وتراكيبه التعبيرية الخاصة لنفسه التي لا يستطيع أحد غيره أن يخرجها، وصياغتها بعينه الفنية، تثبت مدى تفهمه وتفكره في الفروق اللغوية التي تتفاوت في تأثيرها بين لغة إلى أخرى (حيث يجمع بين 4 لغات في الفيلم) من جهة، وتشير من جهة أخرى إلى قدرته الحيوية في التهليل للأفلام والموسيقى التي عشقها في صغره، من أجل ربط الجمهور الجديد بأصوله السينمائية التي صقلتها في روحه “الأفلام الأولى” وزرعت في غيط موهبته بذور التوله والإرادة للمضي في حرفة الإخراج وحصدت له ثمار نجاح أفلامه السابقة. (افتخار ترانتينو بميراثه السينمائي واقتباسه منه في أفلامه يعرضه دائماً لنقد لاذع إنما مبهم وغير منطقي، ولكن أليس هذا حال معظم الفنانين؟ إلهام واستلهام؟).

 

 

تدور القصة على خلفية الحرب العالمية الثانية، ويغزلها ترانتينو مجدداً ببصمته الشهيرة بتقسيم الحكاية على خمسة فصول. الفصل الأول والمعنون “حدث ذات مرة… في فرنسا تحت الاحتلال النازي” يُشعل فتيل الأحداث من عام 1941 في الريف الفرنسي، حيث نقابل الكولونيل النازي هانس لاندا (كريستوفر فالتز) يتملق بابتسامته ومجاملاته ليدخل منزل المزارع الفرنسي بيرييه لابديت (دينيس مينوشيت) الذي يقطن فيه مع بناته الثلاث. زيارة لاندا ذات مغزى واضح: البحث والكشف عن مخبأ أي عائلة يهودية ومن ثم إبادتها وإبادة من يعمل على تخبئتها. تفيد معلومات لاندا أن أربعة عائلات عاشت في هذه المنطقة وكانت تعمل في الزراعة قبل الحرب، ثلاث منها أغلقت ملفاتها، فيما يبدو أن الرابعة قد تبخرت، أو كما يقول لاندا “إما أن أفراد عائلة بارعون في الهرب، أو أن شخص ما بارع في إخفائها”.

يستهل لاندا محادثته مع لابديت باللغة الفرنسية، لكن سرعان ما يطلب منه التحول للإنجليزية كي لا يُحرج  نفسه كما يدعي بارتكاب أية أخطاء. بيد أن غاية لاندا هي الحديث بلغة لا يفهمها اليهود، واضعاً بالحسبان احتمال اختباء هذه العائلة المفقودة في منزل لابديت، وبالتالي يضمن نجاح تمثيليته. عين الصقر التي يتمتع بها لاندا وقدرته على الاستدراج ومكره في التنقل بين اللغات تُجبر المواطن الفرنسي على الإقرار بتستره على هذه العائلة الرابعة واختبائها أسفل أرضيته الخشبية، فيأمر لاندا عندها ضباطه “بالإنجليزية” الدخول إلى المنزل ومسحها عن الوجود. تتمكن فتاة واحدة من العائلة اسمها شوشانا (ميلاني لوران) من الهرب، وتتجنب حتفها من مسدس لاندا الذي يودعها من بعيد بالقول “سنلتقي مجدداً”، وهذا ما يحدث بالفعل.     

يقدم لنا الفصل الثاني “أوغاد مغمورون” الملازم اليهودي الأمريكي ألدو رين (براد بيت) وهو يجهز مجموعته المكونة من ثمانية جنود من نفس الأصل، حيث يطلعهم “والابتسامة تزين وجهه” على مهمتهم الجديدة عند نزولهم في الأراضي الفرنسي، وهي القيام بأمر واحد ومحدد: قتل النازيين والتلذذ في ذلك “لم آت هنا لأعطي النازيين درساً عن الإنسانية، لأنهم لا يعرفون الإنسانية، فهم جنود مهووسون بكره اليهود وهم قتلة مجرمون، ويجب تدميرهم”، كلمات مناسبة لشحن عزيمتهم قبل أن ينفذوا أوامره ويسددوا دينهم له، فكل واحد منهم يتوجب عليه تسليم الملازم 100 جلدة رأس نازية مسلوخة، وهو يعني ما يقوله، فألدو يشبّه عمله بالتجارة، ووفرة جلود الرأس تعني نجاح تجارته، وعندما يرفض أحد النازيين التعاون معه، يستمتع بتعذيبه وكأنه “أقرب ما يكون إلى مشاهدة فيلم سينمائي”.

تترابط القصة بشكل شبه كامل مع بدء مجريات الفصل الثالث “ليلة ألمانية في باريس” في عام 1944، ونلتقي مجدداً بشوشانا التي كانت قد هربت قبل أربع سنوات من مخالب الكولونيل هانز لاندا، وهي الآن تحمل اسماً جديداً “إيمانويل ميمييه” وتملك وتدير صالة سينمائية تقول أنها ورثتها عن عمتها وعمها بعد وفاتهما. تتعرف في إحدى الليالي على بطل حرب شاب اسمه فردريك زولر (دانيل برويغل)، الذي يطلب منها عرض فيلمه في صالتها ويدعى “فخر الأمة”، وهنا يدخل الفصل الرابع “عملية كينو” الذي يعرض خطة البريطانيين بقتل هتلر ومعظم أعضاء القيادة العليا وآخرين دفعة واحدة، نظراً لإمكانية تواجدهم في العرض الافتتاحي للفيلم، أو كما يشرحها اللواء إد فينيش (مايك مايرز) “كل البيض الفاسد بسلة واحدة، وهدف عملية كينو هو حرق السلة”. سير العملية سيتم بمساعدة ممثلة جاسوسة تدعى بريدجيت فون هامرسمارك (ديان كريغر)، إلا أن قلة خبرتها بالتخطيط الاستراتيجي، تتسبب بفوضى غير متوقعة تلحظها عين الكولونيل لاندا، لكنه لا يعلم عن خطة شوشانا الخاصة في حرق هتلر وأتباعه داخل صالتها لتخط الفصل الأخير من الفيلم تحت عنوان “انتقام الوجه الكبير”.

لا يعمد ترانتينو في هذا الفيلم إلى تغيير التاريخ أو حتى إعادة كتابة بعض مراحله، لأن أغلب شخصيات قصته هي من محض مخيلته، كما أنها لا تعي أن ما تفعله سيغير أي شيء، فكل واحد منهم يتصرف على سجيته وما يمليه عليه الشعور الساكن في رغبته وضميره، مما يجعل الأحداث أكثر خطورة وأكثر عفوية. إلا أن ما يميز (أوغاد مغمورون) بحق، هي جرأة المخرج وحس الإقدام المنعش الذي ينفرد به ليضيف منظور غير مسبوق في التعامل مع الأفلام الحربية بالنسبة للمشاهد؛ فنحن عادة ما نشهد الأفلام التاريخية أو الحربية لمتعة تجسيدها تلك الحادثة الحقيقية أو مقدرتها على نقلنا لواقعية ذلك العالم القديم، لكننا دائماً نكون على دراية كيف ستؤول خاتمة الفيلم من ناحية أو بأخرى. قم باسترجاع الأفلام التي تناولت هتلر والنازية والحرب العالمية الثانية وستجد أنها ترجح كفة الاقتراب من التصوير المتوقع أكثر من كفة الإبداع في إضفاء لمسة خاصة لصانع الفيلم حول القصة (وبما أنها حكاية انتهت منذ أزل، فما الذي يمنع القليل من التجديد؟).

 

 

 

نجد أمثلة على هذا الإبداع في الأفلام السينمائية التي تعرضت لقصة السيد المسيح (بالطبع مع اختلاف الآراء والأديان حول كيفية عرضها) بالرغم من تقليدية تصوير وفاته. أما ترانتينو فيوظف الفصول الخمسة التي تخللتها قصته ليضع اللوم على جميع أطراف المعادلة، أي على سذاجة الفرنسيين ووحشية الألمان وهامشية الطليان وجهل الأمريكيين “أعرف أن سؤالي سخيف قبل أن أسأله، لكن هل يمكنكم أيها الأمريكان تكلم لغة أخرى إلى جانب الإنجليزية؟” وبالتالي يقدم مغامرة حربية خاصة لم يشهد الجمهور مثيلاً لها من نواحي التجديد، كون ترانتينو بالأساس شخصاً محباً لما هو صادم ومدوي، ولإحالة الكوميديا السوداء إلى مأساة تهكمية.   

إن كتابة وإخراج ترانتينو وطريقته في تقطيع قصته تُبرر بسببين دون أدنى شك، الأول أن المخرج يشعر بحس عالٍ حول خصوصية وأهمية كل مشهد يكتبه، ويفضل معاملة كل مشهد على أنه الأهم والأكثر فعالية ومحورية في الفيلم، وعليه سيحظى بعناية جديرة ولافتة من طاقم العمل بأسره ومن ثم يلاقيها الجمهور باكتراث مواز. بينما يشير السبب الثاني إلى أن ترانتينو يفكر في الجمهور السينمائي الشاب، فهذا التقطيع بين الفصول بالإضافة لتظليله وتركيزه على أهمية كل فصل منهم، يزيد من مدى التوتر والإثارة بين خلجات اليافعين نظراً لسعة حس الفضول الذي يتمتعون به والذي سيتولد لديهم تلقائياً، بالإضافة لمقدرتهم على تركيب المعضلة وتجميع أوصال الأحجية ومتعة النظر للعمل ككل بعد أن تكون الصورة قد ارتسمت بأكملها أمامهم.

يرسم ترانتينو السيناريو والحوار كذلك في مواقع ومواقف تعكس مفارقات وأفكار وتناقض خلفيات الشخصيات، فاختياره لخضار الأرض وهوائها العليل كي يفتتح بهما فيلمه لا تشبه افتتاحية أي قصة حربية معهودة، بيد أن “سوداوية” منزل المزارع من الداخل تعكس كآبة زيارة لاندا في “نفس” المواطن الفرنسي. والفستان “الأحمر” الذي ترتديه شوشانا يمثل لون “الدم” الذي تشتهي سفكه عما قريب، مزينةً وجهها ببربرية الهنود الحمر لتعلن عن نفسها كوجه الانتقام الأخير. أضف إلى ذلك أن الشخصيات في أفلام ترانتينو دائماً مفكرة، ملموسة وقريبة من الواقع وتعرف ما يدور حولها وتخطط ولا تكتفي بترديد الحوار فحسب، كما أنه يهتم للغاية بالطريقة التي تدخل أو تخرج بها من أو في مشاهده، وهي الخاصية التي تعزز صورتهم في ذاكرتنا وتضيف رونقاً خاصةً لها حتى تحفظ في التاريخ.

إكثار ترانتينو من حجم الحوار في أفلامه لا يحمل دوافع التباهي أو الغلو أو الترويج لسلاسة وسخاء قلمه، بل لتوليف فكرة راسخة حول الشخصيات المعروضة على الشاشة لدى المشاهدين، وبهدف ملاحظة اختيارهم للكلمات وأسلوب استخدامهم لها، وللغة جسدهم؛ فالجمهور هو الشغل الشاغل لترانتينو دائماً. وأداء الممثل النمساوي كريستوفر فالتز يشرح هذه النقاط بالضبط، بحيث أن الحوار ووجه لاندا (كما يلعبه فالتز بشيطانيته الشطرنجية) يتكفلان بعرض تقنيته الاجتماعية والوظيفية، وهي مزيج بين عين الصقر وجسارة الأسد وسكينة البوم ودهاء الثعلب، وعليه فأنت لا تكرهه كشخص بتاتاً، بل تمقت وحشيته، لأن المخرج وفر لك الوقت والمواقف الكافية لأن تعجب بفراسته على الأقل. لا يوجد أداء سيء في الفيلم، بيد أن فالتز يطغى بشخصيته بشكل كبير لدرجة أن جهود باقي الممثلين – بالرغم من قوتهم – تبدو ثانوية للغاية (وجدت بعض المشاكل في تقبل وجود براد بيت نظراً لصورته الإعلامية الكبيرة حالياً، وخاصة مشهده الأول الذي يستمر فيه بقضم شفته وابتلاع ريقه بطريقة متكررة غريبة، لكنني تقبلته لاحقاً في السترة الإيطالية). 

لاحظ أن عنوان الفيلم بالإنجليزية والمستوحى عن اسم الفيلم الإيطالي The Inglorious Bastards لعام 1978، يمكن أن يترجم بمعانيٍ لا حصر لها، وتمعن كذلك في أحرفه ستجد خطئاً مقصوداً في تهجيته “Inglourious Basterds” بوجود حرف u زائد في الكلمة الأولى، والحرف e بدلاً من a في الكلمة الثانية، وعليه فإن العنوان سيكون “Inglorious Bastards”. وعندما سُئل عن سبب هذا الخطأ، اكتفى ترانتينو بالقول أنها “طريقتي الخاصة في نطق الكلمة”، وهي لمسة من لمسات الرسام الأمريكي الراحل جان ميشيل باسكيا الإفريقي الأصل، الذي عُرف بابتكاره لموجة “الجرافيت” وهي خربشة تعبيرية على جدران الشوارع. ترانتينو يخربش على العنوان كدلالة على عنجهية شخصيات فيلمه، وهذه الخربشة أسفرت عن لوحة مجنونة يرسمها ترانتينو بكلماته وبابتسامة كريستوفر فالتز الأوسكارية لا محالة. “Bingo” بالفعل (لا تحاول ترجمتها). 

 

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

4 أراء حول “Inglourious Basterds – 2009

  1. صراحه فيلم مجنون بكل ماتحمله الكلمة من معنى
    شاهدته منذ مدة لكني شعرت اني لم اوفيه حقه فشاهدته ثانيه وما زادني ذلك الا
    ولوعا بالفلم اكثر واكثر .
    مشكور اخي مهند على هذه المراجعه التي لا توصف .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: